نحن نستخف بأسناننا حتى نخسرها أو تحتاج إلى ترميمات أساسية، وعندها نصبح أمام خيارات صعبة: إما أن نتدبر حياتنا بدون الأسنان، المفقودة، أو أن نستبدل بها أسناناً اصطناعية لا حياة فيها. وتدل الإحصاءات في العالم الغربي على أن 85% من البالغين قد أجروا معالجة سنية من نوع ما، وأن نحو 7% من الذين بلغوا 17 عاماً قد فقدوا سناً أو أكثر، وأن معدل الأسنان المفقودة بعد عمر 50 هو 12 سناً.

نظرياً: إن أفضل تعويض ممكن للسن المفقودة هو سن طبيعية صنعت من نسيج المريض ذاته ونميت في موقعها المطلوب، مع أن مثل هذه الأسنان المهندسة حيوياً قد كانت لسنوات مضت مجرد حلم، لكن التقدم الذي حصل مؤخراً في فهم كيف تنشأ الأسنان أول مرة قد تضافر مع تطور بيولوجية الخلايا الجذعية وتقانة هندسة النسج ليقربنا من تحقيق الأسنان البديلة الحية.

إضافة إلى الفائدة المحتملة للأشخاص الذين يحتاجون إلى أسنان، توجد ميزتان مهمتان في اختبار مفهوم تعويض الأعضاء:

الأولى أنه من السهل الوصول للأسنان، والأخرى أن حياتنا غير متوقفة على وجود أسناننا، مع أن وجودها يحسن نوعية حياتنا إلى حد كبير. قد تبدو هاتان الميزتان قليلتي الأهمية، ولكن عندما تبدأ الموجة الأولى من تعويض الأعضاء بشق طريقها نحو عيادات الأطباء فإن الأسنان سوف تخدم كاختبار حاسم في مدى قابلية مختلف تقنيات هندسة النسج للتطبيق. وبالنسبة إلى الأعضاء الأساسية اللازمة للحفاظ على الحياة، فإن الأطباء لن يكون لديهم أي هامش لارتكاب الأخطاء، أما في حالة الأسنان، فإن الأخطاء لن تهدد الحياة، ويمكن تصحيحها.

إن هذا لا يعني أن تصنيع (هندسة) الأسنان سوف يكون بسيطاً. فقد أسهمت ملايين السنين من التطور في ترسيخ العمليات المعقدة التي تنتج الأعضاء، ومنها الأسنان، خلال التطور الجنيني. إن التحدي الذي يواجهه مهندسو النسج هو كيفية تقليد هذه العمليات التي تسيطر عليها بقوة جينات (مورثات) الجنين النامي، لذلك فإن أفضل طريقة للبدء بتعلم كيفية تكوين الأسنان هي مراقبة الطبيعة تفعل ذلك.

حوار دقيق

بعد مضي ستة أسابيع من بداية الحمل يكون طول الجنين البشري أقل من بوصة واحدة، وبالكاد يبدأ بأخذ شكلا مميزا. ومع ذلك يكون قد حدث حوار متبادل ومستمر بين خلاياه يُبدئ تشكل أسنانه ويقوده. إن تعقيد هذه الإشارات المتبادلة هو من بين الأسباب التي مازالت تمنع إنماء الأسنان والأعضاء الأخرى في أطباق المختبرات. وفي الحقيقة قد لا يتمكن العلماء أبداً من التقليد الصُّنعي لهذه الظروف بشكل كامل.

وكلما ازداد فهمنا لهذه المراحل المبكرة من التطور ازدادت فرصنا في تزويد نسج السن المصنعة بأهم المشعرات لبناء العضو، ثم نترك الطبيعة تقوم بباقي العمل.

مثلاً: إن معظم الأعضاء ومن بينها الأسنان تتكون من خلايا متأثرات بين نوعين متمايزين من الخلايا الجنينية هما ظهاري ومزنشيمي. إن الخلايا الظهارية الفموية في الجنين (والتي مقدر لها أن تبطن التجاويف الفموية) ترسل أولى الفك والنسج الرخوة) لتأمرها بالبدء بتكوين السن. وما ان تتلقى الخلايا المزنشيمية تعليماتها الأولية حتى تبدأ بإرسال إشارات الرد إلى الخلايا الظهارية. ويستمر هذا التبادل المتعاكس خلال تطور السن الجنينية.

في البداية، لا تكون السن المستقبلية أكثر من تسمك في الظهارة الفموية الجنينية. ومع نموها، تبدأ الظهارة باختراق النسيج المزنشيمي الذي يقبع تحتها والذي بدوره يتكثف حول هذا البروز الظهاري مشكلاً برعماً وذلك في الأسبوع السابع من عمر الجنين. ومع ازدياد اختراق البروز الظهاري فإنه يلتف حول النسيج المزنشيمي المتكثف ليشكل في النهاية بنية ذات شكل جرسي مفتوحة من الأسفل، وذلك في الأسبوع 14 تقريباً.

وأخيراً، فإن هذه الظهارة سوف تصبح الميناء الخارجي المرئي للسن التي ستبزغ من لثة الطفل وذلك بعد ستة أشهر إلى اثني عشر شهراً تقريباً من الولادة، أما الخلايا المزنشيمية فإنها تكون قد شكلت الأقسام غير المرئية من السن كالعاج واللب السني والملاط والرباط حول السني الذي يربط السن بعظم الفك.

حتى قبل أن تبدأ هذه السن بالتكون، فإن شكلها يكون مقررا سلفا عن طريق موقعها، حيث إن بعض الإشارات المحرضة التي أطلقتها الظهارة والتي تبدئ تكون السن، تنظم عمل مجموعة مهمة من الجينات في مزنشيم الفك، تعرف بجينات (مورثات) الصندوق المثلي (أو صندوق الاستبدال)، تشارك في تحديد شكل وموقع الأعضاء والزوائد في كل الجسم خلال النمو الجنيني.

ففي الفك النامي عند الإنسان يتم تفعيل جينات صندوق استبدال مختلفة في أمكنة متباينة لتقود كل برعم سني عبر مساره ليصبح رحى أو ضاحكاً أو ناباً أو قاطعاً.

وعلى سبيل المثال، تفعِّل الخلايا المزنشيمية في المواقع التي ستنمو في الأرحاء جينة تدعى Barx1. وفي التجارب على الحيوانات، فإن تفعيل هذه الجينة على نحو خطأ، في مزنشيم يعطي قواطع في الأحوال العادية، يجعل هذه الأسنان تنمو بشكل أرحاء. ولما كانت القدرة على التوقع المسبق والتحكم في شكل السن ستصير شيئاً أساسياً في تصنيع أسنان مهندسة فإن بإمكان العلماء استخدام نشاط الجينات مثل الجينة Barx1 كواسمات markers تنبئية دقيقة للشكل المستقبلي حينما يبدؤون باستنبات الأسنان في المختبر أول مرة.

وعلينا، بدورنا أن نؤمن الإشارات المناسبة للأسنان النامية في الوقت المناسب. فمنذ الستينات بدأ باحث مثل (كلاستون) (من مختبر أبحاث Strangeways في جامعة كمبردج بإنجلترا) باستكشاف إمكانية إنماء أسنان من خلال التجريب على نسج فأرية. وخلال العقود الثلاثة التالية أجريت دراسات كانت بمثابة بذور التطور للتجارب الحالية، تم فيها الجمع بين قطع صغيرة من ظهارة سنية ومزنشيم سني من جنين فأر، وبعد ذلك تم تنميتها في طبق مستنبت نسيجي أو زرعها جراحياً في جسم العائل (الثوي) host.

حيث ستحصل النسج التي أعيد جمعها على التروية الدموية. أظهرت هذه التجارب أن بُداءات الأسنان الجنينية embryonic tooth primordial هذه يمكن أن تستمر في النمو مشكلة العاج والميناء كما لو أن ظهارته وميزنشيمه مازالتا في الجنين، إلا أن نموهما يتوقف مبكراً ولا تكون الحصيلة في النهاية سنا مكتملة التشكل. ويعود السبب في ذلك إلى أن شيئاً ما مفقود في البيئة التي تنمو بها.