توقع أحمد هيكل رئيس مجلس إدارة شركة القلعة للاستشارات المالية أن يعود اقتصاد الإمارات والدول الخليجية الأخرى للانتعاش من جديد خلال عامين وذلك مع بدء التعافي المتوقع من أثار الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على كافة دول العالم، ويتوقع أن تعود أسعار النفط لمعدلات مرتفعة خلال فترة ما بين أربعة إلى خمسة أعوام.
وأكد هيكل في حواره مع (البيان الاقتصادي) أن دول الخليج - باستثناء العراق - لديها سيولة تراكمية حققتها من فوائض البترول وانتعاش اقتصادها خلال السنوات الماضية، ستساعدها على تقليل تأثير الأزمة العالمية وتحقيق معدلات نمو ايجابية لاقتصاداتها في السنوات القليلة المقبلة وعلى رأس هذه الدول الإمارات.ورأي رئيس مجموعة القلعة أن الأزمة لها مسبباتها الموضوعية وإن كانت أكثر أسباب تسارع تفاقم حدتها هي أسباب نفسية انتابت الجميع؛ الحكومات وأصحاب القرار قبل الأفراد. وأكد أن على العرب التوجه جزئياً نحو إفريقيا أو الدول العربية غير المنتجة للنفط نظرا لما تملكه من فرص استثمارية واعدة.
وكان هذا نص الحوار: ما رؤيتكم وانتم تمثلون واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في المنطقة للمدى الزمني الذي يحتاجه العالم للتعافي من الأزمة العالمية العاصفة وصفها الكثيرون بأنها الأصعب منذ الكساد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي ؟ بكل تأكيد لن تنتهي هذا العام ولا حتى العام المقبل فأعتقد أن عام 2009 قد يشهد أوضاعا أكثر سوءا وتفاقما للازمة قد تمتد إلى العام المقبل، ومع نهاية 2010 وبداية 2011 قد نبدأ في التحول نحو التعافي التدريجي البطيء، فالعالم في تصورنا يحتاج إلى ما بين 6 إلى 8 فصول إضافية أي ما بين عام ونصف وعامين حتى نبدأ في تحقيق معدلات نمو ضعيفة تزداد تدريجياً.
اختلف المحللون حول تأثير الأزمة على تدفقات الاستثمار المباشر في العالم. هل ترون أن الأزمة ستؤدي إلى توقف عمليات الاستثمار المباشر أم ستشكل فرصا ذهبية لاقتناص الفرص في ظل تراجع حجم السيولة عالميا وأيضا تراجع الأسعار؟
أرى أن أي عمليات استحواذ ستتم حاليا وخلال الفترة المقبلة ستحقق أرباحا ضخمة بعد انتهاء الأزمة والعودة للتعافي، لكن هذا لمن يملك سيولة وجرأة في القرار. وهناك الكثير من الشركات وضعها ليس بالجيد حاليا، أيضا هناك حكومات في أوضاع لا تحسد عليها. وهناك بعض الحكومات تحاول اتخاذ إجراءات لتنشيط اقتصاداتها وإحياء الاستثمار، وهي على استعداد لتقديم تسهيلات مجزية.
ما هو موقف الشرق الأوسط والمنطقة العربية من الأزمة العالمية؟ وكيف سيكون التأثير على المنطقة في ظل الهبوط الحاد لأسعار النفط؟
هناك تفاوت في تأثر بلدان العالم بالأزمة. وهو ما ينطبق على الشرق الأوسط أيضا بما فيها دول الخليج النفطية. لكن دول الخليج (باستثناء العراق) تمتاز بميزات إضافية حيال مواجهتها للأزمة تتمثل في الفوائض التراكمية التي حققتها مع الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسعار النفط في السنوات السابقة وهو ما سيساعد دول الخليج على تجاوز الأزمة وهنا أقصد دولا مثل الإمارات والكويت والسعودية وقطر بالإضافة إلى الجزائر وليبيا. ولكن التأثير موجود خاصة وأن المشروعات الكبرى كانت تعتمد في تمويلها على البنوك التجارية العالمية، وهذه البنوك حالياً مغلقة لحين إشعار أخر.
خفضت جميع المؤسسات الدولية من توقعاتها بشأن النمو الاقتصادي في العالم للسنوات القليلة المقبلة مما أدى إلى اتجاه المؤسسات الاستثمارية لإعادة حساباتها من جديد وتقييم استثماراتها وبدأت العديد منها في التخارج من استثمارات لها. هل يمكن أن تتحول ظاهرة التخارج من الاستثمارات إلى ظاهرة عالمية؟
من الطبيعي أن تعيد كل شركة حساباتها في ظل الأزمة، وتنظر للأمر وفقا لظروفها الخاصة وظروف التدفقات النقدية إليها خلال الفترة المقبلة، كما أن طبيعة الاستثمار المباشر الاستثمار والبيع بعد فترة زمنية طويلة (5-7 سنوات) و هناك كما قلت من يملك السيولة ويستغل تراجع تقييم الشركات ليقوم بعمليات استحواذ، وهذا هو ما سيربح أكثر في النهاية وهنا لا أعني أن من يبيع خاسر على طول الخط لكن ربما ظروفه تضطره لذلك فقرار البيع حتى لو بأسعار أقل قد يكون أفضل له وفقا لظروفه.
مع الارتفاع الكبير لأسعار النفط على مدار السنوات الثلاث التي سبقت الأزمة تحولت دول الخليج من الناحية الاقتصادية إلى اهتمام غالبية المؤسسات الاستثمارية والمالية الدولية خاصة مع الفورة المالية التي حققتها تلك المنطقة نتيجة فوائض النفط. ولكن مع الأزمة تبدل الحال. هل تعتقدون أن الاقتصاد الخليجي نجح فعلا في استغلال الوفرة النقدية والسيولة التي توفرت لديه عند ارتفاع أسعار النفط الاستغلال الأمثل؟
الدول الخليجية حققت فوائض ضخمة للغاية ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأربع السابقة. وهذه الفوائض وظفت في ثلاثة اتجاهات منها ما تم ادخاره في احتياطيات أدت إلى خلق تراكم في السيولة لدى هذه الدول ومنها ما تم استثماره في إطار الدولة نفسها على مشروعات محلية في كافة القطاعات أدت إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتكلفتها في ذات الوقت ومنها ما تم استثماره في الدول العربية المجاورة أما الجهة الثالثة التي اتجهت إليها الفوائض العربية فتمثلت في الاستثمار في الخارج وخاصة في الدول الغربية ما بين أوروبا وأمريكا سواء استثمارات مباشرة أو استثمارات مالية في الأسهم والسندات. وكانت الاستثمارات البينية العربية أقل الوجهات التي ذهبت إليها الفوائض.
هل ترون أنه كان من الأفضل توجيه جزء أكبر من الفوائض المالية الخليجية إلى الاستثمار البيني العربي؟
قرارات الاستثمار في الأسواق الغربية قرارات صائبة في وقتها والحساب بأثر رجعي أسهل شيء ولكني أتصور أن نسبة الاستثمارات في الدول العربية كانت أقل من اللازم، وعلى أية حال قرارات الاستثمار من جانب الصناديق السيادية تؤخذ بجدية من جانب العاملين بها وكافة صناديق العالم بما فيها الصين وسنغافورة استثمرت كثيراً في الأسواق الغربية وعموماُ أنا لست من هواة جلد النفس بأثر رجعي.
وماذا يمكن أن نفعله كدول عربية بشكل عام وكدول خليجيه على وجه التحديد لمواجهة أثار الأزمة العالمية وكيف نخرج منها بأقل الخسائر؟
العديد من دول الخليج اتخذت إجراءات مختلفة لمواجهة الأزمة بحسب ظروف كل دولة وذلك ربما لاختلاف تأثر كل دولة بالأزمة وهناك دول توجهت نحو الإنفاق في مجال البنية التحتية بهدف تنشيط اقتصادها كما فعلت مصر والسعودية. وهناك دول طالبت صناديقها السيادية الاستثمار في داخل البلد، وهو أمر صحي. المهم الاستمرار في المحافظة على سلامة الأجهزة المصرفية العربية.
هناك اقتصادات نمت بشكل سريع مع النمو العالمي الذي شهدته الفترة من 2004 وحتى منتصف 2008 ومنها الاقتصاد الإماراتي ورأينا اقتصاداً من نوع جديد بدأ يظهر وهو اقتصاد العقارات لكن مع بدء الأزمة العالمية شهد قطاع الاستثمار العقاري أزمات حادة. هل ترون أن ما حدث من الطفرة العقارية في الخليج مبالغ فيها أم أنها كانت مواكبة لما يجري في العالم؟
ما حدث في الدول الخليجية بشكل عام والإمارات على وجه الخصوص من طفرة اقتصادية عامة وعقارية خاصة أمر طبيعي فنتيجة الفوائض البترولية الضخمة كان طبيعيا أن يوجه منها جزء للاقتصاد وتحقيق التنمية فيه. الدول الخليجية تواجه مشكلة هي ضيق فرص الاستثمار بها نظرا لصغر مساحاتها واعتمادها على البترول وهو ما يجعل الصناعة التي يمكنها أن تنجح فيها هي الصناعات المرتبطة بالبترول مثل البتروكيماويات بالإضافة إلى صناعة مواد البناء، بالإضافة طبعاً إلى الخدمات المالية والصناعات الخدمية مثل الاتصالات.
ونظرا للسيولة الضخمة التي وجهت للاستثمار الداخلي ومع الاستراتيجيات لتحويل الخليج إلى مراكز عالمية للمال والأعمال كان لزاما أن يواكب ذلك نهضة عقارية. وهنا أقول أن الاستثمار في قطاعات البتروكيماويات والعقارات والخدمات هي أفضل مجالات الاستثمار في الخليج ككل. حتى رغم الأزمة سوف يعود السوق إلى الانتعاش بعد فترة الحذر التي نعيشها على المدى القريب وعلينا التفاؤل بالمستقبل لوجود الأسباب الموضوعية التي تدفعنا لذلك.
لكن العقارات تواجه أزمة حقيقية حاليا في العالم كله وفى دبي على وجه الخصوص؟
هنا أتحدث عن دبي وليس عن العالم. فما تعانيه دبي من أزمة عقارية سيتم تجاوزه خلال فترة ستعود دبي بعدها لانتعاشها العقاري من جديد.لكن سوف يأخذ هذا بعض الوقت.
تحذير : الاقتصاد العالمي لا يحتمل الآن معدلات مرتفعة للادخار
أكد الدكتور أحمد هيكل رئيس مجلس إدارة شركة القلعة للاستشارات المالية أن الادخار عموماً شئ ايجابي، ولكن الاقتصاد العالمي لا يحتمل الآن معدلات مرتفعة للادخار كما يحدث الآن وذلك لأن الذعر الذي أصاب الجميع، والتخوف من شراء السلع والبضائع والاندفاع إلى الادخار شعور طبيعي عند الإحساس بالخطر.
وقد ظهر في النهاية في صورة مشكلات سيكولوجية لدى المستهلك، حيث لا يرغب أحد الآن في الإنفاق فالجميع يخافون فقدان وظائفهم، الجميع أعلن ربط الأحزمة بسبب أو بدون. وأصبح لا استهلاك ولا إنتاج والحالة لم تنتاب فقط المستهلكين بل صناع القرار أيضا على صعيد الدول والشركات مما أدى إلى تراجع حاد في اتجاه الشركات وأغلقت بعض المصانع أبوابها ليدفعنا ذلك إلى انكماش عالمي للاقتصاد.
وأضاف: الأزمة بدأت من القطاع العقاري ثم انتقلت إلى القطاع المصرفي في أمريكا، أوروبا، أسيا، ويواجه هذا القطاع مصاعب شديدة للغاية ناتجة عن خسائر فادحة في استثمارات توريق الديون العقارية ليمتد بعد ذلك إلى القروض الائتمانية بشكل عام في كافة المجالات التي تكاد تكون توقفت في مجالات قروض السيارات أو التسهيلات المصرفية.
القاهرة : محسن محمود


