أجمع خبراء ومحللون ماليون على ضرورة وضع آليات لضبط عمل الاستثمارات الأجنبية وذلك على النحو الذي يضمن عدم تأثيرها سلبياً على الاقتصاد الوطني بشكل عام وأسواق الأسهم بشكل خاص، وذلك في أعقاب ما تسببت به هذه الاستثمارات بعد انسحابها المفاجئ في الربع الأخير من العام الماضي من تراجعات قياسية في المؤشرات العامة للأسواق، وإرباك عمل الجهاز المصرفي الذي عاني من شح السيولة بعد سحب كميات كبيرة من الأموال الأجنبية التي تم إيداعها لديه واتضح فيما بعد أنها كانت بقصد المضاربة على العملة المحلية.
وأكدوا أن وضع النظم المناسبة التي تضمن تعظيم دور الاستثمارات الأجنبية في النشاط الاقتصادي والحد من تأثيراتها السلبية لا يتعارض ومبدأ الحرية الاقتصادية التي تنتهجها دولة الإمارات في الانفتاح على الاقتصاد العالمي ذلك أن مثل هذه النظم معمول بها في مختلف دول العالم وأثبتت جدواها دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع قدرتها على استقطاب هذا النوع من الاستثمارات. وبرغم إجماع الخبراء على أهمية تنظيم تحركات الاستثمارات الأجنبية إلا أنهم أكدوا في الوقت ذاته ضرورة أن تتم دراسة الموضوع بتأن، بحيث لا تكون ردة الفعل مبالغ فيها وتجاهل الدور الايجابي الذي لعبته هذه الاستثمارات خلال المرحلة السابقة في تنشيط الأسواق والعديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى وفي مقدمتها القطاع العقاري.
دراسة: ومن وجهة نظر زياد الدباس المستشار المالي في بنك أبوظبي الوطني فان الموضوع يعد غاية في الأهمية بحيث يستوجب دراسته بشكل متأن قبل اتخاذ أية قرارات بشأن إعادة النظر في تدفق الاستثمارات الأجنبية وسياسة فتح الشركات امام الاستثمار الأجنبي وتملك جزء من رؤوس أموالها، مشيراً إلى أن الاستثمار الأجنبي لعب دوراً إيجابياً في أسواق الأسهم وساهم في رفع مستوى الوعي الاستثماري خلال المرحلة الماضية من خلال الدراسات والتقييمات التي قام بإصدارها عن الشركات المتداولة في الأسواق.وأوضح الدباس لقد أصبحت اقتصادات العالم مفتوحة على بعضها ودولة الإمارات تتمتع بحرية اقتصادية وانفتاح على العالم ومن المهم الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية العالمية غير المباشرة في تعزيز أسواقنا، لذا فان الدعوة إلى منع دخول هذا النوع من الاستثمارات لا تخدم مصلحة الاقتصاد الوطني.
وفي إجابته عن التساؤل الخاص بكيفية ضمان عدم تكرار تجربة خروج الأموال الساخنة من الأسواق على غرار ما حدث في العام الماضي يقول الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية انه ومع نقص السيولة وارتفاع مستوى مديونية الشركات والمصارف، هناك من يتطلع ويأمل في عودة الأموال الأجنبية للدولة لرفع مستوى السيولة خاصة في المصارف والذي بدوره يمكن أن يساعد الجهاز المصرفي على العودة للإقراض. ويتابع الشماع قوله انه ومن هنا فان الأبواب المحلية لا تزال مفتوحة لاستقبال الأموال الأجنبية إذا ما أتت حيث لم يصدر أي تشريع أو قرار بوضع قيود على دخولها أو خروجها. وكل ما حدث أن هناك في الطريق مشروع قانون لإنشاء شركة معلومات ائتمانية قد تشرف على موضوع الاستثمارات الأجنبية وتكون بمثابة جهاز إنذار مبكر للأوضاع الائتمانية في الدولة.
وقال انه وفي العام الماضي عندما دخلت الأموال الساخنة لغرض المضاربة على العملة التي كانت مرشحة للارتفاع مقابل الدولار ولم تعرف بها السلطة النقدية بشكل فوري، لعدم وجود جهاز رصد لحركة الائتمان.
كذلك فان البنوك لم تدرك حينها حجم هذه الأموال التي دخلت كودائع موزعة على جميع البنوك. فالبنك الواحد كان يجهل ما دخل للبنوك الأخرى كمجموع، فأخذ يتصرف بالودائع المتزايدة لديه ويرفع من مستوى الائتمان الممنوح لعملائه الأمر الذي زاد من حدة التباين بين القروض والودائع التي كانت أصلاً مختلة لصالح القروض.
وأوضح انه وبعد تأسيس شركة المعلومات الائتمانية فإنها ستوفر للسلطة النقدية بيانات محدثة بشكل مستمر عن وضع الائتمان ووضع السيولة، مما سيمكن المركزي في الحصيلة النهائية من تكوين تصور واضح عن السيولة التي تدخل الجهاز المصرفي، مما سيسمح بدوره لهذه السلطة أن ترسم السياسة النقدية والائتمانية المناسبة التي تحول دون تكرار التجربة السابقة.
مشيراً إلى أن المصرف المركزي الإماراتي كان قد وجه المصارف بضرورة الالتزام بتعاميمه التي تطلب تزويده بالبيانات الدورية الشهرية في مواعيدها وهو ما سيساعد أيضاً على تكوين صورة واضحة وجهاز إنذار مبكر يمكن أن يتلافى أي اختلال نقدي كالذي مرت به الأسواق في العام الماضي بسب خروج السيولة الأجنبية.
السيولة الساخنة
وشدد الشماع على أن السيولة الساخنة يمكن أن تدمر اقتصاد بلد وتطيح بأنظمته سياسية. ولا يغيب على الذهن ما فعلته سيولة سيروس الساخنة عندما انسحبت من دول جنوب شرق آسيا في تسعينات القرن الماضي والتي اعتبرها البعض جريمة كاملة، مؤكداً أن الممولين العالميين مارسوا سياسة الكر والفر على اقتصادات الدول التي فتحت أبوابها للتو أمام سياسات الاقتصاد الحر.
وأوضح أن الإجراءات ألتي اتخذها المصرف المركزي قد تكون وقائية إلى حدود معينة ولكنها ليست مانعة لتكرار المشكلة التي تسبب بها الخروج السريع للسيولة من الدولة. فطالما أن الأبواب مشرعة دون قيد أو شرط فإن الحركة الخاطفة للأموال التي قد تخرب الأسواق تبقى ممكنه.
وقال انه و في الوقت الذي تعامل فيه الغرب مع الصناديق السيادية من منطلق الأمن الوطني. حيث لم يخف مسؤولون أوروبيون وحكومات وجهة نظرهم بشأن الخطر المزعوم بشأن هذه الصناديق والذي يهدّد السيادة الوطنية حسب ادعائهم في حال وضعت الصناديق يدها على مؤسسات وطنية مهمة.
كما أن وجود خوف جدي من الصناديق السيادية دفع الحكومة الألمانية الاتحادية إلى ممارسة سياسة الحماية ومواجهة أي عملية شراء لشركات تعتبر أساسية وسيادية في البلاد. وحددت الحكومة أخيراً مجموعة تدابير احترازية وشروطاً على الراغبين في الاستثمار «بهدف حماية المصالح الوطنية العامة».
ويتساءل الشماع لماذا لا يجوز لنا أن نضع من الشروط والتدابير الاحترازية ما يجنبنا الوقوع مرة أخرى في فخ صناديق التحوط والأموال الساخنة التي لا تنتهك أمننا الاقتصادي فحسب وإنما تعرض أمن دول الخليج بأسرها للخطر.
فبالرغم من الأزمة المالية العالمية الخانقة للدول الغربية ورغم حملة ما يشبه بالاستجداء من دول الخليج التي قادتها الدول المتأثرة بالأزمة والتي أرسلت العديد من المسؤولين لاستطلاع الموقف الخليجي ، إلا أن هذه الدول لم تتخل عن موقفها المتشدد تجاه الصناديق السيادية.
فللرئيس الأميركي أوباما موقف طرحه في حملته الانتخابية يتمثل بالتأكيد على ضرورة أن تتركز استثمارات تلك الصناديق على المشاريع الاقتصادية الخالية من الأهداف السياسية. هذا الموقف القديم الجديد لا يزال قائماً بالرغم من الحاجة المتزايدة لأموال الصناديق للإسهام في إعادة إنعاش الأوضاع الاقتصادية.
وبالطبع لم يوضح احد المعنى الدقيق للمقصود بالابتعاد عن الأهداف السياسية، وهل كان ما واجهته شركة «موانئ دبي» عندما تعرضت لانتقادات عرقلت إدارتها لمرافئ أميركية، هو المقصود بالأهداف السياسية وهل المشاركة في إدارة مرفق اقتصادي بموجب حقوق التملك هو نشاط سياسي؟ وهل المطلوب من دول الخليج أن تستثمر في شركات أميركية وتشتري أسهمها وتنقذها من أزمات مالية لتبقى خارج دورها في إدارة وتوجيه هذه الشركة وفقاً لقوتها في مجلس الإدارة؟
الصناديق السيادية
قد يعتقد البعض، كما يقول الشماع، أن المقاربة بين الصناديق السيادية وصناديق التحوط التي تتحكم بسيولة ساخنة مدمرة، أمراً لا يمكن أن يكون مقبولاً من الدول الغربية لسبب بسيط هو أن ملكية الأموال تعود للدول أو الحكومات في حالة السيادية وتعود إلى الأفراد الأثرياء في حالة صناديق التحوط.
ولكن ولأن هذه الصناديق التي تدير ما لا يقل عن 3. 1 تريليون وهي أرقام مقاربة لما تديره الصناديق السيادية، مجهولة الهوية وغير معلوم أسماء من يمتلكون القدرة على تسييرها، فإن احتمال أن يكون للبعض منها أهداف سياسية أمر غير مستبعد خصوصاً وان الآثار المدمرة التي خلفتها في تايلاند وغيرها من دول جنوب شرق آسيا ما زالت ماثلة للعيان. لذا فان التعامل بالمثل هو خير سبيل لتجنب تكرار ما حدث في العام الماضي عندما خرجت السيولة الساخنة وتركت آثارها المدمرة على الاقتصاد المحلي.
ويؤيد عميد كنعان المدير العام لشركة الجزيرة للوساطة المالية وضع ضوابط لعمل الاستثمار الأجنبي وذلك بالشكل الذي يكفل سلامة الاقتصاد الوطني ولا يعطي المجال لهذا النوع من الاستثمار بالتحكم في حركة القطاعات الاقتصادية والقنوات الاستثمارية وفي مقدمتها الأسواق المالية، مشيراً إلى أن أسواقنا مازالت ناشئة الأمر الذي يعني أن أي محفظة أو صندوق استثماري قادر على التأثير بها وفقاً للطريقة التي يحددها، وربما ما حدث خلال الربع الأول من العام الماضي كان خير دليل على ما يمكن أن يفعله الاستثمار الأجنبي في أسواقنا.
وأوضح اعتقد أن الجهات المختصة تنبهت إلى ضرورة وضع آلية لضبط الاستثمار الأجنبي وهي تقوم الآن بدراسة الموضوع تمهيداً لوضع الضوابط المناسبة التي تساهم في تعظيم ايجابيات الاستثمار الأجنبي ومنع سلبياته وعلى النحو الذي يخدم المصلحة الاقتصادية للدولة.
وقال إن وضع آليات لضبط عمل الاستثمار الأجنبي لا يتناقض مع توجهات الدولة في تحررها على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن مثل هذه الضوابط معمول بها في العدد من دول العالم لذا من الواجب التعامل معها بنفس الأسلوب التي تتعامل به مع استثماراتنا.
وشدد على أن الجميع يؤيدون انسياب وسهولة تدفق الاستثمارات الأجنبية ولكن الظروف الحالية التي تمر بها الاقتصادات العالمية تجعل من الضرورة الإسراع بوضع ضوابط لعمل الاستثمارات الأجنبية، مشيراً إلى أن هذه الاستثمارات ساهمت في غالبيتها بتشجيع عمليات المضاربة الأمر الذي ساهم فيما تراه من تذبذبات في الأسواق وبالتالي تراجع الثقة في تعاملاتها.
تبريد سخونة الاستثمارات الأجنبية
قضية الاستثمارات الأجنبية وما تحمله من مخاطر على أسواق المال والاقتصاد الوطني بشكل عام، خاصة بعد انسحاب جزء كبير منها في الربع الأخير من العام الماضي وما خلفه ذلك الانسحاب من تراجع قاس في أسعار الأسهم، اصبحت تستحوذ على اهتمام صانعي القرار الاقتصادي على المستوى الحكومي ومجالس إدارات الشركات التي بادر بعضها باتخاذ قرارات لتخفيض نسبة تملك الأجانب في رؤوس أموالها، ظناً منهم أن ذلك سيساهم في الحد من عمليات المضاربة التي يعتقد بأنها كانت سبباً رئيسياً في تراجع غالبية الأسهم دون قيمها الاسمية أو العادلة.
وبالتزامن مع القرارات التي صدرت عن إدارات بعض الشركات بدأنا نشهد ارتفاع وتيرة أصوات شريحة كبيرة من رجال الأعمال تدعو إلى ضرورة عدم السماح مطلقاً للاستثمارات الأجنبية بالعمل في الدولة، بحجة الآثار السلبية الكبيرة التي خلفها انسحابها مؤخراً على مختلف القطاعات الاقتصادية وفي مقدمتها قطاعا البنوك وأسواق الأسهم.
وقد يجد المرء عذراً في ردة الفعل الغاضبة هذه، خاصة في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدها المستثمرون والخلل الذي يعاني منه الجهاز المصرفي حالياً، نظراً للفجوة الكبيرة بين القروض والودائع والتي جاءت بسبب انسحاب الاستثمار الأجنبي.
إلا انه وفي كل الأحوال يجب التنبيه إلى عدم إغفال الجانب الايجابي لهذا الاستثمار الذي لعب دوراً في رفع وتيرة النشاط وزيادة الوعي الاستثماري خلال الفترة الماضية، مما يعني أن هدف أي تشريع يصدر لتنظيمه يجب أن يركز بالدرجة الأولى على سبل تعظيم منافع هذا النوع من الاستثمارات ومحاولة الحد من سلبياته قدر الإمكان والتقليل من درجة سخونتها.
ناصر عارف



