لم يذكر وليد شنيارة مدير شركة «شوري» استشاري الشركات العائلية على نحو صريح ومباشر بأن الرسالة التي تنشدها الشركة والتي على أساسها تأسست في عام 2007 بدعم من ثلاث عائلات، هو تقديم المساعدة في «إدارة التغيير والحوكمة» للعائلات المالكة للأعمال.

ولكن تظهر النظرة المتفحصة للمهام والمسؤوليات التي تنهض بها أن الشركة تملا فراغا تعاني منه المنطقة العربية هو غياب تلك الحزمة من الخدمات الاستشارية التي تعين العائلات المالكة للأعمال من إدارة التغيير على نحو سلس وكفؤ، فسواء شاءت أو لم تشأ، تخضع العائلات للتغيير المستمر، وبالتالي، تعد إدارة التغيير مسألة على درجة عالية من الحيوية بالنسبة للشركات العائلية، وذلك بغض النظر عن خلفيتها العرقية والثقافية، أو أسلوب قيادتها، أو حجمها، أو عدد الأجيال التي مرت بها.

ثقافة الحوار

وتعتبر شركة «شورى» استشاري الشركات العائلية أول شركة استشارية مستقلة في الشرق الأوسط تعمل على إعداد وتهيئة الشركات العائلية لأجيال من الإدارة الكفء والانتقال السلس للورثة ووضع قواعد وضوابط الحوكمة ونشر ثقافة إدارة الحوار، وحل النزاعات العائلية للحفاظ على كيانات الشركات العائلية وترابطها، كما توفر الشركة الخدمات الاستشارية لأصحاب الأعمال الخاصة من أبناء الشركات العائلية.

ويري وليد شنيارة في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» أن تأسيس شركة شوري «يعد بمثابة مسألة ضرورية لحوكمة الشركات العائلية، حيث أن حنكة مؤسس الشركة وقدرته في إدارة وتماسك الشركة لن تكون بالضرورة متوفرة لدى أبنائه وأحفاده فالصراعات بين الأبناء لا تكون بذات الوطأة في الجيل الأول التي تكون بها في الأجيال اللاحقة.

وحكمة القائد تكمن في رؤيته المستقبلية واتخاذ التدابير التي تهيئ الاستقرار على المدى الطويل، حيث ندعو الأديان السماوية الإنسان إلى النظر فيما يجري من أحداث في الحياة ليستخلص منها العبر والعظات حتى يكون قادراً على رسم السياسات المحددة ووضع الإجراءات التي تتناسب مع طبيعة ومتغيرات هذه الحياة.

وبالتالي، تعبر كلمة «شورى» ـ والكلام مازال له ـ عن قواعد ونظم إدارية وقانونية ومالية تعمل على تنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والإدارة لتحقيق الأهداف الموضوعة بعيداً عن الاعتبارات الشخصية والذاتية، ومعالجة الصعوبات والمشاكل التي يمكن أن تعترض سير العمل وإزالة أسباب الاحتكاك والخلاف إذا وجد لا سمح الله لضمان استمرارية مسيرة النجاح للشركات العائلية.

أهداف ومبادئ

وتعمل شركة «شورى» حالياً على وضع نظم الحوكمة لـ 13 شركة عائلية بالإمارات ومنطقة الخليج، ويأتي وليد شنيارة على ذكر الأهداف التي تتطلع الشركة إلى تحقيقها، وتتمثل في التالي:

أولاً: خدمة الشركات العائلية ومساعدتها على مواجهة التحديات التي نواجهها في المنطقة خاصة الاقتصادية منها عن طريق تطوير وتوفيق أوضاعها لتعزيز قدرتها على الاستمرار والنمو والمنافسة.

ثانيا: دعم تماسك الشركات العائلية عن طريق الانتقال لمرحلة جديدة من النمو والتغيير الهيكلي والمؤسسي لزيادة القدرة التنافسية سواء محلياً أو إقليمياً ودوليا خاصة مع ظهور نظام العولمة وبروز متطلبات جديدة لضمان الاستمرارية والنمو.

ثالثا: الحفاظ على رأس المال الفكري للعائلة من قيم وتراث وأهداف نبيلة جنب إلى جنب مع الحفاظ على ثروة العائلة من التشتت والضياع.

رابعا: توطيد أواصر الأمانة والثقة والطريقة المثلى الواضحة لاختيار الفرد المناسب للمسؤولية في المكان المناسب سواء من داخل العمل أو خارجه.

خامسا: تحقيق الشفافية والإدارة المؤسساتية كمتطلبات عالمية لتحقيق الاستمرارية والنمو والمنافسة.

سادسا: فصل الملكية عن الإدارة مع تعيين الإدارة الكفء (تحديد صلاحيات الإدارة ـ وضع معايير الكفاءات ـ التمرين والتدريب والعلم).

سابعا: إشراك جيل الشباب من العائلة في الإدارة والقرارات بصورة أكثر تفاعلية وتحميلهم مسؤوليتهم تجاه أنفسهم وأعمال الشركة وبما يضمن تأهيلهم وتدريبهم بالصورة والكفاءة المطلوبة.

ثامنا: وضع قواعد وأنظمة داخلية لهذه الشركات لتقديم الشفافية وتحقيق العدالة بين الشركاء والإدارة والمديرين من خلال أدوات الرقابة والتوجيه والتنبيه والتقويم.

تاسعا: وضع الآلية التي تتلاءم مع خصوصيات الشركات العائلية وتناسب احتياجاتهم.

ضرورات الواقع

وجاء تأسيس شركة «شوري» بناء على معطيات أملاها الواقع العملي، وتتمثل في رأي وليد شنيارة في إسهام الشركات العائلية بشكل كبير في تطوير الاقتصاد الوطني وتنميته، فأصحابها يمثلون الجيل المؤسس لاقتصاد المنطقة، وتمثل أعمالهم روافد أساسية للاقتصاد الوطني، كما تمثل نموذج للربط بين العمل التجاري وتلبية حاجات المجتمع المحلي، وهي نقطة غاية في الأهمية.

حيث ترتبط الشركات العائلية ببيئتها وأرضها ولا يمكن أن تغادرها مهما كانت الأسباب، فيما يمكن للشركات الخاصة والمساهمة في حالة حدوث خسائر أن تصفي أعمالها وتغلق مكاتبها، حيث لا يأتي الربح والخسارة في أولويات الشركات العائلية بقدر ضمان استمرارية عطائها في بلادها، وهي نقطة تعظم من أهمية الدور الحالي والمستقبلي الذي تلعبه هذه الشركات في اقتصاديات دولها.

ونحن ؟ والكلام ما زال له - عندما نتكلم عن حوكمة الشركات العائلية لا نتكلم عن فوائد اقتصادية فقط، بل على العكس يتصدر اهتمامنا المحافظة على ثروة العائلة الحقيقية وأعني بها القيم التي تمثل الدستور الداخلي للعائلة والمبادئ الأصيلة التي تتميز بها الشركات العائلية، والتي كانت سببا رئيسياً في استمراريتها ونموها.

فحوكمة الشركات العائلية سيسهم في الحفاظ على هذا الترابط القوي بين هذه العناصر ويؤمن وجود إطار واضح لجميع الأطراف عند حدوث خلافات في وجهات النظر مثله في ذلك مجلس العائلة الذي يعد من سمات الشركات العائلية والذي فيه تحل كافة الخلافات التي تنشأ بين أفراد العائلة والحفاظ على تماسكها كما أنها آي الحوكمة ستسهم في توطيد أواصر الأمانة والثقة والطريقة المثلى الواضحة لاختيار الفرد المناسب للمسؤولية في المكان المناسب من داخل العمل وخارجه.

وتابع حديثه بقوله: نحن ندرك أن معظم الشركات العائلية في المنطقة هي شركات ناضجة وواقعية فيما يتعلق بتعيين فرق الإدارة العليا ولكن حوكمة الشركات عبر إنشاء مجلس إدارة فعال وفصل الإدارة عن الملكية وإدارة الثروات بعيداً عن الأعمال والاستعانة بالموظفين الأكفاء ذوي الخبرات تعد مطالب ضرورية لتفعيل وتنمية أعمال الشركات العائلية وتطورها مستقبلاً وهذا سيساعد أعضاء مجلس الإدارة في رؤيتهم.

آليات ونظم

فالحوكمة ـ والكلام له ـ هي إيجاد نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر في الأداء وتحديد المسؤول والمسؤولية، وتحقيق العدالة بين الشركاء والإدارة والمديرين من خلال أدوات الرقابة والتوجيه والتنبيه والتقويم، ويجب أن نعلم أن السوق العالمي له آلياته وأنظمته التي تلتزم بها جميع المؤسسات الدولية.

لذا فإن الشركات العائلية ومع توجه استثماراتها نحو الأسواق العالمية تلتزم أيضاً بهذه المعايير والآليات وهذا ليس صعب على هذه الشركات التي هي في حقيقة الأمر تطبق إسس الحوكمة في أنظمتها الداخلية بدرجة عالية من المصداقية فالنجاح والاستمرارية التي تحققها هذه الشركات في استثماراتها الخارجية ومع شركائها الغربيين لا يمكن أن يأتي من فراغ.

وإذا كانت الشركات تطبق أنظمة الحوكمة في قطاعات الاستثمارات الخارجية، فأن السؤال المطروح هو: لماذا لا يجري تطبيق هذه النظم في أعمالها وأنظمتها داخل دولها، ويجيب وليد شنيارة على هذا السؤال بقوله: تكمن الإجابة على هذا السؤال في النظر بعمق إلى الأساس الذي بنيت عليه الشركات العائلية.

ونعنى الأسرة وثقافتها فهما المحرك الرئيسي للشركات العائلية هذه النقطة يجب الا نغفل عنها عند الدعوة إلى تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة ودعيني أقول لك أن الشركات العائلية في منطقة الخليج تمتلك من النضوج ووضوح الرؤية والتماسك ما يجعلها قادرة على الاستمرار في النمو والتوسع لفترات طويلة ولا أحد ينكر أن الشركات العائلية لديها القدرة على التميز والأداء الاستثماري أفضل من الشركات المساهمة لما تمتلكه من إيجابية وسرعة في اتخاذ القرار وحرص على المصلحة العامة للشركة.

ويري وليد شنيارة أن مرحلة إعداد جيل من القياديين المتميزين أهم بكثير من تطبيق الممارسات لأن الأعداد يضمن الاستمرارية في إنتاج أجيال متميزة من القياديين ينبغي على الشركات العائلية أن تفكر في أفضل المناهج وليس أفضل الممارسات لإعداد جيل جديد من القياديين وأعتقد أن ذلك ما نجح فيه جيل الرواد من مؤسسي الشركات العائلية عن طريق تفعيل نظام (القدوة) (المثل الأعلى) كمنظومة تضمن تواصل الأجيال وبقاء كيان الشركات .

ولكن حنكة مؤسس الشركة وقدرته على الإدارة والحفاظ على تماسك الشركة لن تكون بالضرورة متوفرة لدى أبنائه وأحفاده فالحفاظ على هذا التراث العظيم لن يكون الا عن طريق تطبيق المعايير واتخاذ التدابير التي ترسخ الاستقرار على المدى الطويل وذلك عن طريق برامج خاصة لإعداد القادة داخل العائلة نفسها.

ودائماً ما كانت الصورة النمطية لمفهوم الشركات العائلية هي تلك الشركات التي تحكم مجالس إداراتها مبادئ وأساليب عمل يسيطر عليها أحد أفراد العائلة أو عدد قليل منهم، ولكن مثل هذا الأمر في رأي وليد شنيارة قد أتاح للشركات العائلية ميزة تنافسية هامة، وهي أن السيطرة على الملكية مكنتها من إتباع منظومة الاستثمار الصّبور الثابت البعيد المدي الذي بلا شك يعطي نتائج ممتازة مستقبلاً.

ويؤمنها مخاطر تقلب السوق وتداعيات الاستثمار في المضاربات لتحقيق الربح السريع، وهذا ما نجحت الشركات العائلية في تجسيده خلال الأزمة المالية العالمية، فنظراً لقدرة إدارة تلك الشركات على اتخاذ قرارات سريعة في صالح استمرار الشركة دون التقيد بمحاولة إرضاء المساهمين أو التعرض إلى مطالبة المساهمين بأموالهم جنبت نفسها الأزمة التي نعيشها حالياً.

بيد أنها ليست ؟ والكلام مازال له - عن هذه الأزمة، ولكنها بفضل حرصها على تماسك الشركة انطلاقا من هدفها في استمرارية أعمالها في إطار كيانها العائلي ستكون الأكثر تماسكا مقارنة مع الشركات الخاصة التي يكثر فيها المساهمون ذوو الاهتمامات والمصالح الفردية الخاصة.

حوكمة الشأن العائلي

ربما اعتدنا على الشركات التي تتولى تقديم خدمات للمساعدة في حوكمة الشركات سواء أكانت عائلية أو خاصة أو مساهمة، ولكن بروز شركة مستقلة تهتم بحكومة الأعمال انطلاقا من حوكمة الشأن العائلي، يعد أمرا جديدا على المنطقة العربية، حيث أنه من المعتاد للعائلات في منطقتنا أن تنظر إلى الشأن العائلي بأنه مسألة على درجة عالية من الخصوصية والتي يجب أن تحيطها بسياج قوية للحيلولة دون تسرب هذا الشأن إلى خارج دائرة العائلة.

ولكن تبين في نهاية المطاف أن المحدد الرئيسي لازدهار الأعمال العائلية أو انتكاسها هو الشأن العائلي، حيث أنه من المستحيل وضع خطوط فاصلة بين أعمال العائلة وشأنها الداخلي. هناك عدد من العوامل التي يمكنها أن تؤثر في نجاح الشركة العائلية والتي تدخل في صميم الشأن العائلي، مثل، الصراعات الشخصية غير المحلولة، والإفتقار إلى الثقة، والصعوبات في العلاقات الشخصية المتبادلة، وأنماط التفاعل بين أفراد العائلة، فضلا عن المسائل المرتبطة بالعلاقات بين الأجيال داخلة العائلة، ووضع الإناث مقارنة بالذكور.

وعلى الرغم أن الأعمال العائلية تمتلك جذوراً عميقة في ثقافتنا وتاريخنا، إلا أن النظرة إلى الأعمال العائلية بأنها تعبير عن أنماط من الأعمال أقل تقدما وتطورا، وأن تقدم النشاط الاقتصادي مرتبط بتغيير أنماط مؤسسات الأعمال العائلية، أعاقت مثل هذه النظرة مسألة تطوير آليات ومؤسسات مهتها أن تعالج التحديات التي تواجهها الشركات العائلية، ومن بينها حكومة الشأن العائلي .

ولكن في نهاية المطاف، تبين أن أعمال العائلات تمثل العمود الفقري لكافة الاقتصاديات، وأنه ليس مطلوبا أن تنزع هذه الأعمالها رداءها وتتخلى عن قيمها وتراثها، بل المطلوب أن تقوم بحوكمة شأنها العائلي وأعمالها على حد سواء، وهنا تبرز أهمية الخدمات التي تقدمها شركة «شوري» .

مجدي عبيد