ركز المنتدى العالمي لخريجي جامعة وارتون الذي يقام لأول مرة في المنطقة في جلساته على تأثير الأزمة المالية العالمية على الاستثمارات في الأسواق الصاعدة وعلى المنطقة تحديدا.

وتناولت الجلسة المسائية الثالثة في 11 مارس الجاري التي أدارها البروفيسور رافي أميت أستاذ علوم الاستثمار في كلية وارتون، وشارك فيها محمد العقيل رئيس مجلس إدارة شركة جرير السعودية للتسويق، ومروان بوادي الرئيس التنفيذي لشركة بوادي الكويتية، وأنطوان دريان رئيس مجلس إدارة شركة ترياغو الفرنسية.وذو الفقار لاخاني العضو المنتدب، كولجيت - بالموليف الباكستانية. مدى تأثير الأزمة المالية الحالية على قدرة الاستثمار في المنطقة، وكانت الإشكالية المطروحة من قبل المشاركين: هل هذا الوقت مناسب لضخ السيولة أم الاختباء حتى تمر العاصفة؟ وهل هناك فرص نمو للأعمال الجديدة في ظل الركود والترقب؟وأكد البروفيسور رافي أميت أستاذ علوم الاستثمار في كلية وارتون، أن الصورة الحالية للاقتصاد العالمي وبالرغم من الضبابية التي تسودها، وشح السيولة فيها، إلا أنها تحمل فرصا استثمارية جيدة، فالتقييمات الائتمانية المنخفضة للشركات.

وتراجع قيمة الأصول، وقلة الحصول على قروض، جميعها تدفع بالمستثمر الذكي بالمضي قدما في استثماراته، لأنها باختصار تشكل فرصة استثمارية نادرة، قد لا تتكرر إلا بعد عقود طويلة. ضخ الأموال ودعا أميت المستثمرين والشركات في المنطقة إلى ضخ المزيد من الأموال في استثماراتهم الموجودة حاليا، وتلك المزمعة، قائلا ان هذه الظروف هي الوقت المثالي للاستثمار وبدء المشاريع الكبرى، متسائلا: ألم تولد شركات عملاقة مثل مايكروسوفت وسيسكو وغيرها في أوج فترات الركود الاقتصاديمن جانبه قال محمد العقيل رئيس مجلس إدارة شركة جرير السعودية للتسويق، إن شركته ترى في هذه الأزمة فرصة حقيقية للتوسع أفقيا وعموديا في نشاطاتها التي تشمل بيع الكمبيوترات المحمولة والكتب والقرطاسية.

مضيفا أن مساحات العرض في مراكز التسوق لم يكن بسهولة الحصول عليها قبل الأزمة، أما الآن فهي متاحة بأقل الأسعار وأفضل المواقع التي يبحث عنها تجار التجزئة في منطقتنا، وهو ما يشجعنا على مضاعفة حصتنا السوقية خلال الفترة المقبلة بلا تردد. وقال مروان بوادي الرئيس التنفيذي لشركة بوادي الكويتية، إن إطلاق مشروع طيران الجزيرة قبل سنوات ثلاث، شكل نقطة تحول في مسيرة النقل الجوي بالمنطقة، وأن الشرق الأوسط هو عالم السيولة والفرص الجيدة معا، موضحاً أن الأزمة الحالية لم تمنع شركات المنطقة من تحقيق أرباح، مدعمة بحقيقة واضحة وهي قوة البنوك المركزية وقدرتها على حماية النظام المالي لدولها. وجاءت جلسة الحوار النهائية «تأثير الأزمة المالية على الشرق الأوسط» خلال المنتدى، كخلاصة شاملة للنقاشات التي شهدها الحدث على مدى يومين، حيث أكدت الحاجة إلى إيجاد فرص عمل لخمسة ملايين شاب وشابة سينضمون إلى سوق العمل في غضون أقل من عشر سنوات.

وخلال تقديمه جلسة الحوار، قام البروفيسور ريتشارد مارستون، أستاذ العلوم المالية في كلية وارتون، برسم صورة قاتمة وقاسية للأزمة المالية الراهنة، لافتاً إلى أن فصل الاقتصادات الأخرى عن اقتصاد الولايات المتحدة، بات يمثل مفهوماً ساذجاً وغير مجدٍ. وأضاف مارستون أن العالم شهد تراجعاً في حجم الثروات، ونبه الحاضرين لأن يكونوا على استعداد للتعامل مع مزيد من عمليات تقليص المديونية.

الحل الافضل

وأوضح حسين علي العبدالله، عضو مجلس الإدارة التنفيذي في جهاز قطر للاستثمار، والذي افتتح جلسة الحوار، أن الحل الأفضل في هذه الأوقات العصيبة هو «اللجوء إلى التريث» لمدة تتراوح بين الأشهر الستة إلى السنة، مضيفاً أن انتعاش الاقتصاد العالمي لن يبدأ قبل أربع سنوات على الأقل، وأن سمة نتائج هذه الأزمة ستكون الزيادة في معدلات الدين ونسب العجز.

وشدد المستشار التنفيذي الأول في شركة «بوز آند كومباني» في السعودية غسان برّاج على ضرورة إيجاد فرص عمل لنحو 5 ملايين شاب عربي، والذين يتوقع دخولهم سوق القوة العاملة في غضون أقل من عقد. كما أوصى بأن تحافظ اقتصادات دول الخليج على مسارها الحالي مع التركيز على مضاعفة سرعة النمو الاقتصادي. وحث برّاج على زيادة الاستثمارات في القطاعات المعرفية، والاهتمام ببناء الطاقات والإمكانات، وجعل الأجندة الاقتصادية أجندة وطنية، والاستفادة من أنظمة إدارة الأداء.

دور المنظمة

وخلص المشاركون إلى أن الدرس الذي ينبغي تعلمه من الأزمة المالية يتمثل في ترسيخ أسس صلبة ومتوازنة للاقتصاد. وركز المنتدى على دور المنطقة في بناء الشراكات وتعزيز الروابط بين الاقتصاديات الإقليمية والعالمية في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم، فالإمارات ومنطقة الخليج تلعب دورا محوريا ومؤثرا في اقتصادات العالم، فهي منطقة محورية في الشرق الأوسط للتجار وأصحاب الأعمال والمسافرين.

فلدى الإمارات علاقة وطيدة بأسواق آسيا وإفريقيا وجنوب أوروبا ومنطقة الهند كما تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار الأمني وكذلك ارتفاع مستوى جودة المعيشة ومعدلات نمو مستقرة في الاقتصاد حيث تمتلك الإمارات سياسة واضحة فيما يتعلق بالتنوع الاقتصادي.

ومن جانبه قال توماس روبرتسون، عميد كلية وارتون: «لا شك في أن كل تباطؤ في الأداء الاقتصادي يعقبه نشاط وازدهار، وما موجة الركود هذه إلا فرصة للابتكار والتحرك نحو اتجاهات جديدة».

وقال محمد الشايع، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي ل«شركة محمد حمود الشايع» ورئيس اللجنة المنظمة للمنتدى وأحد خريجي كلية وارتون: «إن الحقيقة المؤكدة حول الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم حالياً، هي أن النظام الاقتصادي العالمي، كما نعرفه، يتغير. وقد بدأنا بالفعل نرى مؤشرات هذا التغيير، فما كان ينفع في الماضي، لم يعد اليوم يجدي على الإطلاق. وفي هذا السياق، تلعب الأسواق الصاعدة، الصين والهند والشرق الأوسط، دوراً ذا أهمية متزايدة في النظام الاقتصادي الجديد. إننا اليوم ندخل عصر الشراكات الحقيقية».

فهناك محاولة حكومات المنطقة تنويع اقتصاداتها، بالتوازي مع إجراء الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك خصخصة وتحرير القطاعات. وعلى الرغم من المناخ الاقتصادي السائد، يتوقع لإجمالي الناتج المحلي للمنطقة أن ينمو بنسبة تتراوح بين 4% و5%، في وقت تشكل فيه منطقة الخليج اليوم كتلة اقتصادية قوية يزيد إجمالي ناتجها المحلي المجمع على التريليون دولار.

وفيما يتعلق بالاقتصاد العالمي أشار إلى ان النمو العالمي لن يتحسن إلا مع عودة الاستقرار للنظام المصرفي وعودتها للتمويل مرة أخرى وهو أمر لا يتوقع حدوثه خلال فترة قصيرة، متوقعاً أن يستمر الاقتصاد العالمي في الضعف والركود خلال العام الحالي مع انحسار موجات التضخم في الاقتصادات التي عانت من قبل من ضغوط تضخمية مرتفعة. وتعد سابك من أكبر شركات الكيماويات في العالم وكان صافي أرباحها للربع الأخير من العام الماضي تراجع أكثر من 95% بسبب تراجع الطلب على منتجات البتروكيماويات.

اسباب الركود

وتوقع البروفيسور غيريمي سيجيل، أستاذ العلوم المالية في «كلية وارتون» ومؤلف كتاب «الأسهم على المدى البعيد»، أن يتحسن الاقتصاد العالمي خلال النصف الثاني من العام 2009، موضحاً أن أحد أبرز أسباب الركود الذي يشهده العالم حاليا، يعود إلى قيام المؤسسات المالية بشراء وحيازة وضمان كميات كبيرة من أصول الرهن العقاري الخطرة عبر القروض.

وقال سيجيل: «خلال تسعينات القرن الماضي التي شاعت فيها الاكتتابات الأولية لشركات الإنترنت، لم تحتفظ الشركات الضامنة للاكتتاب بتلك الأسهم وتحررت منها بسرعة، في حين قررت المؤسسات المالية الإبقاء على السندات المدعومة برهونات عقارية، بوصفها أصولا جيدة، فارتكبت بذلك غلطة قاتلة».

وبحسب سيجيل، فإن حجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد الأميركي أقل مما تعرض له في أوائل الثمانينات، عندما وصلت معدلات البطالة والتضخم ومعدلات الفائدة إلى مستويات أعلى بكثير مما هي عليه اليوم. كما أن الأسهم، المقيّمة من خلال معدلات السعر إلى الأرباح، قد هبطت إلى حد يمكن أن يجتذب ما يكفي من المستثمرين لانطلاق مرحلة التعافي الاقتصادي قبل نهاية العام 2009.

تفاؤل أم حقائق؟

أجمع خبراء الاقتصاد وقادة الأعمال الذين اجتمعوا الأسبوع الفائت في دبي بقمة وارتون الأولى في المنطقة على أن التقييمات الائتمانية المنخفضة، وتراجع قيمة الأصول، وصعوبة الحصول على قروض، ستدفع بالمستثمر إلى المضي قدما في استثماراته، لأنها باختصار تشكل فرصة استثمارية نادرة، قد لا تتكرر إلا بعد عقود طويلة.

ويبقى الشرق الأوسط هو عالم السيولة والفرص الجيدة معا، والأزمة الحالية لم تمنع شركات المنطقة من تحقيق أرباح، وقوة البنوك المركزية وقدرتها على حماية النظام المالي لدولها، مستشهدين بشركات عملاقة مثل مايكروسوفت وسيسكو وغيرها ولدت في أوج فترات الركود الاقتصادي؟ وفيما يخص قطاع التجزئة فإن الحصول على مساحات عرض لم تكن عملية سهلة قبل الأزمة، والآن هي متاحة بأقل الأسعار وأفضل المواقع التي يبحث عنها تجار التجزئة في منطقتنا.

إلا أن المطلوب هو إيجاد فرص عمل لخمسة ملايين شاب وشابة سينضمون إلى سوق العمل في غضون أقل من عشر سنوات، وهي عملية ليست سهلة في ظل صعوبة فصل الاقتصادات الأخرى عن اقتصاد الولايات المتحدة، فهو أمر بات يمثل مفهوماً ساذجاً وغير مجدٍ. والعالم يشهد تراجعاً في حجم الثروات، ويجب الاستعداد للتعامل مع مزيد من عمليات تقليص المديونية.

إن الخيار المتبقي لدول المنطقة هو الاعتراف بأن النمو ليس خياراً بيروقراطيا، بل استراتيجي، والتركيز الأكبر يجب أن ينصب على مواصلة العمل الدؤوب ومضاعفة سرعة النمو من خلال التركيز على التنويع الاقتصادي. ويبقى «اللجوء إلى التريث» لمدة تتراوح بين الأشهر الستة إلى السنة هو الحل من وجهة نظر بعض قادة الأعمال في هذه الأوقات العصيبة، لأن انتعاش الاقتصاد العالمي لن يبدأ قبل أربع سنوات على الأقل، وأن سمة نتائج هذه الأزمة ستكون الزيادة في معدلات الدين ونسب العجز.

محمد بيضا

Baida@albayan.ae