أعلن البنك الدولي في أحدث تقرير أمس أن إجمالي الناتج الداخلي العالمي سيتراجع بنسبة 7, 1% خلال 2009، في أول انخفاض يسجل منذ الحرب العالمية الثانية، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي في الدول الأكثر ثراء بمعدل 9, 2%.
كما توقع البنك أن يشهد النمو الاقتصادي تباطؤا حادا في الدول النامية ويصل إلى 1, 2% بالمقارنة مع 8, 5% عام 2008، محذرا من الانعكاسات الاجتماعية والبشرية للازمة في هذه البلدان. وقدر هوجو بينسغر رئيس القسم المعني بتقدير المخاطر بمصرف «دويتشه بنك» الألماني حجم الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية والاقتصادية بنحو 3, 1 تريليون دولار، وقال إن بعض الخبراء يرون أن خسائر القطاع المالي في العالم يمكن أن تصل إلى ثلاثة تريليونات دولار.
وتوقع بينسغر أن تستمر الأزمة المالية والاقتصادية لفترة طويلة، مشيراً إلى أنها بعيدة في الوقت الحالي عن مرحلة الانفراج. كما أشار إلى أن هناك الكثير من الأموال المحتجزة في شكل تعهدات والتزامات حكومية وقال «نحن بحاجة لمستثمرين». ودعا إلى إعادة الثقة في النظام المالي.
غير أنه حذر في الوقت نفسه من رسم صورة معتمة للوضع الاقتصادي، وقال تنطوي الأزمة أيضا على فرصة لخلق نظام مالي مستقر. وطالب باعتماد نظام جديد يقوم على الرقابة المتبادلة بين البنوك والمساهمين والجهات المعنية في الحكومة كما يحدث في عالم السياسة الذي يسمح لممثلي الشعب بمراقبة عمل الساسة وقال إن الأزمة الحالية كانت تتطلب سحب تراخيص بعض المؤسسات المالية.
تجارة السلع
وقال البنك الدولي إن التجارة العالمية للسلع والخدمات ستنكمش بنسبة 6% هذا العام في أسوأ وتيرة انكماش منذ الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي. وأضاف أن عددا من الدول اتخذت خطوات لتنشيط صناعاته المتعثرة وزيادة الرسوم الجمركية على الرغم من تعهداتهم بعدم انتهاج سياسات حمائية. وقال زوليك إنه يتوقع أن يوافق المجتمع الدولي على مبادرة تمويل جديدة بقيمة 50 مليار دولار لتعزيز التجارة العالمية، وتوقع البنك الدولي تقديم مزيد من التعهدات لإنشاء «صندوق للكوارث» لمساعدة الدول الأكثر فقرا في العالم.
وقال هانز تيمر المحلل الاقتصادي في البنك الدولي إنه حتى إذا انتقل النمو العالمي ليسجل نموا إيجابيا مرة أخرى العام القادم فإن مستويات الإنتاج ستظل متراجعة وستتزايد الضغوط المالية وسترتفع معدلات البطالة بشكل أكبر في كل دولة فعليا في عام 2011. ورغم أن الأزمة الاقتصادية قد بدأت في الدول الغنية، فإن الدول الفقيرة أضيرت بشدة حيث فر المستثمرون الأثرياء من القطاع الخاص من الدخول في استثمارات تتسم بالمخاطرة .
بينما خفضت البنوك في أوروبا والولايات المتحدة مستويات الإقراض لدعم قطاعاتها المالية التي توشك على الانهيار. وكانت دول منطقة شرق أوروبا ووسط آسيا من بين الاقتصادات الناهضة الأكثر تضررا من الأزمة. وقال البنك الدولي إن اقتصاد تلك المنطقة سينكمش بنسبة 2% هذا العام بعد أن سجلت معدل نمو نسبته 2, 4% العام الماضي.
سياسات الإنعاش
واعتبرت وزيرة الاقتصاد الفرنسية كريستين لاغارد ان البلدان الناشئة تحتاج الى سياسات موازنة للانعاش تمكنها من مواجهة الازمة، فيما يتعين على البلدان المتطورة الانتظار قبل اعادة
ضخ الاموال لتحفيز النمو. وقالت إن الالتزام بتقديم مزيد من الوسائل لصندوق النقد الدولي لمساعدة البلدان الاكثر تضررا بالازمة الاقتصادية العالمية امر حيوي. وأوضحت اعتقد ان من الضروري حصول انتعاش، والانتعاش الاكثر ضرورة يختص بالبلدان الناشئة. اضافت الوزيرة الفرنسية يسرني ان الاحظ ان عددا من بلداننا يوحد جهوده لزيادة وسائل صندوق النقد الدولي لمساعدة اول المتضررين واشد المتضررين، وهؤلاء المتضررون هم البلدان النامية والبلدان الاقل تقدما.
وأوضحت هذه هي النقطة الاولى التي ينبغي ان نحرز نجاحا في شأنها، ولا يمكننا ان نفشل حول هذه النقطة. وردا على سؤال عن انعاش النمو في البلدان المتطورة، قالت الوزيرة الفرنسية ان البلدان الاوروبية فتحت الطريق بموازناتها المخصصة للانعاش وقامت بالتأكيد بما يتعين القيام به، لكن من الضروري افساح المجال لهذه التدابير حتى تعطي نتائجها. وأضافت ان السؤال الكبير في هذا الوقت هو: هل نحن متأكدون ان الموازنات التي اقرت في الشهرين الماضيين ستعطي فعلا نتائجها؟.
وخلصت لاغارد الى القول يجب ان نتأكد من ان هذه التدابير ستعطي نتائج ميدانية، وان مشاريع البنى التحتية قد اطلقت، وان المدفوعات تتم بمزيد من السرعة وان خفض الرسوم يتم، واذا كان من الضروري القيام بمزيد من الخطوات، فاننا سنقوم بها. لكن هدفنا الاساسي حتى الان، هو تطبيق كل شيء ميدانيا.
علامات التدهور
وتتفاقم علامات التدهور الاقتصادي يوماً بعد الآخر. وأعلن بنك التنمية الآسيوي أنه من المتوقع أن يصل معدل النمو الاقتصادي في دول آسيا النامية لأدنى معدل له منذ أكثر من عقد وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية. وتوقع التقرير السنوي للبنك الذي يتخذ من مانيلا مقرا له أن ينخفض النمو الاقتصادي في آسيا ليصل إلى 4, 3% منخفضا عن نسبة 3, 6% خلال العام الماضي ونسبة 5, 9% خلال عام 2007.
وأضاف التقرير أنه في ظل بطء النمو فان أكثر من 60 مليون شخص خلال العام الحالي وما يقرب من 100 مليون شخص خلال العام القادم سوف يظلون أسرى لحالة الفقر، حيث يعيشون على أقل من 2, 1 دولار في اليوم، وهذا ما كان يحدث إذا استمر مسار النمو على وتيرته السابقة. ولكن التقرير أِشار إلى أن الاقتصاديات الآسيوية في وضع أفضل بكثير للتعامل مع التأثيرات العكسية للازمة عما كانت عليه خلال الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1998-1997 عندما بلغ النمو الاقتصادي 2, 0%.
وذكر التقرير أن الكثير من الحكومات الآسيوية تعاملت بسرعة مع الأزمة حيث قامت بوضع السياسات المالية والنقدية والمصرفية الملائمة وحتى الآن يعد التأثير على الاستقرار المالي لهذه الدول محدودا. وأشار التقرير إلي أنه من المتوقع أن ينكمش اقتصاد الصين بنسبة 7% خلال العام الحالي.
ولكن التعامل السريع لبكين لتقليل تداعيات الأزمة قد ينجم عنه نمو اقتصادي نسبته 8% خلال العام القادم. وورد في التقرير أن النمو الاقتصادي للهند سوف ينخفض إلى نسبة 5% خلال الشهر الحالي مقارنة بنسبة 1, 7 % خلال العام الماضي. وقال البنك إن الأزمة الحالية أظهرت مخاطر النمو الذي يعتمد بشكل مفرط فيه على التوسع الذي يعتمد على الصادرات.
لكن البنك قال إن توقعات عام 2010 تتوقف على حدوث انتعاش معتدل في الاقتصاد العالمي وهذا أمر غير مؤكد. وحث البنك الدول الاسيوية على استخدام هذه الازمة كفرصة لاعادة توازن النمو من اعتماده على الصادرات إلى تعزيز الاستهلاك المحلي كسبيل لتحقيق نمو دائم.
وقال هاروهيكو كورودا رئيس البنك هناك مخاطر نزولية هائلة للتوقعات العالمية. وبدأت دعوات لانتهاج سياسات الحماية التجارية تثير القلق. ومع استمرار فقد الوظائف في الدول الصناعية الكبرى من المتوقع ان ترتفع اصوات المطالبين بالحماية.
خطوات إضافية
وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان الاقتصاد العالمي سينكمش بمعدل أسرع من المتوقع هذا العام مما يدفع معدلات البطالة للارتفاع ويلقي الضوء على الحاجة لخطوات اضافية لوقف الازمة. وقالت المنظمة التي تضم 30 دولة ان اقتصادات الدول الاعضاء ستنكمش بمعدل 3, 4% هذا العام.
وهذا تقدير أسوأ بكثير من توقعات في نوفمبر الماضي بأن تنكمش بمعدل 4, 0%. وأضافت اقتصاد العالم دخل أعمق حالة كساد جماعي في عهدنا نتيجة الازمة المالية ويتعمق بانهيار التجارة. وأوضحت نتوقع ان يسوء الانكماش الراهن في الاداء الاقتصادي هذا العام قبل ان تبدأ سياسات الانعاش في تحقيق نتائج خلال عام 2010.
وقال كلاوس شميت هيبيل كبير الاقتصاديين بالمنظمة ان بيانات البطالة في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى ستزيد الى مثليها تقريبا الى نحو 36 مليونا وستزيد بمقدار 25 مليونا في دول المنظمة بحلول أواخر عام 2010. وأضاف أثر الكساد على المجتمعات سيكون كبيرا جدا، مشيرا الى ان معدلات البطالة قد تزيد على تسعة بالمئة في أغلب الدول لاول مرة منذ أوائل التسعينات.
وسيقود الكساد الى ارتفاع حاد في البطالة يبلغ ذروته في عام 2010 أو أوائل عام 2011 ووصول العديد من الدول الى معدلات بطالة تتجاوز خانة الاحاد لاول مرة منذ أوائل التسعينات. وتابع ان اجراءات التحفيز التي اتخذت حتى الان ستمنع تكرار الكساد العظيم في الثلاثينات وسيعود النمو في عام 2010. لكن هناك احتمالا كبيرا في أن تخفض هذه التوقعات وتحتاج بعض الحكومات والبنوك المركزية لطرح سياسات أكثر حسما.
تقويض المؤسسات
رأى تقرير منظمة التعاون والتنمية أن المخاطر مازالت تسير بقوة في اتجاه المزيد من التراجع. وقال إن الخطر الاكبر هو ان يقوض الاقتصاد الضعيف المؤسسات المالية بدرجة أكبر مما يضطرها لخفض الاقراض بأكثر من المتوقع حاليا.
وقال التقرير الخطوة الاساسية لوقف النزيف الاقتصادي الراهن هي العمل دون ابطاء على وضع وتطبيق استراتيجية متجانسة تعالج بشكل متوازن الفوضى في أسواق المال. ويشمل ذلك اجراءات حاسمة للتعامل مع الاصول التي تنطوي على مخاطر واستعادة الثقة في الاسواق. وتابع خط تحفيز اضافية للاقتصاد الكلي ضرورية كذلك للحد من تراجع الطلب.
وقالت المنظمة ان بعض الدول مثل ألمانيا وكندا واستراليا بدا ان لديها مجال أوسع للمناورة المالية وحثت الدول القادرة على ذلك على بذل جهود خاصة في 2010. ولكن يتعين على صناع القرار التأكد من انهم يمكنهم وضع خطة لخفض خطط التحفيز بالتدريج مع بدء الانتعاش لاقناع الاسواق بان الخطط مستمرة ومنع الضغوط التي قد ترفع عائدات السندات من اثارة المخاوف بشأن تراكم الديون. واشادت المنظمة بالاجراءات الحاسمة التي اتخذتها البنوك المركزية سواء الاجراءات التقليدية أو غير التقليدية.
(الوكالات)
