قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أمس إن الهيئة الحكومية المعنية بالإشراف على صناعة السيارات اقترحت بأن أفضل خيار لكل من شركتي «جنرال موتورز» و«كرايسلر» لاستمرار نشاطهما قد يكون إشهار إفلاسهما «بشكل جذري وسريع». وأشارت الصحيفة إلى مذكرة صدرت أول من أمس الأحد وخلصت أيضا إلى أن «كرايسلر» قد أخفقت حتى الآن في أن تظهر لواشنطن أنها يمكن أن تكون شركة قادرة على البقاء.
ونقلت الصحيفة عن المذكرة أن «الإفلاس بشكل هيكلى سيكون أداة تجعل من السهل على جنرال موتورز وكرايسلر التخلص من التزاماتها المالية القديمة بما يمكنها من السير في طريق النجاح». مازالت المفاوضات جارية بين الشركتين والدائنين والنقابات العمالية رغم أن المهلة التي حصلت عليها الشركتان من أجل تقديم خطة منقحة بشأن سبل تعافي الشركتين وتجاوزهما خطر الإفلاس ستنتهي اليوم الثلاثاء.
وتعهدت ادارة اوباما بتمويل عمليات جنرال موتورز لمدة ستين يوما تعكف الشركة خلالها على وضع خطة اعادة هيكلة أكثر شمولية وذلك بدلا من الموافقة على طلب جنرال موتورز منحها قروضا اخرى تصل الى 16 مليار دولار. وأرغم الرئيس التنفيذي ريك واجنر الذي قاد الهبوط السريع للشركة في السنوات الخمس الماضية والذي ادار الشركة منذ عام 2000 على التنحي. وسيجري تغيير أغلبية أعضاء مجلس ادارة جنرال موتورز ايضا.
وجاء ارغام واجنر على الاستقالة فيما تتعرض ادارة اوباما لهجوم لانها لم تتدخل منذ البداية وتمنع صرف مكافات للمسؤولين التنفيذيين في شركة امريكان انترناشيونال جروب «ايه.اي.جي» العملاقة للتأمين. وتلك هي المرة الثانية فقط التي ترغم فيها الحكومة الأميركية رئيسا تنفيذيا على الاستقالة مع تطبيق خطة انقاذ وذلك منذ تفجر الازمة المالية في الخريف الماضي. وفقد روبرت ويلومستاد وظيفته على رأس «ايه.اي.جي» في سبتمبر مع تطبيق خطة انقاذ قدمت الحكومة بمقتضاها للشركة مبلغ 85 مليار دولار.
موقف صارم
وتوقع معظم المحللين ان تتخذ الادارة موقفا أقل صرامة تجاه جنرال موتورز وكرايسلر بعدما اشارت لعزمها حماية وظائف 160 ألف عامل أميركي توظفهم الشركتان. ومنحت الادارة كرايسلر التي تسيطر عليها سيربيروس كابيتال مانجمنت 30 يوما لاستكمال تحالف مع فيات والا تعرضت لوقف التمويل الحكومي مما يؤدي إلى تصفيتها. ورفضت لجنة السيارات مزاعم سيربيروس بأن بوسع كرايسلر ان تتجاوز الازمة بمفردها مشيرة لصغر حجمها نسبيا وضعف خط الانتاج وتراجع حصتها في السوق الأميركية.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلا عن أشخاص مطلعين إن هندرسون 50 عاما ويشغل منصب المدير التشغيلي، هو الأكثر حظا لخلافة واجنر وإن كان على الأقل بشكل مؤقت. وقالت إن هندرسون التقى بأعضاء في الهيئة الحكومية التي تتولى الإشراف على خطة إنقاذ صناعة السيارات.
واوضحت وول ستريت جورنال ان «اوباما والحكومة الجديدة قالا انهما سيطالبان باجراء اعادة تنظيم أقوى لدى جنرال موتوزر وكرايسلر قبل ان تتسلما ادنى قرض اضافي من الحكومة».
ويرى كثيرون ان واغونر رئيس مجلس ادارة جنرال موتورز منذ ثماني سنوات، رمز لادارة لم تتوصل الى جعل جنرال موتورز، الاولى في الولايات المتحدة في صناعة السيارات، تتأقلم مع حقيقة الواقع، وخصوصا توقعات الأميركيين الذين يزدادون مطالبة بسيارات اصغر واقل استهلاكا للبنزين. وبدأت النقابات التي حولت حياته جحيما طوال سنوات، تعتبره حليفا في الاشهر الاخيرة عندما طالبت الدولة بمساعدة الشركة.
شكوك كبيرة
وفيما يبدي الرأي العام شكوكا كبيرة ازاء عمليات تعويم المؤسسات من قبل الدولة، وجه اوباما الاحد تحذيرا جديدا الى صانعي السيارات بما يعني ان المساعدة العامة ليست امرا بديهيا. واعلن أن قطاع صناعة السيارات الذي يطلب مساعدة مالية من الحكومة لانقاذه من الانهيار «لم يفعل ما فيه الكفاية» في مجال اعادة هيكلته، لكنه اقر في الوقت نفسه بالجهود الجدية لصانعي السيارات في مدينة ديترويت شمال الولايات المتحدة التي تعتبر رمزا لصناعة السيارات الوطنية.
وطلبت شركتا «جنرال موتورز» و«كرايسلر» لصناعة السيارات المزيد من المساعدات العامة لتتمكن من الاستمرار في خطة اعادة تنظيم قطاعاتها، وهما تعانيان من الازمة الاقتصادية التي تسببت بتدهور مبيعاتهما ولكن ايضا لعدم تكيفهما مع الطلب الجديد للسوق الأميركية لموديلات اصغر تستهلك كمية اقل من البنزين.
ووصلت المجموعتان الى حافة الافلاس وانقذتهما الحكومة بمنحهما مساعدة بقيمة 4, 17 مليار دولار في الاجمال بشكل قروض منذ ديسمبر. لكن تبين ان هذه المساعدة ما زالت غير كافية وطلبت المجموعتان من الدولة مبلغا اضافيا قدره 2, 6 مليارات دولار لمساعدتهما على الصمود. كذلك تواجه شركة «فورد» التي تعتبر ثالث الشركات الكبرى في ديترويت، صعوبات هائلة، لكنها راهنت على الخروج منها بدون مساعدة الدولة.
اتفاقات مبدئية
ووقعت جنرال موتورز وكرايسلر في الواقع اتفاقات مبدئية مع نقابة عمال صناعة السيارات الأميركية لتخفيض تكاليفهما في الولايات المتحدة. وفي كندا، وقعت جنرال موتورز اتفاقا مماثلا مع العمال الكنديين في صناعة السيارات، لكن كرايسلر ما زالت تتفاوض بشأن اتفاق خصوصا وانه شرط للحصول على مساعدة بقيمة 5, 2 مليار دولار وعدت بها اوتاوا ومقاطعة اونتاريو.
وتقول النقابات ان ال140 الف وظيفة لدى جنرال موتورز وكرايسلر ليست الوحيدة المهددة في وقت بلغت فيه البطالة مستوى قياسيا في خلال 25 عاما في الولايات المتحدة، بل ان هناك، مع الفروع وشركات المقاولة التابعة لها، ملايين الوظائف المهددة وكذلك المستقبل الاقتصادي في الغرب الاوسط. واقر اوباما بضرورة الحفاظ على وجود صناعة أميركية للسيارات، لكن الحكومة لا تستبعد امكانية ان تضطر كرايسلر وجنرال موتورز على الرغم من مساعدة الدولة، الى اعادة الهيكلة تحت حماية قاض للافلاس.
اوقات عصيبة
شهدت فترة رئاسة واجنر لجنرال موتورز أوقاتا عصيبة حيث خسرت الشركة أكثر من 80 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية بعد أن تفوقت الشركات الآسيوية المنافسة بشكل مضطرد على صناعة السيارات الأميركية التي كانت في وقت من الأوقات محتكرة السوق العالمية. وفقدت «جنرال موتورز» العام الماضي لقبها كأكبر شركة لصناعة السيارات في العالم لصالح لشركة «تويوتا موتور كورب» اليابانية.
ورغم أن الكثير من مشاكل الصناعة الأميركية تعود إلى فشل التأقلم مع تغييرات السوق، فإن سوق السيارات الجديدة في أميركا تراجعت من حوالي 14 مليون سيارة إلى 9 ملايين في عام 2008 حيث انخفض طلب المستهلكين في أنحاء البلاد. وقال الرئيس اوباما في هذا الصدد «كل جهة لديها مشاكل حتى تويوتا والشركات الأخرى الأكثر تحقيقا للأرباح».
خسائر ضخمة
ومنيت «تويوتا» بأول خسارة لها على الإطلاق في العام الماضي ويرجع ذلك بشكل كبير إلى تراجع مبيعاتها في الولايات المتحدة. وأعرب أوباما عن تفاؤله بأن يكون للولايات المتحدة «صناعة سيارات ناجحة». وقال أوباما إن كل شخص يجب أن يكون قادرا على التضحية بما فيهم الإدارة والعاملون والمساهمون والدائنون والموردون والموزعون والوكلاء.
ويأتي هذا مع إمساك إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما بدفة القيادة لتوجيه صناعة السيارات المتداعية حيث أرغمت الرئيس التنفيذي لجنرال موتورز على التنحي ودفعت كرايسلر نحو الاندماج مهددة الاثنين بالافلاس. كما يأتي التحرك بعدما اطاحت ثاني أكبر شركة سيارات في اوروبا من حيث المبيعات بيجو ستروين برئيسها التنفيذي كريستيان ستريف وعينت مكانه الرئيس السابق لشركة كوروس فيليب فارين اعتبارا من أول يونيو.
وقال تيري بيجو رئيس مجلس ادارة بيجو ستروين في بيان ان الصعوبات غير العادية التي تواجه الصناعة تستلزم تغييرا في الادارة ولكن ستريف دافع عن نفسه قائلا ان سياسته هيأت المجموعة لتخطي العاصفة. وأعلنت الشركة أن مجلس الاشراف قد أقال كريستيان شترايف من منصبه كرئيس للشركة.
وقال تيري بيجو «مع الأخذ في الاعتبار الصعوبات الاستثنائية التي تواجه صناعة السيارات حاليا، قرر مجلس الاشراف بالاجماع أن إجراء تغيير في منصب القيادة العليا يعد أمرا ضرورويا».
وفي فبراير الماضي، أعلنت الشركة انها منيت بخسارة قدرها 343 مليون يورو (9, 455 مليون دولار) في عام 2008. ومن المقرر أن يخلف فيليب فارين ، والذي يعمل حاليا رئيسا تنفيذيا لشركة كوروس لصناعة الصلب، شترايف في منصبه. ويدخل تعيين فارين في منصبه الجديد حيز التنفيذ اعتبارا من أول يونيو، على أن يتولى هذا المنصب وبصورة مؤقتة رولان فاردانيجا وهو عضو في مجلس إدارة الشركة.
(الوكالات)
