لاشك أن تداعيات الأزمة المالية العالمية وما صاحبها من انعكاسات سلبية على المنطقة دفعت المصارف المحلية إلى اتباع سياسات واستراتيجيات جديدة كان أبرزها البحث عن السيولة واستقطابها وتعزيز الملاءة المالية للبنك عن طريق تحويل سيولة المالية إلى قرض الشق الثاني وبحث السبل المتاحة لرفع وتعزيز رأس المال الأساسي «الشق الأول» للإيفاء بمتطلبات المركزي والخاصة بكفاية رأس المال والمحددة بـ 11 % ليونيو القادم.
إضافة إلى زيادة مخصصات الديون المعدومة للبنك والتشدد في الإقراض الشخصي مع الالتزام بتمويل المشاريع والشركات المحلية «التمويل التجاري» لاستمرار نمو عجلة الاقتصاد الوطني أيضا التريث الكبير بشأن الاستثمارات الخارجية ودراسة الفرص الجاذبة بعناية كبرى إضافة إلى زيادة حجم العمليات المصرفية الإسلامية والخدمات المتوافقة مع أحكام الشريعة والتي أثبتت أنها أكثر قوة في مواجهة تداعيات الأزمة.
وفي هذا الشأن قال سليمان المزروعي مدير عام التسويق والاتصال المؤسسي في بنك الإمارات دبي الوطني إن أي توجه للاستحواذ على حصص في شركات عالمية تعرضت لخسائر فادحة من الأزمة الأخيرة يجب أن يكون مدروسا بعناية فلاشك أن استغلال الفرص قد يكون مغريا حاليا نظرا لانخفاض الأسعار وجدوى العائد على المدى الطويل ولكن يجب دراسة عملية الاستحواذ بعناية فمثلا بنك ميريل لينش وهو احد اكبر البنوك الاستثمارية في العالم حينما يعلن تدهوره ويقوم بنك أوف أميركا بشرائه كان من الممكن أن تقوم بعض الشركات المحلية بالتفاوض للاستحواذ على بعض المحافظ المملوكة للبنك.
والتي لا تزال تحتفظ بقيمتها أو جزء كبير منه ومن ثم يتم ضخ أموال فيها لتحسينها ثم بيعها بأسعار ايجابية تحقق العائد المجزي منها وهذا يعتمد على الدراسة التي أوضحناها سابقا لمعرفة هذه المحافظ ومدى جدواها. وأوضح أن على الوجه الآخر في كثير من الأحيان تتأثر الصناديق السيادية بالأزمات العالمية ما يؤدي إلى خسائر فيها فلا تقدر على القيام بأي عمليات استحواذ بها نسب مخاطرة حتى ولو كان عائدها المادي كبيرا فتعرضها إلى أي خسائر أخرى قد يعصف بها كليا.
وعلى صعيد أهمية الصيرفة الإسلامية قال الدكتور معبد الجارحي مستشار مصرف الإمارات الإسلامي إن البنوك الإسلامية أثبتت أنها أكثر استقرارا من البنوك التقليدية، ولكن هذا الاستقرار يتطلب شيئين. الأول هو الحرص على حسن الإدارة. وتأتي أهمية ذلك من أن البنوك الإسلامية تمر بحالة توسع سريع. فبالإضافة إلى زيادة عددها، فإن بعضها يتزايد حجمه زيادة كبيرة، ويتوسع خارج الحدود إلى دول أخرى. والشيء الثاني أن تحرص البنوك الإسلامية على التزامها الشرعي، وتبتعد عن المنتجات سيئة السمعة، وعلى رأسها التورق المنظم. ويجب على البنوك الإسلامية أن لا تنسى أن اتباع القواعد الشرعية كان ولا يزال سر نجاحها، وأن أساليب التمويل الإسلامي المطابقة للشريعة لها مبررات قد تغيب عن البعض أحيانا، ولكنها تظهر آجلا أو عاجلا عندما يواجه العالم مشاكل اقتصادية حادة.
أما من حيث تأثير انخفاض أو تباطؤ نمو الودائع، فإن المصارف الإسلامية لديها سلاح فعال لنحفز المودعين على إبقاء ودائعهم أو حتى زيادتها. هذا السلاح هو خفض نصيب البنك بصفته مضاربا من أرباح الودائع. فمن الممكن أن يقوم البنك الإسلامي بخفض تلك النسبة، والتي تتراوح عادة بين 20 و30 في المئة من أرباح الودائع لمدة سنة أو أكثر، بحيث لا يكون تأثر أرباح الودائع بالكساد كبيرا، ولا يثير تخوف المودعين.
بل قد يكون من المناسب أن تنخفض تلك النسبة إلى نصفها في أول مراحل الكساد، ومن حيث انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وتأثير ذلك على سيولة المستثمرين، فإنه من المهم ألا تحذو البنوك الإسلامية حذو البنوك التقليدية من حيث الإصرار على قيام المتمولين بالسداد الكامل في الموعد وفرض الفوائد التأخيرية وغيرها. فهذا الأسلوب سوف يؤدي بكثير من المستثمرين إلى الإفلاس والتصفية.
وحول جذب مزيد من الودائع قال جمال بن غليطة مدير عام الخدمات المصرفية للأفراد في بنك الإمارات دبي الوطني إن الودائع تعتبر الوسيلة الاستثمارية الأكثر أماناً بالنسبة للعملاء فهي تمكنهم من تحقيق عوائد ثابتة وحماية مضمونة، مشيراً إلى أن الودائع المصرفية مرشحة للنمو بنهاية العام الجاري مقابل نهاية العام الماضي نتيجة ارتفاع الفائدة عليها وضمانها من قبل الحكومة. وأضاف أن البنوك لجأت إلى رفع الفائدة على الودائع لتحقيق التوازن وسد الفجوة التي تتجاوز 111 مليار درهم بين حجم الإقراض.
وقال إن أسعار الفائدة على الودائع في بنك الإمارات دبي الوطني تدور في حدود 6 % وهي من أعلى النسب بين بنوك الدولة، مشيرا إلى أن بنك الإمارات دبي الوطني يمتلك سيولة جيدة ولا يوجد أي شح في السيولة يعاني منها البنك ولكن الأمر الحالي ومعطيات السوق الجديدة تتطلب الحد من الإقراض وزيادة نسبة السيولة. وأوضح أن المستثمرين يتجاوبون بصورة عامة مع الودائع الثابتة بوصفها خياراً استثمارياً لا يضطرهم للدخول في مخاطرة غير محسوبة ويعرضهم لتحركات السوق العكسية مثل الانخفاض الهائل في أسعار الأسهم المحلية والإقليمية.
تشكيل لجان للتعامل مع تداعيات الأزمة
قامت معظم البنوك العاملة في الدولة بتشكيل لجنة أطلق عليها «لجنة إدارة الأزمات» وذلك للتعامل مع المعطيات الجديدة التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية والتي تعصف بجميع البلدان والأسواق. ويترأس اللجنة الرئيس التنفيذي للبنك وتضم في عضويتها خبراء في الخزانة والائتمان والإيداع والاستثمار والتسويق وشؤون الموظفين. ويهدف عمل اللجنة إلى التعاطي مع المقتضيات الجديدة للازمة المالية العالمية والحفاظ قدر الإمكان على السيولة المتوفرة في البنك وعدم التفريط فيها بسهولة لحين وضوح الرؤية إضافة إلى العمل لجذب اكبر سيولة ممكنة عن طريق طرح برامج إيداع مغرية.
ومن بين الإجراءات التي اتخذتها اللجنة هي فرض شروط غير مسبوقة للحد من الإقراض والتمويل وكذلك رفع نسبة الودائع والتوفير وتقليص حجم الإعلانات إلى أدنى مستوى لها للسنة المالية 2009 القادمة وأيضاً فرض سياسات توظيفية جديدة. وفي هذا الشأن قالت مصادر مصرفية إن تشكيل هذه اللجان يأتي في الوقت الذي يعاني فيه العالم من أزمة مالية طاحنة لم نشهدها منذ العام 1929 لذا وجب على البنوك - على الرغم من ملاءتها القوية وعدم تعرضها لأي أزمة من التعاطي مع المعطيات الجديدة للاقتصاد العالمي نظرا لان العالم كله يشبه القرية الصغيرة.دفعت المعطيات التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية معظم البنوك العاملة في الدولة إلى التشدد في سياسات الأقراص.
سياسات مشددة
اتبعت معظم البنوك العاملة في الدولة سياسات ائتمانية مشددة للحد من الإقراض الشخصي أو الاستهلاكي مع الالتزام بتمويل المشاريع والشركات المحلية لاستمرار عجلة النمو الاقتصادي. المصرفيون يؤكدون أن معظم البنوك لديها سيولة بعد ضخ المالية لدفعتين كاملتين من قروضها والتي قامت معظم البنوك بتحويلها إلى قرض الشق الثاني لرأس المال ولكن «حالة الترقب» مما سيحدث مستقبلا والتي فرضتها المقتضيات الجديدة للاقتصاد العالمي دفعت البنوك لاتباع سياسات ائتمانية متشددة فمنعت تماما أي نوع من الإقراض الاستهلاكي لموظفي الشركات المصنفة على لائحتها بدرجة a أو B ليس هذا فحسب بل استثنت بعض الوظائف العليا لموظفي الشركات المصنفة «A» للسماح لهم ببعض أنواع الإقراض وذلك في حدود المتطلبات والشروط وفقا لسياستها الائتمانية الجديدة هذا الوضع الجديد والمتمثل في ندرة الإقراض أعطى بعض البنوك الأجنبية العاملة في الدولة الفرصة لاستغلال المستهلكين الباحثين عن قرض للإيفاء بالتزاماتهم المعيشية فقامت برفع الفائدة على القروض الشخصية لتصل إلى 18% بعد أن ظلت تتراوح بين 9- 11 % خلال الفترة الماضية قبل الأزمة مع تحديد فترة السداد بعدم تجاوزها الثلاث سنوات فقط.
دبي ـ محمد هيبة
