لم يحل ثراء كل من الإمارات وروسيا بموارد الطاقة المتنوعة من بروز أشكال أخرى للتعاون تتجاوز مسألة إمدادات الطاقة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولم يؤد غياب الحاجة لدى الدولتين للاعتماد على بعضهما البعض في الحصول على إمدادات الطاقة، إلى تراجع أهمية هذا المجال ضمن حزمة العلاقات فيما بينهما، بل ثمن مسئولو الدولتين التعاون في مجال الطاقة بوصفه أحد المجالات الحيوية المطروحة بقوة على أجندة التعاون المشترك.

وبرزت بالفعل أشكال تعاون جسدت الأولية التي توليها الدولة لمسألة الاستفادة من الخبرة الروسية التكنولوجية في مجالي خدمات الطاقة والطاقة النووية السلمية، كما تحركت البوصلة الاستثمارية لبعض شركات الطاقة الرئيسية في الدولة نحو سوق الطاقة الروسي للتعرف على الفرص المتاحة المجزية اقتصاديا، سواء من خلال الاستحواذ على أصول مهمة في هذا المضمار، أو من خلال تأسيس شراكات مع الشركات الروسية العاملة في هذا المجال.

ويبدو أن هذا النهج التعاوني يستند إلى مبدأ «مقايضة المزايا التنافسية»، وبموجبه، تستفيد كل دولة من المزايا التنافسية التي تملكها الدولة الأخرى، فإذا كانت روسيا تتمتع بميزة امتلاكها ثروات طبيعية هائلة وخبرات تكنولوجية، فان الإمارات تمتلك ميزة موقعها الجغرافي الإستراتيجي في قلب أكثر مناطق العالم ثراءً بالنفط والغاز، كما تمتلك السيولة النقدية التي تمكنها من تمويل صفقات واستحواذات ضخمة.

فرغم حقيقة أن الإمارات تعتبر خامس أكبر منتج للنفط في العالم، بحجم إنتاج يتجاوز 5,2 مليون برميل يوميا، فيما تعد روسيا أكبر منتج للنفط خارج منظمة أوبك بحجم إنتاج يزيد على 10 ملايين برميل يوميا، إلا أن التعاون المشترك في مجال الطاقة قد طفا على سطح المباحثات المشتركة التي عقدت فيما بين الدولتين، وذلك في غمرة البحث عن مجالات العمل المشترك الكفيلة برفع مستويات التعاون بينهما بما يتوافق مع تطلعات الدولتين.

إمكانيات واعدة

وتجلت أهمية هذا المجال في الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين للدولة في سبتمبر 2007، حيث اختص الزعيم الروسي مجال الطاقة بالذكر ضمن مجالات التعاون التي تعد بمثابة ركائز رئيسية تنهض عليها العلاقات بين الدولتين، إذ أكد حينذاك على «اهتمام الشركات الروسية بالعمل في مجالي إنتاج النفط واستخراج الموارد الطبيعية والاستثمارات بالإمارات».

كما كان مجال الطاقة واحدا من المجلات التي أعتبرها المستشرق الروسي يوري زينين، بأنها «تحوي على إمكانيات للمزيد من النمو والارتقاء، وذلك في الكلمة التي ألقاها خلال ندوة استضافتها إمارة أبو ظبي آنذاك حول العلاقات الروسية الإماراتية، حيث رأى أن «روسيا والإمارات قادرتان على تنفيذ مشاريع كبرى في ميادين تطوير النقل والطاقة وشبكات المياه ومجالات أخرى»، وقدر بأن طاقات التعاون بين روسيا والإمارات «لم تستنفد بعد». حيث لم تستثمر - من وجهة نظره - الإمكانيات الكبيرة للابتكارات والتكنولوجيات الروسية في ميادين استخراج النفط وتصنيع الخامات وكذلك الثروة المائية والطاقة الذرية.

وبمعزل عن الشوط الذي قطعته الدولتان في الارتقاء بمستويات علاقاتهما في مجال الطاقة، تطل حقيقة رئيسية مؤداها أن روسيا مثلت رقما مهما ضمن حسابات إستراتيجيات الطاقة التي تبنتها الدولة، وذلك في أصعدة ومجالات متعددة.

وبرزت أهمية الاستفادة من الخبرة الروسية جلية للعيان في عملية تطوير البرنامج النووي السلمي الإماراتي، حيث ورد في نص المذكرة التي وافق عليها مجلس الوزراء الإماراتي في مارس 2008 أن «الإمارات المتحدة لن تقيم طاقات لتخصيب وتصنيع اليورانيوم. وتنوي الإمارات استخدام تجربة روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا والصين وانجلترا واليابان وكوريا الجنوبية في مجال الطاقة الذرية السلمية. وسيجري تنفيذ برنامج الطاقة الذرية تحت إشراف لجنة إماراتية فرنسية ذات مستوى عال».

وتؤشر المذكرة على تثمين الدولة للخبرة الروسية في مجال توليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية، وذلك في إطار رؤية شاملة تنظر إلى الخيار الكهرو نووي بأنه يمثل خيارا منافسا من الناحية التجارية وواعدا من الناحية البيئية، الأمر الذي سيؤدي إلى تحقيق إسهامات كبرى في اقتصاد الدولة وأمن طاقتها مستقبلا. وذلك استنادا إلى الالتزام بالشفافية التامة وتحقيق أعلى معايير حظر الانتشار النووي.

تقديم المشورة

وعلى هذه الأرضية، كانت روسيا واحدة من الدول التي أسدت المشورة في صياغة مسودة وثيقة سياسة دولة الإمارات بشأن تقييم وإمكانية تنفيذ برنامجها النووي، حيث جرت عملية الصياغة بناء على مشاورات جرى عقدها مع وكالة الطاقة النووية الدولية وحكومات كل من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وروسيا واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية.

والجدير بالتنويه هنا أن إطلاق البرنامج الكهرو نووي الإماراتي جاء استجابة لتصاعد الطلب المحلي على الطاقة الكهربائية، حيث تفيد التقديرات بأن الإمارات ستكون بحاجة إلى طاقة كهربائية توازي حجم الطاقة المولدة من 12 محطة ضخمة تقليدية لتوليد الكهرباء، وقد تأسست مؤسسة الإمارات للطاقة النووية بناء على توصية الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي نصحت بتأسيس كيان يتولى مهمة تنفيذ البرنامج، فضلا عن تقييم البرامج النووية المتبناة من قبل الدول الأخرى.

ولم ينحصر الاهتمام بالخبرة الروسية على المجال النووي، بل تمت الاستعانة بهذه الخبرة في مجال خدمات الطاقة أي مجال الخدمات المرتبطة بمنشآت توزيع ونقل النفط والغاز، ويبرز هنا، إعلان شركة دولفين للطاقة في يوليو من العام الماضي إرسائها عقدا عقد بناء خط جديد لأنابيب غاز الطويلة ؟ الفجيرة داخل أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة على شركة ستروي ترانزغاز ذتس من روسيا.

وسيصل خط أنابيب الطويلة ؟ الفجيرة محطة استقبال الغاز التابعة لدولفين في الطويلة على ساحل أبوظبي بمحطة توليد الكهرباء وتحلية المياه التابعة لهيئة مياه وكهرباء أبوظبي في منطقة قدفع في الفجيرة. كما سينقل هذا الخط كميات كبيرة من غاز دولفين من دولة قطر مباشرةً إلى الساحل الشرقي من دولة الإمارات عبر محطة الطويلة، وكانت ثماني شركات إنشاء دولية قد تنافست على الفوز بعقد بناء خط أنابيب غاز الطويلة؟الفجيرة الذي يبلغ قيمته418 مليون دولار.

وبعد دراسة العروض الفنية لتلك الشركات، اختارت دولفين خمسة منها للانتقال إلى مرحلة المناقصات التجارية وهي كل من شركة الجابر لخدمات الطاقة من دولة الإمارات، شركة اتحاد المقاولين الدوليين من اليونان، وشركة دودسال الهندية، وشركة ستروي ترانزغاز ذتس الروسية، وشركة سايبم/سنامبروجيتي الإيطالية.

وكانت شركة دولفين قد أرست في ديسمبر 2007 عقد تصنيع أنابيب الغاز على شركة سلازجيتر مانيسمان الألمانية حيث ستقوم هذه الشركة بموجب العقد بتصنيع هذا الخط الذي يبلغ وزنه 120 ألف طن من نوع ٍّ07 بقطر 48 بوصة وذلك بتكلفة إجمالية قدرها 200 مليون دولار. وقد استلمت دولفين 40% من هذه الأنابيب لغاية الآن، ومن المقرر الانتهاء من التسليم في ربيع عام 2009.

دبي : مجدي عبيد