تأتي قمة الدول صاحبة الاقتصادات العشرين الكبرى في العالم والتي تنعقد في العاصمة البريطانية لندن الخميس المقبل في ظل سيل لا ينقطع من البيانات الكارثية والمؤشرات الاقتصادية المتداعية.

ومع تمدد طوابير البطالة وتقلص أسواق التصدير وتراجع أرقام مبيعات التجزئة وتدني مؤشرات ثقة المستهلكين وانهيار الطلبيات وقيام الشركات بخفض انتاجها فإن ثمة مخاوف متزايدة من أن تكون البلدان الصناعية الكبرى بصدد تراجع اقتصادي طويل. ويتوجه عدد من القادة الأوروبيين للمشاركة في القمة فيما بدأت في الظهور دلائل على أن الركود العالمي قد كشف عن خطوط تقسيم اقتصادية جديدة عبر القارة.وأظهرت بيانات حكومية أن أرباح الشركات الأميركية هبطت لمستوى قياسي في الربع الأخير مع انكماش الاقتصاد بأسرع ايقاع منذ عام 1982 نتيجة لانخفاض انفاق المستهلكين والصادرات. وفي مؤشر آخر على الركود الاقتصادي أظهر تقرير حكومي منفصل أن عدد العمال الذين يحصلون على إعانات البطالة الحكومية ارتفع إلى رقم قياسي بلغ 56. 5 ملايين عاطل هذا الشهر بينما قفزت طلبات الاعانة الى 652 الف طلب في الاسبوع الماضي.

وقال جوزيف بروسويلاس وهو خبير اقتصادي في موديز ايكونومي في ويست تشيستر بولاية بنسلفانيا وهو يتحدث عن الانخفاض في ارباح الشركات «انها مؤشر على الانخفاض الحاد في النشاط الاقتصادي الاجمالي الذي شوهد في الربع الاخير». وقالت وزارة التجارة الأميركية إن ارباح الشركات بعد حساب الضرائب انخفض بنسبة 7. 10 في المئة في الربع الاخير في أكبر تراجع منذ الربع الاول في عام 1994 . وهبطت الارباح بواقع 2. 5 مليارات دولار في الربع الثالث. وانخفضت ارباح المؤسسات المالية بمقدار 7. 187 مليار دولار مقابل 5. 75 مليار دولار في الربع الثالث. وهوت ارباح المؤسسات غير المالية بمقدار 1. 89 مليار دولار في الربع الاخير بعد زيادة بلغت 1. 52 مليار دولار في الفترة السابقة.

وجاء انخفاض الارباح فيما انخفض الناتج المحلي الاجمالي الذي يقيس اجمالي انتاج السلع والخدمات داخل حدود الولايات المتحدة بأكبر نسبة انخفاض منذ الربع الاول من عام 1982. وقال زاك باندل وهو خبير اقتصادي بمؤسسة نومورا سيكيوريتيز انترناشيونال للاوراق المالية في نيويورك «نعتقد ان التراجع في اجمالي الناتج المحلي وصل الى اقصاه في الربع الاخير.

اجمالي الناتج المحلي لن ينخفض مرة اخرى بنفس السرعة التي تراجع بها في الربع الاخير». وتوقعت الحكومة في الشهر الماضي تراجع اجمالي الناتج المحلي في الربع الاخير بنسبة 2. 6 في المئة. وقالت وزارة التجارة الأميركية ان الاقتصاد نما بنسبة 1. 1 في المئة في عام 2008 وهو أصغر معدل نمو منذ عام 2001 بعد ان نما بنسبة 2 في المئة في العام السابق.

احتياجات عنيفة

أوروبياً، خرج العمال في فرنسا إلى الشوارع الاسبوع الماضي باعداد هائلة احتجاجا على أسلوب مواجهة الحكومة للازمة والمطالبة بسحب خطط الاصلاح الاقتصادي التي طرحها الرئيس نيكولاي ساركوزي. وقد سلطت المظاهرات الضوء على حالة الاستياء والقلق العميقة في البلاد وفي مختلف أنحاء أوروبا بشأن الازمة. وقال الاقتصادي الالماني البارز راينر جونترمان «نشهد مزيدا من الانكماش الاقتصادي هذا العام».

وفي الجانب الآخر تزايدت حدة المعارضة للدعوة الأميركية المطالبة للحكومات الأوروبية بضخ المزيد من الأموال لإنقاذ اقتصاداتها. ومن المرجح أن يتصدى الاوروبيين أعضاء مجموعة العشرين، ومن بينهم المانيا وايطاليا وفرنسا، لتلك الدعوات المطالبة برصد مزيد من الاموال لاحتواء تداعيات اكبر تراجع في اقتصاد العالم على مدى 60 عاما.

وعوضا عن ذلك فإنهم يطرحون أفكارا مغايرة حيث يطالبون القمة أن تركز جهودها على صياغة نظام جديد للرقابة المالية العالمية. وتشارك جمهورية التشيك بصفتها رئيسة الاتحاد الاوروبي في دورته الحالية في قمة العشرين. وتصر المانيا وفرنسا على أن مجموعة خطط التحفيز المالي التي طرحت بالفعل في عدة بلدان أوروبية بحاجة إلى وقت للانطلاق كما يسعي البلدان لحشد شركائهم الاوروبيين خلفهم في رفض أي زيادات جديدة في الانفاق العام لدعم النمو الاقتصادي.

وعن هذا الطريق أيضا تمكنت الدولتان كذلك من تجاوز الخلافات داخل أوروبا بشان سبل احتواء تداعيات الركود. وفي حين تتثاقل خطوات أوروبا في ظل المناخ الاقتصادي الراهن فان الانكماش الاقتصادي العالمي المروع خلف آثارا متباينة في البلدان الاوروبية المختلفة كما أحدث انقسامات اقتصادية بين تلك الدول.

ويبدو أن ألسنة الحريق الاقتصادي الذي اندلع في الشهور الاخيرة من العام الماضي وانطلقت شرارته من الولايات المتحدة الأميركية جراء أزمة الرهن العقاري بها أمسكت على نحو الخصوص بكل من اسبانيا وايرلندا إلى جانب دول وسط وشرق أوروبا. كذلك فان اقتصاد بريطانيا مضيفة قمة العشرين يعاني من تباطؤ شديد عقب انهيار سوق العقارات في البلاد كما تجاوزت أعداد العاطلين المليونين وهي أعلى نسبة على مدى 12 عاما.

صندوق النقد

أما صندوق النقد الدولي فقد مزق تكهناته السابقة وأعلن الاسبوع الماضي أن دول منطقة اليورو ستشهد انكماشا بنسبة 2. 3 في المئة مقابل 8. 3 في بريطانيا. والادهى والامر من ذلك بحسب الصندوق إن بريطانيا ستواجه معركة ضروس لاخراج نفسها من الركود وان اقتصادها سيكون الوحيد في العالم الذي يواصل الانكماش عام 2010.

وقال وزير التجارة البريطانية بيتر ماندلسون إن قمة العشرين ستكون خطوة باتجاه تحويل مسار العلاقات بين القوى العالمية في الوقت الذي يبدو فيه أن عصر مجموعة الثمانية الكبرى قد انتهى. وأضاف أن الاصلاحات المتوقع تناولها خلال القمة تعد إشارة إلى أن «عصر مجموعة الثمانية قد ولى». وأوضح المفوض التجاري الاوروبي السابق أن قمة لندن تمثل بداية طريق جديد لصناعة القرارات الدولية.

وفي الوقت الذي لم يظهر فيه بعد كيف ستتغير عملية صناعة القرارات الدولية، تنبأ ماندلسون بأن الدول الصناعية الجديدة سيكون لها صوت مسموع وأيضا مسؤوليات أكبر في كيفية التوصل إلى سبل للخروج من الازمة الاقتصادية العالمية. وقال الوزير البريطاني « قمة العشرين لن تغير العالم، بيد أنها ستمثل خطوة حاسمة في مجالات عدة» مضيفا ان القمة ضرورية من أجل بناء الثقة في أن زعماء العالم قد تعلموا من أخطاء الماضي وأنهم توصلوا إلى سبل للخروج من الازمة التي تطيح بالاقتصادات العالمية.

تركيبة المجموعتان

وتضم مجموعة الثمانية الدول السبع الصناعية الكبرى، بريطانيا والولايات المتحدة واليابان والمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا، بالاضافة إلى روسيا. أما مجموعة العشرين، فتضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإندونيسيا والصين والأرجنتين وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والسعودية وتركيا والهند واليابان والبرازيل وإيطاليا وأستراليا وروسيا والمكسيك إلى الاتحاد الأوروبي.

وستكون قمة لندن هي الثانية في تاريخ المجموعة الذي يمتد لنحو عشر سنوات مضت حيث كانت القمة الأولى عقدت في واشنطن في نوفمبر الماضي عندما أدت الأزمة المالية إلى انهيار سوق التمويل العقاري في الولايات المتحدة وألقت بتداعياتها على الاقتصاديات العالمية.

وقالت الصين إنها تريد ان تصدر قمة مجموعة العشرين التي رسالة قوية إلى المجتمع الدولي بأنها مصممة على العمل معا في أوقات الشدة. وفي إطار الجدل الدائر حول دور مؤسسات التمويل الدولية قال نائب رئيس الوزراء الصيني وانج كيشان ان الصين ستساهم في زيادة موارد صندوق النقد الدولي في حدود قدرتها. وكتب وانج في صحيفة لندن تايمز يقول أن الصين مستعدة لشراء سندات لصندوق النقد الدولي إذا اتخذ الصندوق قرار باصدار مثل هذه السندات.

وقال وانج ان الصين ستواصل اتخاذ اجراءات قوية للحفاظ على نمو اقتصادي سريع ومطرد وانها ستساهم بنصيبها في انتعاش سريع للاقتصاد العالمي. واضاف انه ينبغي لقمة مجموعة العشرين أن تحدد هدفا واضحا وجدولا زمنيا وخارطة طريق لاصلاح النظام المالي الدولي.

وفي ذات الإطار دعا رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون إلى اصلاح عميق للمؤسسات الدولية لتمكين البلدان الناشئة والنامية من ابداء رأيها. وفي محاضرة القاها في جامعة ساو باولو، قال براون «ليس من الضروري ان يكون الرئيس المقبل للبنك الدولي أميركيا، والمدير المقبل لصندوق النقد الدولي اوروبيا».

واضاف ''ولت الحقبة التي كان خلالها بعض الاشخاص يجلسون الى الطاولة لتحديد البرنامج الشامل. ومن الضروري في الوقت الراهن ان يتغير صندوق النقد والبنك الدولي وكل المؤسسات الدولية، للتأقلم مع الحقائق الجديدة». واوضح براون ان هذه التغييرات يجب ان تنسحب ايضا على مهمة وفعالية هذه المؤسسات «للتأكد من ان للبلدان الناشئة والنامية الحق في ابداء الرأي والحق في ان تتمثل في هذه المؤسسات، وقد رفض منحها هذا الحق فترة طويلة وهي تستحقه».

ومن جانبه طالب الرئيس البرازيلي لويز إناسيو لولا دا سيلفا الدول الصناعية أن تضطلع بمسؤوليتها تجاه الجهود المبذولة للتغلب علي الأزمة المالية العالمية الحالية التي يقول إن من خلقوها هم «أناس بيض لهم عيون زرقاء».

وشدد لولا مجددا على ضرورة تنظيم النظام المالي العالمي. وقال «الأمر لا يجب أن يكون كذلك في مجتمع يخضع فيه الشخص للتصوير وللمراقبة الدائمة عندما يتوجه إلى مركز للتسوق أو مطار، النظام المالي لا يخضع للمراقبة ولا للتنظيم».

وقال إنه يتوقع أن تسفر قمة العشرين عن نتائج ملموسة، وأضاف «الاجتماع سيكون تاريخيا لان الشعوب تتوقع منه الكثير وإذا ارتكبنا الخطأ المتمثل في استخدام هذا الاجتماع للتخطيط لعقد اجتماع أخر فإنه من الممكن أن نفقد مصداقيتنا وستتعمق الأزمة». وقال «يعلم العديد من زعماء العالم أن اللحظة الحالية تتطلب قرارات سياسية عميقة أقوى من القرارات الاقتصادية التي سوف نتخذها».

مخاوف مستمرة

ولا تزال المخاوف حول أوضاع الاقتصاد العالمي تتزايد، وقال مدير عام صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان إن الاقتصاد العالمي يحتاج من عامين الى ثلاثة اعوام لتلافي الخسائر الناجمة عن الازمة الحالية. وذكر «يمكن ان نشهد عودة النمو مجددا بداية من النصف الاول من العام المقبل» موضحا ان ذلك يحتاج الى «سياسات جيدة» وخصوصا لتطهير النظام المصرفي. لكن «اذا كان الخروج من الازمة يعني تعويض ما نحن بصدد خسارته فان الامر سيحتاج الى عامين او ثلاثة اعوام».

واعتبر ان النظام المصرفي لا يزال «متجمدا تقريبا، متجمدا بالكامل» وان «الاموال المخصصة لانعاش الميزانية في فرنسا والمانيا والولايات المتحدة ستغور مثل ما يغور الماء في الرمل» اذا «لم تستأنف الارصدة دورتها» واذا «لم نتخلص من الارصدة الهالكة». وفي شأن «الاموال الطائلة» التي قدمتها الحكومات لانعاش النمو ودعم القطاع المصرفي، اعتبر ستروس كان ان «لا خروج من الازمة من دون ثمن»، اي من دون معالجة العجز والدين لدى الدول. وقال «لكن ذلك لا يحصل مجانا» ومن الضروري بعد ذلك «العودة الى مستويات مقبولة من الدين» وامتصاص العجز.

وفي آسيا توقفت أطول مسيرة نمو للاقتصاد الياباني منذ الحرب العالمية الثانية ليدخل ثاني أكبر اقتصاديات العالم دوامة الركود ويترك الناس هناك أسرى الخوف من المستقبل. ويواجه الاقتصاد الياباني بالفعل معضلة صعبة حيث تتراجع الصادرات وينكمش الاستهلاك المحلي نتيجة تدهور الأسواق الخارجية وارتفاع قيمة الين مما أدى إلى تراجع حاد في مبيعات السيارات والإلكترونيات.

لذلك تتوقع تويوتا موتور اليابانية ،أكبر منتج سيارات في العالم، أن تسجل أول خسائر لها منذ 1963خلال العام الحالي بعد أن كانت قد حققت أرباحا قياسية منذ 12 شهرا فقط. ويقول أحد المحللين «اليابان تهوي من على حافة الجرف».

وفي الوقت نفسه فإن القواعد الجديدة لسوق العمل اليابانية التي كانت تهدف إلى تشجيع تحول المهنيين من عقود العمل مدى الحياة إلى عقود عمل مؤقتة ومرنة أدت إلى تلاشي أحلام الكثير من الشباب الياباني الذين وجدوا أنفسهم فجأة بدون عمل بعد انتهاء عقودهم محددة المدة ورفض الشركات تجديدها بسبب الأوضاع الاقتصادية.

وفي حين تشير التقديرات إلى فقدان أكثر من 150 ألف عامل مؤقت وظائفهم خلال الشهور الستة الأخيرة من العام المالي الحالي حتى 31 مارس الحالي فإن الشركات المتضررة من الأزمة بدأت أيضا الاستغناء عن العمالة الدائمة حيث أعلنت شركة الإلكترونيات العملاقة، سوني كورب، اعتزامها الاستغناء عن 8 آلاف عامل.

ومن المتوقع أن تعلن إن.إي.سي كورب للإلكترونيات أيضا الاستغناء عن أكثر من 10 آلاف عامل في حين استغنت نيسان موتور للسيارات بالفعل عن 4 آلاف عامل. ويقول محللون إنه يتعين على اليابان تذكر كيف لعبت إنتاجية العامل والحكمة في استخدام موارد القطاع العام دورا مهما في الخروج من أزمات مماثلة في تسعينيات القرن العشرين. ففي ظل هذه الظروف فقط يمكن لطوكيو التركيز على الاستثمار في التكنولوجيا الصديقة للبيئة في كل المجالات.

وفي باكستان قال مدير البنك الدولي يوسوفا كروكيز في بيان ان ''التدهور القوي للاقتصاد العالمي يؤثر تأثيرا كبيرا على الصادرات وتحويلات المهاجرين والتمويلات الخارجية». واضاف ان «ذلك يؤكد اهمية ان تستعيد باكستان الاستقرار الاقتصادي وان تحمي سكانها المعوزين في هذه الفترة». وبالاضافة الى الازمة العالمية، اشار البنك الى «ان الاضطرابات السياسية قلصت ثقة المستثمرين مما ادى، بالاضافة الى الخلل في الاقتصاد الجمعي، الى خروج رؤوس الاموال» من البلاد.

أوروبياً أظهرت بيانات رسمية أن اقتصاد بريطانيا تباطأ بدرجة أكبر مما كان متوقعا في الاشهر الثلاثة الاخير من 2008 مع انحدار ناتج قطاع البناء. وجري تعديل نسبة التراجع السنوي الى 2% وهو أكبر انخفاض منذ عام 1991.

وقال المكتب ان مراجعة كبيرة بالخفض لناتج قطاع البناء هي السبب الرئيسي للتعديل. وتراجع ناتج القطاع 9. 4% وهو أكبر انخفاض فصلي منذ الربع الاخير من عام 1980. وفي المقابل قفزت نسبة ادخار الاسر الى 8. 4% وهي الاعلى منذ الربع الاول من 2006 وكانت نسبة الادخار 7. 1% في الشهر السابق.

(الوكالات)