رحب صندوق النقد الدولي أمس بالفكرة الصينية الداعية لإيجاد عملة احتياطية عالمية أخرى غير الدولار، وهو ما اعتبره المحللون بداية لهز عرش العملة الخضراء.
وقال مساعد المدير العام جون ليبسكي «انه اقتراح جدي. لا اعتقد ان الذين قدموه يعتبرونه مسألة ملحة ولكن بالأحرى مسألة على المدى الطويل تستحق أن تدرس وتبحث بشكل جدي». لكن الرئيس الأميركي باراك اوباما دعا الى الثقة الدولية بالدولار والاقتصاد الأميركي رافضا الفكرة الصينية الداعية إلى اعتماد عملة احتياط عالمية جديدة. وقال خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض «في ما يتعلق بالثقة بالاقتصاد الأميركي و بالدولار، الاحظ ان الدولار هو قوي جدا حاليا».
وأوضح «ان سبب قوة الدولار حاليا تعود إلى أن المستثمرين يعتبرون ان اقتصاد الولايات المتحدة هو الأقوى في العالم مع نظام سياسي هو الأكثر استقرارا في العالم».
ورفض اوباما الدعوة الى اعتماد عملة احتياط دولية تحل محل الدولار كان طالب بها البنك المركزي الصيني. وقال «لا اعتقد أننا بحاجة لعملة شاملة». وفي السياق نفسه، أعلن وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جيثنر، ورئيس مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي بن برنانكي رفضهما للفكرة الصينية خلال شهادة أمام الكونجرس أول من أمس الثلاثاء.
عملة جديدة
وكان حاكم المصرف المركزي الصيني تشو كسياو شوان دعا إلى اعتماد عملة جديدة للاحتياطات الدولية بدل الدولار في نظام يوضع تحت إشراف صندوق النقد الدولي. وأوضح في نص نشر على موقع المصرف الالكتروني ان الهدف هو انشاء نظام اقتصادي عالمي جديد لا يتأثر بسهولة بسياسات بعض البلدان. والصين مرتبطة بالنظام الحالي الذي يهيمن عليه الدولار وتتابع عن كثب نتائج سياسات انعاش الاقتصاد التي تقرها إدارة باراك اوباما وما قد ينتج عنها من عواقب على الاحتياطي الصيني من العملات الاجنبية.
وأبدت الصين مرارا مخاوف على مستقبل احتياطيها من العملات الاجنبية الذي تقارب قيمته تريليوني دولار لا سيما وان قسما كبيرا منه بالدولار. وقال تشو ان اعتماد «عملة جديدة للاحتياطات تلقى قبولا واسعا قد يستغرق وقتا طويلا». لكنه اضاف انه «يجدر بالاسرة الدولية وخصوصا صندوق النقد الدولي في المستقبل القريب ان تواجه على الاقل المخاطر الناتجة عن النظام الحالي وتقوم بعمليات مراقبة منتظمة وتقييم''.
ويوصي تشو في هذا الاطار باعتماد ''حقوق السحب الخاصة» التي لها «القدرة» على التحول الى «عملة احتياط تتخطى العملة الوطنية»، وهي فكرة سبق وطرحها رجل المال جورج سوروس عام 2002.
وانشأ صندوق النقد الدولي حقوق السحب الخاصة المرتبطة بسلة عملات عام 1969 لتكون بمثابة أصول للاحتياطي العالمي، من اجل استكمال احتياطات دوله الأعضاء في وقت لم يعد عرض الذهب والدولارات كافيا.
اكبر احتياطيات
وأكد خبراء أن البلدان التي تمسك باحتياطات ضخمة من الدولار الأميركي ستواجه مشكلات اقتصادية كبيرة خلال الفترة المقبلة نظراً لأن خطط الإنعاش المالي الأميركية تحتاج إلى طباعة دولارات جديدة وطرح سندات خزانة جديدة، الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع قيمة العملة الخضراء.
وبعد عشر سنوات تقريبا من النمو السريع مدعوما بالصادرات راكمت دول شرق آسيا أكبر احتياطيات من الدولار الأمريكي إلى جانب الاستثمارات الضخمة في السندات الأمريكية لتصبح المقرض الرئيسي للولايات المتحدة. ومع تراجع صادرات المنطقة في الوقت الحالي ارتفعت معدلات البطالة وحالات الإفلاس وبدأت الديون المشكوك في تحصيلها في التزايد حتى انه يمكن القول ان القضية صارت مسألة وقت فقط لتتحول الأزمة المالية الأميركية إلى أزمة مالية آسيوية.
ويقول تشالونجفوب ساسانجكام أحد كبار خبراء الاقتصاد بمعهد أبحاث التنمية التايلندي « في 1997-1998 كانت الرسالة لنا تقول بضرورة جعل أنظمتنا المالية تشبه أنظمة الاقتصاديات المتقدمة لان هذا هو الأسلوب الأمثل». وأضاف «والان وقد أجرينا الإصلاحات، ليس لدينا من يقين ما هو أفضل أسلوب متاح الآن».
وكان تشالونجفوب أحد خبراء الاقتصاد الذين شاركوا في الحلقة النقاشية التي نظمها بنك التنمية الآسيوي الأسبوع الماضي عن رسالة شرق آسيا إلى قمة مجموعة الدول العشرين التي تستضيفها لندن يوم 2 إبريل المقبل.
ومن المقرر أن يشارك عدد من قادة دول آسيا في قمة لندن التي تضم رؤساء 19 دولة كبرى إلى جانب الاتحاد الأوروبي. ويضم زعماء آسيا المشاركين قادة الصين والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية ثم تايلاند بصفتها رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان».
والشعور السائد في هذه المنطقة هو أن لها الحق في دور أكبر في جهود التخلص من الفوضى المالية العالمية الراهنة. ويقول تشالونجفوب «مع أزمة القروض عالية المخاطر في السوق الأميركية أعتقد أنه على الدول الدائنة الكبرى القيام بدور نشط في أي إصلاح للهيكل المالي الدولي لأنه إذا تم ترك مهمة إصلاح الهيكل للأشخاص الذي تسببوا في المشكلة فلن يحدث شيئا».
وإلى جانب الدعوة إلى دور أكبر في إصلاح النظام المالي العالمي ، هناك نقاط أخرى من المنتظر أن يركز عليها القادة الآسيويون خلال قمة العشرين وبينها الحاجة إلى منع الاتجاهات الحمائية في التجارة العالمية.
فاقتصاديات آسيا التي تعتمد على التصدير ستكون الأشد تضررا من مثل تلك السياسات الحمائية. وهناك أيضا قضية زيادة الأموال الموجودة لدى صندوق النقد والبنك الدوليين. فقد تعهد رئيس وزراء تايلاند أبهيسيت فيجاجيفا بالضغط من أجل تقليل الشروط التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدوليين لتقديم قروضهما إلى الدول النامية.
سنوات الازمة
وتعود جذور هذه الرسالة إلى سنوات الأزمة المالية الآسيوية عندما فرض صندوق النقد الدولي شروطا صارمة على الدول الآسيوية التي منحها قروضا لإنقاذها وبينهما تايلاند. وكان أبهيسيت رئيسا لوزراء تايلاند خلال الفترة من 1998 إلى 2001 وهي الفترة التي شهدت التعامل مع تداعيات الأزمة المالية بما في ذلك تبني سياسات إنفاق غير مقبولة شعبيا استجابة لمطالب صندوق النقد.
ويقول تشالونجفوب إن الدول الغربية ملأت الدنيا ضجيجا عندما كان صندوق النقد يقدم مساعدات للدول الآسيوية المتضررة من الأزمة المالية أواخر تسعينيات القرن العشرين وتحدثت الدول الغربية عن «الخطر الأخلاقي» في تقديم الأموال لتلك الدول التي لم تلتزم تماما بالشروط المقررة على الدول المقترضة. وأضاف «أما اليوم ، بعد أن أصبحت الدول الغربية في قلب العاصفة المالية ، لم يرد ذكر لعبارة الخطر الأخلاقي تلك».
وعندما تفجرت الأزمة المالية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ ستة أشهر كان الأمل كبيرا في قدرة جنوب شرق وشرق آسيا على إظهار حصانة ضد الأزمة التي أصابت معاقل الرأسمالية في الغرب.
وكانت آسيا عانت من أزمتها المالية الخاصة عامي 1997 و1998 عندما أدت الأنظمة المالية الضعيفة والإفراط في الاقتراض وتضخم العجز في حساب المدفوعات لدول المنطقة إلى انهيار عملاتها المحلية وإفلاس أعداد كبيرة من الشركات وتضخم المديونيات العامة والخاصة وإطلاق عملية كبيرة لتطهير القطاع المالي من الأصول والقروض المسمومة والمعدومة تحت رعاية صندوق النقد الدولي وبضغوط من الغرب.
ويقول تزيانا بونابيس كبير خبراء الاقتصاد في لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية الاقتصادية لمنطقة آسيا والمحيط الهادي «هناك شعور بأن هذه المنطقة تعلمت الدرس».
وأضاف «بفضل إصلاح قطاعها المصرفي وتكوين احتياطات نقدية وزيادة حجم الملاءة المالية والتعامل مع الإفراط في القروض قصيرة الأجل وهيكلة أصولها المسمومة أصبح قطاعها المالي مرنا بشكل عام».
لذلك تمكنت تلك الدول من تفادي الأزمة حتى بدأت صادراتها في التراجع بنسب تراوحت بين 20 و30% خلال يناير الماضي مع ركود الأسواق الرئيسية لهذه الصادرات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويضيف بونابيس «صار الامر بالفعل أزمة تجارية.. وهو أمر مقلق للغاية» فالصادرات هي التي ساعدت دول آسيا على تجاوز أزمتها المالية عامي 1997 و1998.
(الوكالات)
