مع انتشار آلام الأزمة المالية في جسد الاقتصاد الروسي، يعول الكرملين على قوة القطاع الخاص والأثرياء. وخصص الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أحد أحاديثه التي يذيعها التلفزيون أسبوعيا لمناشدة الأثرياء لتوفير الوظائف وقال «إن عليهم أن يلعبوا دورا اجتماعيا». وقال ميدفيدف إن رجال الأعمال في البلاد قد اثروا وتضخمت ثرواتهم بسرعة فائقة وغير مفهومة. وأضاف «لابد عليهم أن يمدوا يد العون الآن».
وقال إذا أصبحت رجل أعمال بالفعل لابد أن تقدر قيمة العمالة التي تستخدمها». ويقول مراقبون إن الكرملين لا يستطيع أن يدعم الأثرياء من رجال الأعمال أكثر مما فعل لكنه من الواضح أنه يتوقع منهم أن يقوموا بدورهم في توفير الوظائف لمن فقدوها. ووصف الرئيس الروسي الوضع بأنه نوع من اختبار قوة التحمل. وقال «لدينا العديد من المشكلات لذلك لا يستطيع أحد أن يهدأ ويجلس بلا حركة» وقال الرئيس إن البطالة بلغت 5, 7% من قوة العمل أو بلغ عدد العاطلين 6 ملايين.
فقدان الوظائف
وكشف استطلاع للرأي أن كل واحد من ثلاثة مواطنين روس يتوقع أن يفقد وظيفته. وتراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 2, 13% في فبراير الماضي مقارنة بنفس الفترة من العام السابق له. وتراجع إنتاج السلع المصنعة بنسبة أكبر بلغت 3, 18%.
وخسر مليارديرات روسيا الذين لم يعودوا كذلك الآن نحو 90 مليار دولار من قيمة ثرواتهم. وخسر بقية المليارديرات الذين بقوا على القائمة، وعددهم 32 مليارديرا مقابل 87 مليارديرا من قبل، نحو 369 مليار دولار. وأدت الأزمة المالية والائتمانية العالمية إلى تجمد القطاع العقاري في روسيا. وكان من أكبر الخاسرين في هذا القطاع كيريل بيساريف وشريكه يوري تشوكوف. فقد خسر كل منهما 90% من ثروته لأن أسهم شركتهما بي آي كيه خسرت كل قيمتها تقريبا.
وعندما أطلقت الشركة التي تبني المنازل الفاخرة طرحا أوليا عاما في 2007 جمعت ملياري دولار تمثل نسبة 15% من كامل أسهم الشركة البالغة 13 مليار دولار. وأدى ارتفاع قيمة أسهم الشركة إلى تغير موقف العقارات الروسية. غير أن حظ الشركة ليس هكذا الآن. وأشار استطلاع أجرته ميرلين الاستشارية إلى أن القطاع العقاري الروسي سوف يظل الأسوأ أداء في السوق الروسية بعد تأثره بالتراجع في مبيعات العقارات والبناء والتشييد.
وقد بدأت المتاعب الاقتصادية التي تعاني منها روسيا التي تعتمد بشكل كبير على النفط عندما بدأ تراجع سعر النفط العالمي. في عام 2008 تراجع مؤشر ميكس للنفط والغاز بنسبة 59%. وتراجع السوق المالي الروسي بنسبة 67% مقارنة بالعام السابق له. وأنخفض سعر الروبل بنسبة 29% مقابل الدولار.
ورغم أن روسيا سجلت معدل نمو اقتصادي 6% في العام الماضي فإن النصف الأخير من العام شهد ترنحاً اقتصادياً كبيراً مع تعمق الأزمة الائتمانية العالمية. وتوقعت وزارة التنموي الاقتصادية والتجارة تراجعا في نمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 2, 2% في العام الجاري فيما توقعت أن يرتفع معدل التضخم إلى 13% في حالة فريدة من تجمع انخفاض النمو وارتفاع التضخم في آن واحد.
وأنفقت الحكومة الروسية بالفعل 250 مليار دولار للحفاظ على قيمة العملة المحلية وتجنب انخفاضها السحيق، من أجل مساعدة الشركات على إعادة تمويل الديون الخارجية ولدعم سوق الأوراق المالية. ورغم ذلك لم تكن تلك الإجراءات كافية لمنع سقوط 55 روسياً من الخروج من دائرة المليارديرات بما فيهم روبين فاردانيان الذي يملك بنك ترويكا ديالوج الاستثماري الذي قيل انه حصل على دعم من بنك سيبر الحكومي.
وثبت أن ارتفاع الديون هو آفة العديد من الأثرياء. وقالت التقارير إن الكسندر ليبديف عانى من تراجع السوق المالية بشدة حيث أصبحت قيمة الأسهم التي يملكها في بنك الاحتياطي الوطني وشركة ايروفلوت الروسية الآن، جزءا يسيرا من قيمتها في العام الماضي. وانخفضت ثروة ليبديف بمقدار 3 مليارات دولار أو أكثر.
وربما يكون أكثر المتأثرين بارتفاع الديون هو ايجور ياكفوليف الذي فقد شركة الدورادو أكبر شركة في أوروبا الشرقية لتجارة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي تنازل عنها للملياردير التششيكي بيتر كيلنر مقابل دين 300 مليون دولار. وكانت قيمة أسهم الشركة 5, 3 مليار دولار في ربيع العام لماضي. وتم حل شركته بانانا ماما التي تبيع لوازم الأطفال في العام الماضي. خسر ياكفوليف نحو 6, 1 مليار دولار.
اسعار العقارات
ومع ذلك توقع سيرجي بولونسكي في أكتوبر الماضي أن أسعار العقارات سوف ترتفع بنسبة 25% خلال عام. لكن مجموعته ميراكس خسرت مليار دولار من قيمة أسهمها في العام الجاري.
وآثار الأزمة المالية تبدو واضحة على الاقتصاد الروسي. فالإنتاج الصناعي مستمر في التدهور والبطالة مستمرة في الارتفاع ومتأخرات الأجور مستمرة في التراكم وقد تكون بعض الشركات الروسية الكبرى على شفير الموت. ومن أمثلة الشركات الروسية التي تعاني بشدة شركة افتوفاز أكبر شركة في البلاد لإنتاج السيارات التي تنتج سيارة «لادا» الشهيرة. تولت مؤسسة التقنيات الروسية المملوكة للحكومة غدارة الشركة.
غير أنه مع استمرار تراجع الطلب على سيارات لادا، أصبحت مشكلة الشركة مستعصية لدرجة أنها تحتاج لإنفاق نصف أصولها ومجوداتها لدفع الديون المستحقة عليها.
والدليل الواضح على تعثر الشركة هو أنها تعاني المرين حتى لشراء قطع السيارات ومكوناتها من طرف ثالث. وتحتاج الشركة، كغيرها من شركات السيارات في الدول الأخرى إلى دعم حكومي لمساعدتها على موافاة السيولة أو دفع الرسوم الجمركية على المكونات المستوردة. ولابد أن يوافق الكرملين على ذلك بعد أن أصاب أعصابه التلف بسبب ارتفاع معدل البطالة واحتمالات المشكلات الاجتماعية المترتبة على ذلك.
وتراكم متأخرات الرواتب، الذي يذكر بما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق في التسعينات، لا يزال يسوء حالا. وتفيد البيانات الرسمية بأن أكثر من نصف مليون العمالة في روسيا تأخرت أجورها منذ فبراري الماضي وهو أعلى رقم من العاملين يعاني تلك المشكلة منذ أكثر من 3 سنوات. ويقول محللون إن تلك الأرقام، القائمة على بيانات من أصحاب الأعمال، هي جزء بسيط من القصة الكاملة.
وأصبح القدر الذي يريده الكرملين من مساعدة رجال الأعمال واضحا في مناظرات رجال الأعمال ذاتهم. حيث إن ألفا بنك الذي يملكه ميخائيل فريدمان يضغط على شركة بيسيك اليمينت القابضة المملوكة لرجل الأعمال اوليج ديريباسكا لتدفع دين عليها قيمته 650 مليون دولار. وتدخل الرئيس في هذا السجال وقال» هذا ليس مقبولا أن يوقف صاحب دين حتى ولو كان قانونيا العمل في مثل تلك الشركة الكبرى.
ويعاني ديريباسكا الذي كان اغني أغنياء روسيا في يوم من الأيام من ديون على شركته روسال للألمونيوم قيمتها 14 مليار دولار. حتى الينا باتورينا اغني أغنياء روسيا من السيدات زوجة يوري لوتشكوف عمدة موسكو تعاني هي الأخرى حيث تقدمت بطلب قوض قيمتها 4, 1 مليار دولار لإنقاذ شركتها انتيكو للبناء.
ترجمة ـ أشرف رفيق
