لم تستطع الأزمة المالية العالمية قطع شهية المستثمرين لمعانقة الدب الروسي العنيد. وجاء كل ذلك بفضل الآمال بإمكانية أن يظل اقتصاد روسيا بمأمن، إلى حد ما، من الترددات الكارثية لزلزال الأزمة.

لكن في الجانب الآخر فقدت الكثير من الفئات حاستها في «الصقيع» الروسي، إلا أن ذلك لم يستمر كثيراً حيث سارع المستثمرين من الجزر العذراء التابعة للتاج البريطاني وقبرص وبيرمود وهولندا وألمانيا ولوكسمبروغ لاستئناف عمليات ضخ ملياراتها في الشهور القليلة الماضية في الشركات الروسية.

ونتناول فيما يلي أبرز الحقائق التي يمكن أن تفيد المستثمرين الراغبين في إيجاد فرص تجارية وصناعية في الأسواق الروسية إذا كنت تمتلك خارطة على الحائط المواجه لمكتبتك العتيدة، فإنك لن تستخف أبدا بكلمة «روسيا». الاتحاد الروسي يعد واحداً من أكبر دول العالم، فإنه يمتد عبر أوروبا وآسيا ويمتلك ثروات هائلة تتمثل في الموارد الطبيعية، التكنولوجيا، العمالة الكبيرة وما يقدر بحوالي 141 مليون مستهلك. واعتمد تحول الاتحاد الروسي نحو اقتصاد السوق على استثمار رأس المال الخاص وتأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة والاندماج السريع في الاقتصاد العالمي.

* بعد استعادة الاقتصاد الروسي لعافيته عقب الأزمة المالية في عام 1998، ازداد الإنفاق الحكومي، وتضاعف الدخل الحقيقي والاستهلاك الشخصي وانخفض التضخم من 84% في 1998 إلى 10% ـ 12 في 2004 ـ 2007. وارتفعت حصة روسيا في الاقتصاد العالمي من 7, 2% إلى 2, 3% بين عامي 2000 و2007.

وقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بمتوسط سنوي بلغ تقريبا 7% بين 1999 و2007 وذلك بسبب أسعار النفط والغاز المرتفعة وكذلك الاستثمار والطلب المحلي القوي.

*ورغم الأزمة، لا تزال التقارير العالمية التي تتخصص بمؤشرات الاستثمارات الأجنبية، تقدم مؤشرات ايجابية للغاية عن الاقتصاد الروسي. فمع حلول الاتحاد الروسي في المرتبة الرابعة ضمن وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر التي يفضلها المستثمرون حسب المسح الإحصائي حول توقعات الاستثمار العالمي الذي نظمه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) للفترة 2007 ـ 2009، التزمت الحكومة الروسية بتطوير وتسهيل وتحسين بيئة الأعمال المحلية في ظل برنامج متوسط المدى للتنمية الاجتماعية والاقتصادية (2000 ـ 2010).

ومع ذلك فإن مهام تحديث روسيا تتطلب استثمارات ضخمة في المعدات والمنشآت الصناعية، نشر التكنولوجيا الجديدة وتحسين الإدارة الاقتصادية عبر كل قطاعات الاقتصاد. ونتيجة لذلك فإن هنالك فرصا هائلة للاستثمار في روسيا. وهذه الفرص طويلة الأمد بطبيعتها حيث تتطلب ليس فقط موارد مالية ضخمة ولكن كذلك التكنولوجيا المتقدمة والخبرة الفنية.

* ولكن، ما هي أهم الفرص المتاحة الآن، وهنا للاستثمار؟ يستمر قطاع النفط والغاز باعتباره هدفا رئيسيا، بينما تتمثل أولوية الاستثمارات في روسيا اليوم في مجالات البنية التحتية، الابتكار والمؤسسات. وتختلف هذه المجالات عن قطاع النفط والغاز في أنها مهيأة للاستثمار والمنافسة فيها بسيطة.

** لكن تأتي رياح الخطط الحكومية، وتحديدا المتعلقة بالبينة التحتية، بما لا يشتهيه المستثمرون فعلا. فقد وجدت محاولة روسيا جذب الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال تحسين بيئتها الاستثمارية نجاحا محدودا. ولم يستفد الاتحاد الروسي من إمكانياته الاستثمارية. فالاتحاد يتمتع بإمكانيات كبيرة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر لكن أدائه في هذا المجال ضعيف بسبب الصعوبات المستمرة في البيئة التشغيلية بالنسبة للشركات الخاصة والمستثمرين.

* ولطالما تحولت كلمة «سهولة» في روسيا إلى «صعب للغاية»، وهذا ما تؤكد عليه يأتي ترتيب الاتحاد في المرتبة رقم 106 حسب مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال. وطبقا لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في 2006 ـ 2007 فإن أكبر ثلاث مشاكل تواجه ممارسة الأعمال في روسيا هي الفساد، وقوانين الضرائب والحصول على تمويل.

*هنالك أيضا ضعف ملحوظ في الحرية النقدية وحرية الاستثمار والحرية المالية وحرية حقوق الملكية. تواجه المستثمرين الأجانب أيضا مشاكل رسمية وغير رسمية وتشمل التباينات البيروقراطية والقيود المباشرة في أكثر مجالات الأعمال ربحية.

* وبما أن السؤال يطرح نفسه، والسؤال اليوم هو الأزمة، فإن الأزمة تطرح التساؤل حول قدرة الاتحاد الروسي على الحفاظ على مسار نموه الحالي، خاصة إن روسيا تتمتع بعلاقات كبيرة مع دول العالم المختلفة وفي أعقاب ظهور الأزمة العالمية فقدت سوق الأسهم فيها أكثر من 50% من قيمتها. وقد انخفضت أسعار السلع التي تعتبر العمود الفقري للنمو المعتمد على التصدير. تعطل النشاط في مجال البناء والتشييد وتجارة التجزئة.

* وعلى الرغم من أن الحكومة تحاول الدفاع عن قيمة العملة الروسية (الروبل)، إلا أنها تظل تحت ضغوط تناقص قيمتها. وتبعا لمجلة «ايكونومست» ارتفعت المتأخرات من الرواتب إلى حوالي الثلث كما زادت حالات عدم دفع الالتزامات المالية بين المصارف والشركات. لهذه المشاكل تأثيرات على الاستهلاك المحلي.

والذي كان خلال الأعوام الماضية المصدر الرئيسي للنمو المحلي في روسيا. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن تستفيد روسيا من الأزمة على المدى المتوسط والطويل حيث انها قد تساعد روسيا على الاندماج في المجتمع العالمي. وقد تشجعها كذلك على وضع قوانين متشددة إزاء نشاط المضاربات الأجنبية.

في نهاية المطاف سوف تستعيد الأسواق عافيتها وتعود أسعار النفط لمستوياتها عند تصحيح الأسواق العالمية لأوضاعها واستعادة الثقة. ومن المؤكد أن ذلك سوف يمكن روسيا من المضي قدما في مسار نموها على المدى الطويل. ومع ذلك قد تشجع الأزمة الاتحاد الروسي على تنوع اقتصاده وعدم الاعتماد على النفط من خلال الاعتماد على موارد أخرى تتمتع بنمو اقتصادي مستديم على المدى الطويل.

* مهلا، هناك بعض الأخبار الجيدة في ذلك للمستثمرين الذين بإمكانهم الاستفادة أيضا، حيث يستطيع أولئك الذين لديهم موارد مالية ضخمة ويبحثون عن فرص استثمارية طويلة الأمد أن يستفيدوا من أسعار الأسهم المنخفضة للغاية في السوق الروسية. وقد نشاهد أيضا حركة سريعة في اتجاه تحسين بيئة الأعمال في الاتحاد الروسي.

دبي ـ «البيان»