عرضت الولايات المتحدة تمويل مستثمرين من القطاع الخاص للمساعدة في تطهير البنوك من أصول تنطوي على مخاطر تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار تعوق الإقراض وتعمق الكساد الأميركي.
وسيوضع المال الحكومي الى جانب رؤوس الاموال الخاصة ثم يرفع الى 500 مليار دولار أو ربما ضعف هذا المبلغ بمساعدة مؤسسة التأمين على الودائع الاتحادية ومجلس الاحتياطي الاتحادي. وقال وزير الخزانة الأميركي رداً على المدافعين عن بنية محض حكومية مثل حائز نوبل للاقتصاد بول كروغمان، إن خطته تسمح بتقاسم المجازفة مع القطاع الخاص وتجنب دفع مبالغ كبيرة لقاء أصول متعثرة.
وارتفعت الأسواق بعد هذه الأنباء على عكس رد الفعل المحبط الشهر الماضي لإعلان الخطوط العريضة للمشاركة بين القطاعين العام والخاص التي اقترحها وزير الخزانة تيموثي جايتنر.
لكن السؤال ظل قائما بشأن كيفية تقييم الأصول التي تنطوي على المخاطر مما يصعب مهمة جايتنر في إقناع المستثمرين بان لديه خطة مجدية لاعادة تدفق الائتمان. وقال مامورو يامازاكي كبير الاقتصاديين في ار.بي.اس للاوراق المالية في طوكيو «إذا نجحت السلطات الأميركية بالفعل في شراء ما تصل قيمته إلى تريليون دولار من الاصول الخطرة ستعتبر هذه خطوة كبيرة». وقال مسؤول من ادارة الرئيس باراك أوباما انه في بادئ الامر ستقدم الخزانة ما بين 75 ومئة مليار دولار لبدء الشراكة وتأخذ المال من صندوق انقاذ مالي بقيمة 700 مليار دولار أقره الكونغرس في أكتوبر.
وكتب جايتنر في صحيفة وول ستريت جورنال يقول انه كان من الضروري القيام بعمل لتطهير القطاع المصرفي واستعادة القدرة على الاقراض. وبموجب البرنامج الذي وضعه غايتنر ستقدم الحكومة النصيب الاكبر من التمويل لشراء الاصول الخطرة لتشجيع المستثمرين من القطاع الخاص على المشاركة في ذلك.
قلق المستثمرين
ويشعر العديد من المستثمرين بالقلق من غضب المشرعين الذين يسعون الى خفض مكافات المسؤوليين التنفيذيين في الشركات التي تلقت مساعدات حكومية. وقال شون كالو محلل اسواق الصرف في ويستباك في سيدني «المستثمرون سيشعرون بقلق كبير من توجيه اموال في الوقت الذي ينتقد فيه الكونجرس وول ستريت بسبب المكافآت».
وتعتمد هذه الخطة على شراكة بين السلطات العامة وصناديق الاستثمار عرضت خطوطها العريضة الشهر الماضي لكن طريقة عملها بقيت غامضة ومعقدة جدا. وقال غايتنر ان هذا المبلغ يشكل «جزءا كبيرا من الاصول المرتبطة بقطاع العقارات والتي نشأت قبل الانكماش وتخنق نظامنا المالي حاليا»، وليس كل هذه الاصول. وستحصل صناديق الاستثمار التي تشتري هذه الأصول في اطار البرنامج الذي يقترحه غايتنر، على مساعدة حكومية بشكل رأسمال تقدمه وزارة الخزانة، وبشكل قروض من الاحتياطي الفدرالي وصندوق ضمان الودائع المصرفية، مما يمكن ان يغري عددا كافيا من المستثمرين للقيام بالمحاولة.
واوضح غايتنر انه سيتأكد من ان مستثمري القطاع الخاص المساهمين في البرنامج «يتحملون المخاطر نفسها التي يواجهها دافعو الضرائب» وان يستفيد هؤلاء المستثمرون عندما تباع هذه الاصول. واضاف ان وول ستريت ليست الجهة الوحيدة المخولة المشاركة مؤكدا ان «كل انواع المستثمرين» مرحب بهم بما في ذلك صناديق التقاعد. وأخيرا، قال انه لتجنب ان تدفع الحكومة ثمنا باهظا جدا للاصول المتعثرة، سيترك للقطاع الخاص تحديد قيمتها.
تردد في المشاركة
وقال محللون ان اوساط الاعمال يمكن ان تتردد في المشاركة في هذه الخطة بينما ما زالت تحت صدمة تصويت الكونغرس على قرار يهدف الى الغاء مكافآت فعليا وبمفعول رجعي، دفعت في شركات تم منحها اموالا عامة.
الا ان غايتنر اشاد بتأثير الخطة على المصارف، اذ ان الشكوك المتعلقة بحجم الخسائر التي تدرجها في نتائجها سترفع، ويمكنها زيادة رأسمالها وهذا سيسمح لها بالتخلص من وصاية الحكومة التي رافقت ضخ مليارات الدولارات من قبل وزارة الخزانة في رأسمالها.
وأكد وزير الخزانة الذي بدأ معالجة الازمة المالية باطلاق خطة لانعاش قروض الاستهلاك واخرى لمساعدة مالكي العقارات، انه لا ينوي الاكتفاء بذلك وان اصلاحا تنظيميا سيجري. وكتب ان «بلدنا يستحق اكثر من بديل لقبول الخسائر الكارثية التي تنجم عن افلاس مؤسسات مثل ليمان براذرز او ان نضطر لدفع مليارات الدولارات من اموال مساهمين في مؤسسة مثل مجموعة التأمين ايه آي جي».
وانتقد السيناتور الجمهوري والخبير الاقتصادي جود جريج الموازنة الأمريكية للعام المالي 2010 التي يسعى الرئيس أوباما للحصول على موافقة الكونجرس عليها واصفا إياها بأنها «تكاد تكون معدومة الضمير». وقال جريج الذي رفض تولي وزارة التجارة في إدارة أوباما إن سياسة الإنفاق التي يتبناها أوباما «تدفع بالولايات المتحدة تجاه الإفلاس» خلال السنوات المقبلة.
وشبه الخبير الأميركي أوباما في سياسته بالطيار الذي تبين له أجهزة طائرته أن الوقود المتبقي لا يكفي إلا لربع ساعة فقط ورغم ذلك فهو يقول للركاب: لا تقلقوا سنطير لساعتين. ورأى جريج أن الواقع يقول إن طائرة مثل هذه ستسقط وكذلك بلادنا في طريقها للانهيار وسنسلم بلدا لأطفالنا لا يستطيعون دفع تكلفة استمرارها.
وتوقع السناتور الجمهوري أن تؤدي سياسة الإنفاق التي يعتمدها أوباما إلى «إفلاس الولايات المتحدة» مضيفا: لن يكون هناك طريق آخر غير ذلك، لن يقبل أي إنسان التزامات أمريكية بتسديد الديون، وسيفقد الدولار قيمته.
غير أن جريج أثنى في الوقت نفسه على مساعي الحكومة الجديدة لمساعدة قطاع المال المتعثر من خلال ضخ الكثير من الأموال في هذا القطاع للمساعدة على استقرار سوق المال لتجاوز الأزمة المالية الحالية وقال إن الإدارة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي «سلكا الطريق الصحيح» فيما يتعلق بهذه القضية.
وتبذل الإدارة الأميركية جهودا حثيثة للحصول على موافقة الكونجرس على موازنة عام 2010 بحجم 55,3 تريليونات دولار والتي ستتسبب في عجز بمقدار 4,1 تريليون دولار حسب تقديرات مكتب الموازنة التابع للكونجرس مما يعني أن الولايات المتحدة ستضطر للاستدانة بشكل غير مسبوق حتى الآن حيث سيصل حجم ديونها في حالة اعتماد هذه الميزانية إلى 13% من إجمالي الناتج القومي الأميركي.
صورة قاتمة
ورسم صندوق النقد الدولي صورة قاتمة على أوضاع الاقتصاد العالمي. وقال دومينيك ستراوس كان العضو المنتدب في الصندوق ان العالم يمر بازمة اقتصادية حرجة مضيفا ان الانتعاش لن يكون ممكنا حتى يتم تطهير القطاع المالي. وأضاف ان الازمة ستهوي بالملايين في براثن الفقر والبطالة وتثير مخاطر قلاقل اجتماعية بل ونشوب حروب وان من الضروري التحرك بشكل عاجل. وقال في اجتماع عقدته منظمة العمل الدولية بشأن الازمة «بصراحة الوضع خطير».
وتدرس المنظمة التابعة للامم المتحدة التي تمثل نقابات العمال وارباب العمل والحكومات القضايا العمالية. وتأتي تصريحات ستراوس كان قبل أقل من اسبوعين من قمة مجموعة العشرين التي تعقد في الثاني من ابريل لمناقشة الازمة. وتابع «الملايين سيهوون مرة اخرى في براثن الفقر والمعاناة مع امتداد الازمة للدول النامية».
وتابع «سيؤثر كل ذلك على البطالة بشكل كبير بل ويتجاوز التأثير البطالة في الكثير من الدول ليكون سببا لقلاقل اجتماعية وبعض التهديد للديمقراطية وربما تنتهي في بعض الحالات ايضا بنشوب حرب». واكد ستراوس كان ان البنك سيعدل خلال فترة قصيرة توقعاته الاقتصادية لتبين انكماش الاقتصاد العالمي بما بين 5ر0 وواحد في المئة هذا العام بعد اكثر من 50 عاما من النمو المتواصل.
وأضاف ان اقتصاديات الدول المتقدمة ستنكمش بمعدل قياسي فيما بعد الحرب العالمية يصل الى نحو ثلاثة بالمئة. غير ان البنك ما زال يعتقد ان الانتعاش ممكن في 2010 شريطة انتهاج سياسات تتسم بالجرأة.
وقال ان هذا ينطوي اولا على تعزيز الطلب لان سياسات رفع أسعار الفائدة وصلت اقصى مدى ممكن حتى في ظل الأدوات غير التقليدية التي تلجأ اليها البنوك المركزية. وتابع ان هذا هو السبب الذي دفع البنك لمطالبة الحكومات حول العالم بضخ اموال في الاقتصاد بما يوازي اثنين بالمئة من اجمالي الناتج المحلي. وأشار إلى أن هذا لا يعني انه ينبغي على جميع البلاد انتهاج سياسة التحفيز المالي لان البعض في وضع مالي ضعيف جدا لا يسمح بزيادة الإنفاق.
(وكالات)
