عندما سادت أوقات الرخاء في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس كان بؤساء المدينة يعيشون على الكفاف الذي يجدون صعوبة في تدبيره. ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية التي أصابت العاصمة الأرجنتينية طالت أفقر الفقراء في المدينة بشكل خطير.

ويعتبر الشاب الأرجنتيني كارلوس البالغ من العمر 23 عاما مثالا واضحا على تأثير الأزمة المالية والاقتصادية على الفقراء الذين اعتادوا أن يتجولوا في بوينس أيرس باحثين عن أشياء ألقاها غيرهم في القمامة ولكنه بحاجة إليها. ولكن أسعار الورق المستعمل تدنت كثيرا في ظل الأزمة الاقتصادية، وكذلك أسعار أشياء أخرى كانت ذات قيمة في الماضي مما زاد من صعوبة البحث عن الخبز اليومي بالنسبة لكارلوس وأمثاله الذين كانوا يعتمدون على جمع الورق المقوى «الكرتون » القديم وبيعه.

ووقف كارلوس كالحصان أمام عربة الكارو التي علاها الصدأ من كل جانب و التي يضطر هو لجرها وليس الحصان، وخلفه كومة مرتفعة من أكياس الورق والورق المقوى تمر به السيارات مسرعة وبشكل شبه ملاصق له مما جعل عوادمها تصل مباشرة لأنفه ولا يكاد أحد يأبه لهذا الجسم النحيل. وانطلق كارلوس يجر عربة الكارو الثقيلة المحملة بالورق متجولا في شوارع المدينة و مرتديا حذاء رياضيا مهلهلا ولكن خطواته تنم عن حيويته. واعتاد كارلوس على التنقيب اليومي في القمامة في وسط العاصمة الأرجنتينية التي يسكنها ملايين البشر بحثا عن بقايا الورق المستعمل أو البلاستيك أو الزجاج ليحول قمامة الأغنياء إلى مال.

وأدى انهيار الاقتصاد الأرجنتيني عام 2001 إلى ازدهار حرفة جمع البقايا النافعة من القمامة في بوينس ايرس . فكان باستطاعة من يجد نفسه فجأة بلا عمل أو مال أن يحصل على عمل ومال جديدين من خلال قمامة مواطنيه، وإن كانت هذه الحرفة مصدرا غير مستقر للعيش. ولكن ومع طوفان الأزمة الاقتصادية العالمية فقد تراجعت أسعار المواد الخام بشكل حاد منذ نهاية العام الماضي.

وأصبح ما يرى الكثير من سكان المدينة أنه لا يعدو كونه أزمة إضافية إلى جانب الأزمات الكثيرة السابقة مصدر تهديد لأرزاق الذين يجدون أصلا صعوبة في تدبير قوت يومهم.

ويقول كارلوس:أحصل على 15 سينتافوس (أقل من ثلاثة سنتات من اليورو) مقابل كل كيلوجرام من الورق القديم. وأشار كارلوس إلى أن مستودعات الورق القديم كانت تدفع له ثلاثة أضعاف هذا السعر قبل عدة أشهر من اندلاع الأزمة وأن سعر ورق الصحف انخفض بنحو 90% مما يجعله لا يستطيع الاعتماد على هذا العمل وحده للبقاء على قيد الحياة. ويعتمد كارلوس كغيره من جامعي الورق القديم على بيع الأثاث المستعمل والملابس أو الأجهزة الالكترونية القديمة التي يلقي بها السكان من طوابق مرتفعة دون اكتراث.

ويجد كارلوس ضالته المنشودة في قمامة المحال التجارية والورش التي تتخلص من كميات كبيرة من الاوراق ولا يعرف سكان العاصمة الأرجنتينية الفصل بين القمامة وتقسيمها حسب أنواعها كما يفعل الشعب الألماني على سبيل المثال.

ومن غير المستبعد أن يفاجأ كارلوس بحفاظات أطفال مستعملة في أحد أكياس القمامة الملقاة في مكان يعتقد أن به أجهزة كهربية مستعملة مما جعل كارلوس يحذر من أكياس القمامة ولا يقترب منها «إلا في حالة الحاجة الشديدة».

وتخصص كارلوس في جمع القمامة من حي«باريو ونس» القريب من محطة القطارات الرئيسية بالمدينة حيث ترمي الأكشاك والمحلات بقمامتها أمام أبوابها وذلك بعد فرزها وفصلها عن بعضها البعض حسب نوعها سواء كانت أوراقا أو بقايا أقمشة أو بقايا أطعمة وغيرها من المخلفات.

وباستطاعة كارلوس الحصول على كميات لا بأس بها من الأوراق إذا أسرع إلى هذه المحلات قبل غيره من منافسيه وقبل أن تخف وطأة الحرارة المرتفعة المصاحبة للرطوبة الشديدة. وهناك أيام يجمع فيها الشاب النحيل نحو 200 كيلوجرام من الورق والكرتون القديم. ويتراوح الدخل الشهري لكارلوس وأمثاله بين 45 و 100 يورو.

وهناك تصنيف يعتبر أي أسرة من أربعة أفراد تحصل على أقل من 220 يورو شهريا فقيرة. ويقابل الانخفاض المستمر في الأسعار العالمية للمواد الخام ارتفاعا في تكاليف الحياة مما يؤدي إلى تضخم سنوي لا يقل عن 20%.

وهناك احتفاء واسع من قبل حكومة مدينة بوينس أيرس بقيادة عمدتها ماوريسيو ماسري بالقرار الذي اتخذته الحكومة في سبتمبر الماضي لإنقاذ الاقتصاد في مواجهة الأزمة والذي عينت المدينة بمقتضاه جامعي الورق والكرتون بأجر شهري أساسي 200 بيزو بالإضافة إلى توفير ملابس العمل والتأمين الاجتماعي لهم وذلك مقابل إنهاء عمل الأطفال والقضاء على القمامة المبعثرة على قارعة الطرق.

وذكرت صحيفة «لا ناسيون» أن المدينة عينت بالفعل نحو 900 من هؤلاء وتوقعت أن يرتفع هذا العدد مع نهاية العام الجاري إلى 2500 شخص. ويرى وزير البيئة في بوينس ايرس خوان بابلو بيكاردو أن هذا الراتب الأساسي يعوض الانخفاض الحاد في أسعار المواد الخام التي تعتمد هذه الشريحة من المجتمع على بيعها بعد جمعها من القمامة.

ويأتي هذا التصريح لبيكاردو بعد سنوات قليلة من تصريح ماسري عمدة المدينة قال فيه إن جامعي النفايات «لصوص قمامة» يجب سجنهم. وسواء كان هؤلاء البؤساء لازالوا يتذكرون هذه الكلمات أم لا فإن معظمهم يشكك في جدوى التعاون مع الحكومة، وهذا هو أيضا رأي كارلوس الذي يقول:ليس منا من يثق بالحكومة.

(د ب أ)