اجمع خبراء ماليون على أن غالبية الشركات المحلية خاصة الصغيرة والمتوسطة لا تعطي أهمية لموضوع إدارة المخاطر الأمر الذي يشير إلى وجود خلل في إداراتها، ونظم عملها مما يساهم في تكبدها خسائر كبيرة في غالبية استثماراتها وهو ما ينعكس سلبا على أصولها وحقوق المساهمين بها.

وطالبوا الشركات بضرورة توخي الحيطة والحذر في الوقت الراهن بشأن استثماراتها والقيام بتأسيس إدارات متخصصة في إدارة المخاطر مع الأخذ بتوصياتها عند وضع خطط عملها خلال المرحلة المقبلة وأكدوا أن تأسيس صناديق استثمار متنوعة سيساهم في حماية المستثمرين وعلى وجه الخصوص شريحة صغار المستثمرين في أسواق الأسهم من مخاطر الاستثمار المباشر، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن من شأن إيجاد صناع للسوق سيساهم في تخفيض مستوى المخاطر في الأسواق بشكل عام .وقالوا إن هناك جملة من القواعد التي يجب اتباعها عند الاستثمار في سوق الأسهم للتقليل من المخاطر وفي مقدمتها الابتعاد عن المضاربات العشوائية بجميع رؤوس المال، وتخصيص نسبة ليست عالية للمضاربة، مع ضرورة توزيع الاستثمارات على فترات طويلة ومتوسطة وقصيرة لتجنب الخسائر الكبيرة الناجمة عن موجات التصحيح.

اخطاء عدة

واكدوا حدوث العديد من الأخطاء في كثير من الاستثمارات نتيجة تجاهل أهمية مخاطر الاستثمار، مشيرين بهذا الخصوص إلى المشاكل الناتجة عن استراتيجيات التمويل المرتفع في الاستثمارات على اختلاف أنواعها وخاصة عمليات التمويل على المكشوف في قطاع الأسهم والتي تتم بدون دارسة المخاطر المحتملة الناجمة عن التقلبات السعرية وعدم الكفاءة المالية للعميل ومدى قدرته على سداد الدين في حالة الخسارة.

وطبقا لراي حمود الياسي المدير العام لمركز الإمارات الدولي للأسهم والسندات فانه من الملاحظ أن موضوع إدارة مخاطر الاستثمار لا يعطي الأهمية الكافية خاصة من قبل الشركات المتوسطة والصغيرة مثل شركات التأمين والاستثمار الأمر الذي ينعكس سلبا على أدائها بشكل عام ويكبدها خسائر كان بالإمكان تجنب جزء كبير منها في حال تم اتباع إدارة حصيفة للمخاطر.

مشيرا إلى أن إدارة الاستثمارات تبنى في العادة وفقا لقواعد وأسس تأخذ بالاعتبار كافة الاحتمالات حتى في الظروف الطبيعة التي تقل فيها نسبة المخاطرة في مختلف القطاعات الاقتصادية. وأشار إلى أن مجالس إدارات الشركات في الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الجهة التي تتولى في اغلب الأحيان اتخاذ القرار الاستثماري دون ان يكون ذلك مستندا بالضرورة إلى أسس علمية أو دراسات صادرة عن الدائرة المختصة مما يزيد من نسبة المخاطرة ويعرض أصول الشركات للضياع.

وقال انه وعلى سبيل المثال فان الصناديق الاستثمارية التي تعمل في الأسواق المالية لديها دوائر متخصصة بالمخاطر لذا فان قراراتها تتم بعد دراسات مستفيضة، على أن الخسائر التي لحق ببعضها مؤخرا كانت نتيجة ظروف غير طبيعية ومفاجأة بسبب الأزمة المالية التي تتعرض لها جميع اقتصاديات دول العالم.

وبشأن الإجراءات المطلوب اتخاذها لإعطاء أهمية اكبر للفرق المتخصصة بإدارة المخاطر في الشركات قال الياسي انه من الصعب تحديد إجراءات بعينها وإنما يبقى الأمر رهنا بمجالس إدارات الشركات نفسها ومدى وعيها بأهمية اخذ موضوع مخاطر الاستثمار بعين الاعتبار في خططها، على أن المدقق الداخلي أو الخارجي تقع عليهم مسؤولية في التقليل من مخاطر الاستثمار على الشركات التي يعملون بها وهو دور مفعل في الشركات الكبيرة من وجهة نظري.

من جانبه يؤكد جسام العامري الرئيس التنفيذي لشركة البروج للأسهم والسندات أهمية إدارة مخاطر الاستثمار في تعزيز ثقة المساهمين في إدارات الشركات التي تولي أهمية خاصة لتوصيات الفرق المتخصصة لديها بالمخاطر .

حيث يلاحظ أن هذه الشركات عادة ما تكون بمنأى عن تكبد خسائر بنفس النسبة التي تلحق بغيرها ممن تفتقر لوجود مثل هذه السياسات في خطط عملها الاستثمارية، قائلا صحيح انه لا يوجد استثمار بدون مخاطر، إلا أن الواجب يقضي بان يكون الجميع سواء شركات أو مستثمرين على دراية بمخاطر الاستثمار ومعرفة أسبابها وإدارة هذه المخاطر ومحاولة التقليل منها قدر الإمكان وليس الهروب منها لأنه لا يمكن إلغاؤها.

وأوضح انه ومن خلال تجربتي فان غالبية المستثمرين في الأسواق المالية لا يكترثون بالمخاطر التي قد تواجههم عندما تكون أسواق الأوراق المالية في حالة الصعود فيما يكون جل تفكيرهم منحصرا في نسبة العائد الذي سيحصلون عليه، وهو الأمر الذي دونما شك يلحق خسائر كبيرة بهم نظرا لعدم اهتمامهم بالجزء الرئيسي في عملية الاستثمار والمتمثل بالمخاطر التي تحيط باستثماراتهم.

وقال إن من الدروس التي يجب أن يتعلمها المضاربون أن أسواق الأسهم ليست أسواقا للمراهنات وتحقيق مكاسب دون وجود مخاطر، بل إن هذا النوع من الاستثمار يحمل في طياته مخاطر بنسب عالية خاصة إذا كان على المدى القصير فيما تقل نسبة المخاطرة كلما طالت فترة الاستثمار.

صغار المستثمرين

ومن اجل حماية صغار المستثمرين في أسواق الأسهم طالب العامري بضرورة تأسيس صناديق استثمار متنوعة تحمي هذه الشريحة من المستثمرين من مخاطر الاستثمار المباشر، مؤكدا في الوقت ذاته على أن من شان إيجاد صناع للسوق ان يساهم في تخفيض مستوى المخاطر في الأسواق بشكل عام .

وطبقا للعامري فان واقع الحال يشير إلى أن غالبية الشركات المحلية لا تولي أهمية لموضوع إدارة المخاطر في خططها الاستراتيجية مما يدفعها إلى تكبد خسائر كبيرة، مشيرا إلى أن تنويع الاستثمارات يعد احد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها التقليل من مخاطر الاستثمار.

ومن وجهة نظر ياسر الجندي الخبير المالي بالشركة الوطنية للوساطة فقد مرت على أسواق الأسهم الإماراتية خلال العام الماضي تقلبات كبيرة لعل أهمها المخاطر الاستثمارية المحيطة بأداء الشركات وسلوك المستثمرين المتغير بين الاستثمار والمضاربات.

مؤكدا ان الظروف المحيطة بالسوق من نسبة التذبذب العالية وارتفاع معدلات التقييم تجعل من إدارة المخاطر أمرا أساسيا في إدارة المحافظ الاستثمارية.

وقال إنني لا أدعو هنا إلى ترك الاستثمار في الشركات الصغيرة فكثير منها يمر بمراحل تصحيح في أدائها العام ويتوقع أن تحقق نتائج إيجابية لكنني أرى أن هناك جملة من القواعد التي يجب اتباعها عند الاستثمار في سوق الأسهم للتقليل من المخاطر عند سعي المستثمرين إلى تعظيم العائد، منها أولا الابتعاد عن المضاربات العشوائية بكامل رأس المال.

و تخصيص نسبة ليست عالية للمضاربة، مع ضرورة توزيع الاستثمارات على فترات طويلة ومتوسطة وقصيرة لتجنب الخسائر الكبيرة الناجمة عن موجات التصحيح، واعتماد سياسة نشطة في إدارة المحافظ الاستثمارية حسب متغيرات السوق وتقييم الشركات مع اللجوء إلى سياسات دفاعية من خلال تخفيض نسبة الاستثمار في الأسهم أو الاستثمار في أسهم ذات تذبذب منخفض في حالة الخوف من السوق.

وأوضح ان مخاطر الاستثمار والعائد عليه وجهان لعملة واحدة مما يعني انه كلما كان التوقع بالحصول على عائد أعلى لابد أن تكون نسبة المخاطر عالية لذا ليس كافيا النظر إلى عائد محتمل على استثماراتنا بينما نتجاهل المخاطر الاستثمارية المحتملة. لأنه في هذه الحالة قد نعرض هذه الاستثمارات إلى مخاطر ضياعها، مشيرا إلى انه ومن هنا لابد من وجود فريق لإدارة المخاطر يحاول دائماً إن يتأكد أن هذه المخاطر محدودة أو على الأقل ضمن مستويات مقبولة مع التركيز على تنويع الاستثمارات .

إدارة المخاطر

وقال إن وجود إدارة المخاطر في الشركات تمثل نظاما متكاملا وشاملا من شأنه تهيئة البيئة المناسبة والأدوات اللازمة لتوقع ودراسة المخاطر المحتملة وتحديدها وقياسها وتحديد مقدار آثارها المحتملة على أعمال الشركة وأصولها وإيراداتها ووضع الخطط المناسبة لما يلزم ولما يمكن القيام به لتجنب هذه المخاطر أو لكبحها والسيطرة عليها وضبطها للتخفيف من آثارها إن لم يمكن القضاء على مصادرها.

وأكد أن الوقت الراهن يتطلب مزيداً من التخطيط لإدارة المخاطر في ظل ما حدث من أخطاء في الاستثمار نتيجة تجاهل أهمية أخذ موضوع مخاطر الاستثمار بعين الاعتبار، لافتا النظر إلى المشاكل الناتجة عن استراتيجيات التمويل المرتفع في الاستثمارات على اختلاف أنواعها وخاصة عمليات التمويل على المكشوف في قطاع مثل قطاع الأسهم بدون دارسة المخاطر المحتملة الناجمة عن التقلبات السعرية وعدم الكفاءة المالية للعميل ومدى قدرته على سدد الدين في حالة الخسارة .

وقال لقد جرت العادة أن يقوم الأفراد والشركات بالاقتراض للاستثمار في الأسهم والعقارات دون دراسة المخاطر المحتملة خاصة في ظل توفر بيئة التمويل السهل والعوائد العالية التي كانت موجودة، فالمستثمرون كانوا يسعون وراء المنتجات الاستثمارية المختلفة دون إعطاء أهمية لمدى قدرتهم على المحافظة على استثماراتهم أو الوفاء بديونهم في حال التعثر .

مشيرا إلى أن مؤسسات التمويل من بنوك وشركات منحت من جانبها تسهيلات ومنتجات مالية مختلفة دون دراسة قدرة المقترضين على السداد، وعندما حدثت الأزمة وانفجرت فقاعة الاستثمارات الوهمية أو ما تسمى مشتقات الاستثمارات والخيارات الورقية تحملت هذه المؤسسات عبء ديون الغير وعندها لجأت إلى موضوع إدارة المخاطر المحتملة من خلال إعدام ديون وما شابه ذلك من حلول لتخفيف الأزمة عليها .

كما أصبح المقترضون كذلك يبحثون عن حلول لتلافي مشكلات تسديد الديون من بيع أصول ومحاولة جدولة بعضها، ولو أن المؤسسات التمويلية والمقترضين انتبهوا لحساب المخاطر الاستثمارية من البداية ما تعرضوا لمثل هذه المشاكل.

وشدد الجندي على ان إدارة المخاطر تهتم بكل عناصر العمل والنشاط، وبمستويات مختلفة متوازية أحيانا ومتقاطعة أحيانا أخرى لاكتشاف أي خطر وتلمسه منذ بدايات حدوثه، وبالتالي تقوم معالجته بفعالية بمشاركة جميع الجهات المعنية في الشركات.

وأكد أن الشركات المحلية لم يكن لديها دائماً فريق لتقييم وإدارة المخاطر في ظل تركيز جل جهودها على جانب واحد في استثماراتها وهو تحقيق العائد بصرف النظر عن المخاطرة وذلك برغم العلاقة الطردية بينهما وعندما تحدث المخاطرة يكثر الحديث عن أهمية وجود الفريق المتخصص بالموضوع.

وبشأن الأسباب التي ساهمت في انخفاض مخاطر الاستثمار في المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية إسلامية قال الجندي إن القطاع الاستثماري الإسلامي يعد أكثر أمناً وأقل مخاطرة، حيث يهدف إلى توفير الاستقرار فيما يتعلق بعوائد الاستثمارات مع حساب المخاطر الناتجة عن هذه الاستثمارات. وبذلك يتجنب هذا النوع من الاستثمارات كثيراً من المخاطر وإن كان لا يستطيع الهروب منها تماما.

*************************************

تعزيز الثقة من خلال إدارة المخاطر

تعتبر دائرة مخاطر الاستثمار من أهم الإدارات في الشركات، وذلك نظراً لكونها المرآة العاكسة التي يتمكن بموجبها صانعو القرار في هذه الشركات من أداء واجبهم على أكمل وجه لتحقيق الأهداف المتمثلة في حماية الاصول والحفاظ على مصالح المساهمين والمستثمرين، وذلك من خلال إحكام الرقابة على المخاطر في الأنشطة أو الأعمال التي ترتبط بها اصول الشركات التي يديرونها كالقروض

و السندات و التسهيلات الائتمانية وغيرها من أدوات الاستثمار.

ومن المؤكد ان تجاهل بعض الشركات لوجود دائرة خاصة بمخاطر الاستثمار ليس في مصلحتها ولايتفق مع اسس الادارة الحديثة وانظمة الحوكمة التي بات ترسيخ مفاهيمها يشكل اولوية في اجندة الدولة نظرا لما تتضمنه من أهداف للارتقاء بمستوى الشفافية والافصاح في عمل مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.

ولعل الازمة المالية والاقتصادية التي يمر بها العالم حاليا وما نجم عنها من الخسائر التي لحقت بالعديد من الشركات العالمية يعد فرصة سانحة لكي تعيد مجالس إدارات الشركات اسس عملها بالشكل الذي يساهم في التقليل من نسبة المخاطر التي تحيط باستثماراتها.

ولم يعد من المقبول استمرار احتكار بعض مجالس ادارات الشركات لصنع القرار الاستثماري دون الاستناد الى التوصيات والدراسات التي تقوم باعدادها الفرق المتخصصة بمخاطر الاستثمار، على ان استمرار الوضع على ما هو عليه الان يحمل في طياته مخاطر كبيرة وربما اقلها فقدان ثقة المساهمين.

ناصر عارف

Nasser_arefa@yahoo.com