أكد كل من فيرا جيرابكوفا، السفيرة التشيكية في أبوظبي، وجيرى راك، المستشار التجاري في السفارة، على عمق متانة العلاقات التجارية بين الإمارات وجمهورية التشيك. وأكدت جيرابكوفا في حوار مع «البيان الاقتصادي» على ثقتها في متانة الاقتصاد الإماراتي وقدرة البلدين على تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة.
كما أكدت على دعم التشيك، والتي ترأس الإتحاد الأوروبي في الدورة الحالية، للتوصل إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الإتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، ونادت جيرابكوفا بضرورة إجراء تحقيق دولي لتحديد المتسببين في نشوب الأزمة، التي عصفت باقتصادات العالم، قائلة: لقد وثقنا في البنوك والمؤسسات المصرفية الكبرى ونستحق أن تقدم لنا إجابات عن تساؤلاتنا. وقال جيري راك إن العام 2008 كان بمثابة عام آخر من النجاح في رحلة العلاقات التجارية بين جمهورية التشيك والإمارات، وأضاف: الإمارات لا زالت تعتبر ثاني أكبر شركائنا التجاريين غير الأوروبيين بعد الصين، كما أن الإمارات أكبر الشركاء التجاريين للجمهورية التشيكية في المنطقة العربية، متجاوزة بذلك دول كبرى في المنطقة كالسعودية ومصر، كما تفوقت التشيك في شراكتها التجارية مع الإمارات على تلك التي ترتبط بها مع دول ذات اقتصادات كبيرة مثل الهند واليابان.
وتابع راك قائلاً: سجلت صادرات التشيك للإمارات العام الماضي ما قيمته 363. 635 مليون دولار مقارنة بعام 2007. حيث بلغت صادرات ذلك العام 298. 543 مليون دولار، أي بزيادة بنسبة 12% في حجم الصادرات، وتتمثل تلك الصادرات في زجاج الكريستال، المجوهرات واللؤلؤ والأحجار الثمينة وأجهزة معالجة البيانات الآلية والآلات وغيرها. أما بالنسبة للواردات التشيكية من الإمارات فقد سجلت في عام 2008 ما قيمته 479. 42 مليون دولار مقارنة بعام 2007 حيث كانت قد سجلت 973. 27 مليون دولار، وأهم تلك الواردات الألمونيوم، والذي يذهب من شركة دوبال إلي قطاع التصنيع في التشيك وخاصة تصنيع السيارات والطائرات، إضافة إلي المعدات والآلات الميكانيكية، مواد النسيج ومنتجات الصناعات الكيماوية وغيرها.
وأضاف: نرى من تلك الأرقام أن التبادل التجاري بين البلدين في تزايد مستمر وينمو بشكل إيجابي بالرغم من أننا شهدنا تباطؤاً بسيطا في إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر الثلاثة الماضية بفعل الأزمة المالية العالمية. حيث تشعر الشركات التشيكية العاملة في الإمارات بأن الطلب في تناقص بسيط، وبالمناسبة هناك 16 شركة تشيكية لها تمثيل في الإمارات أكبرها (بريسيوسا جلف) .وتصنع منتجات الزجاج وثريات الكريستال للمساجد والفنادق وكذلك الزينة الزجاجية، والتي تستخدم في خياطة العباءات والتحف الزجاجية، ومصنع الشركة موجود في جبل على، إلي جانب الشركات التشيكية الأخرى والتي تختلف أعمالها ومنتجاتها. وبشكل عام نحن مرتاحون جدا في العلاقات التجارية مع الإمارات.
التصدير التشيكي والأزمة
وعن تأثر قطاع التصدير في التشيك بالأزمة الراهنة، خاصة وأن قطاع التصدير يحتل مكانة مهمة جدا في الاقتصاد التشيكي، قال راك: بالنظر إلي تجارة التشيك مع العالم العام الماضي نرى أن الميزان التجاري ما زال إيجابيا، ولكن الأمور بدأت تتغير في الفترة ما بين نوفمبر الماضي وصولا إلى شهر يناير من هذا العام، وهي الفترة التي احتدمت فيها تداعيات الأزمة الراهنة في العالم، فجمهورية التشيك تتميز بقوتها في قطاع تصنيع السيارات، وكلنا يعلم أن هذا القطاع تلقى ضربة قوية وموجعة بسبب الأزمة، وانعكس ذلك على أرقام مبيعات السيارات الجديدة في العالم، لذلك خلال الأشهر القليلة الماضية شهدنا تباطؤاً في مبيعات السيارات.
وأضاف: يوجد في التشيك مصنعان ضخمان لتصنيع السيارات في التشيك أحدهما لتصنيع السيارة فولكس واغن، حيث يتم تصنيع 500 ألف سيارة منها سنويا، والمصنع الآخر يصنع 400 ألف سيارة ماركة تويوتا بيجو ستروين سنويا. وبشكل عام انخفضت صادراتنا من تلك السيارات إلي السوق الأوروبية بنسبة تتراوح ما بين 15 إلي 20 %.
أما بالنسبة لأسواق الشرق الأوسط حيث نصدر سيارات فولكس واغن لتلك الأسواق فإن وكلاء هذه السيارات موجودين من خلال معارضها في أبوظبي ودبي والشارقة، وهم يصدرون تلك السيارات إلي أسواق السعودية، سلطنة عمان وباقي الدول المجاورة، وباعتقادي أن أرقام مبيعات تلك السيارات في المنطقة انخفضت هي الأخرى بعض الشيء.
بيئة الاستثمار في التشيك
وعن طبيعة البيئة الاستثمارية في جمهورية التشيك، ومدى مساهمتها في توجيه التشيك نحو اقتصاد السوق، قال جيري راك: إذا تحدثنا عن الاستثمارات بين الإمارات وجمهورية التشيك فسنجد أن استثمارات الإماراتيين تتركز في الوقت الحاضر في جمهورية التشيك في القطاع العقاري.
من جانبها قالت فيرا جيرابكوفا: من خلال عملنا في الإمارات نقوم ببذل جهود كبيرة من أجل رفع حجم استثمارات الشركات الإماراتية في التشيك، ولدينا خطط لرفع تلك الاستثمارات أيضا في قطاع المنتجعات، حيث تتمتع التشيك بطبيعة خلابة وطقس رائع، والتشيك غنية عن التعريف كأفضل وجهات السياحة في العالم، لقد رأينا اجتماعات على مستويات الرؤساء التنفيذيين لكبار الشركات في أعوام 2006 و 2007 و2008 ، مثل شركات مبادلة والدار في أبوظبي.
وسما دبي ونخيل في دبي، وشركات أخرى كبيرة لبحث فرص الاستثمار المتاحة في القطاعين العقاري والسياحي في التشيك، وبالرغم من الحديث عن العديد من المشاريع التي تمت مناقشتها إلا أن تلك المشاريع لم تتجسد إلي واقع حالي بسبب أن المستثمرين من الإمارات لا يعرفون حتى الآن طبيعة البيئة الاستثمارية في وسط وشرق أوروبا، فهم بحاجة لمعرفة حيثيات تلك البيئة وكيفية البدء في الاستثمار والإلمام بالبيئة القانونية والمصرفية في ظل التوجه الاستثماري.
وأيضا هناك عائق اللغة، لذلك تلك الاستثمارات مازالت تشق طريقها نحو التشيك باحثة عن مشاريع كبيرة، فمثلا مطار التشيك والخطوط الجوية التشيكية سيتم خصخصتها، وهما آخر مشروعين في مخطط الخصخصة التشيكية، حيث قاربت التشيك على الانتهاء من خصخصة مجمل قطاعاتها، وبالتالي هناك فرص استثمارية متاحة.
الشركات الكبرى تلك مازالت تحاول جاهدة شق طريقها الاستثماري فعلى سبيل المثال لمسنا مؤخرا اهتماما ملحوظا ورغبة من قبل مشاريع هيدرا في أبوظبي للاستثمار في وسط وشرق أوروبا وكذلك في جمهورية التشيك، ولكن الحديث مازال في بداياته. وفي المستقبل القريب سيتم عقد مؤتمر في كل من دبي وأبوظبي من أجل التعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في التشيك بشكل موسع وسيتم دعوة شركات استثمارية من البلدين لبحث تلك الفرص، فنحن نسعى بالتأكيد إلي توثيق علاقاتنا التجارية والاستثمارية مع الإمارات.
اليد العاملة والحمائية
وجمهورية التشيك من الدول التي خرجت من تحت عباءة الشيوعية وانضمت للإتحاد الأوروبي في عام 2004، وتبعتها دول أخرى مثل رومانيا وبلغاريا، وقد توسع الاتحاد الأوروبي في فتح الأبواب أمام تدفق العمالة الأوروبية المهاجرة من دول أوروبا الشرقية، والتي انضمت مؤخرا للإتحاد الأوروبي، إلي دول أوروبية غربية ذات اقتصادات كبيرة في الإتحاد.
مما جعل دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تضيق ذرعا بتلك العمالة وتوجه لها أصابع الاتهام بأنها تقف وراء خلق طوابير العاطلين عن العمل في دول أوروبا الغنية، ولكن في ظل الحديث عن الحمائية، والتي لا تطل بوجه واحد فقط فهناك الحمائية المالية والتجارية والأيدي العاملة وغيرها سألنا السفيرة التشيكية، والتي تترأس بلادها الإتحاد الأوروبي في دورته الحالية، عن النظرة الأوروبية الغربية لهجرة العمالة في ظل الحديث عن التجنب الأوروبي للحمائية فقالت جرابكوفا: دعيني أقدم لك شرحا واضحا عن تلك القضية.
وخاصة أنها إحدى حقائبي، لقد ناقشنا الدور الذي تلعبه التشيك، خاصة وأنها تتولى رئاسة الإتحاد الأوروبي، فالملف الاقتصادي، والذي يعد أحد أولوياتنا الحالية، يجعلنا نحرص على عدم الوقوع في شباك الحمائية الخطرة بأي شكل من الأشكال، وفي ظل الأزمة المالية الراهنة، والتي تلقى بضغوط كبيرة على دول العالم، أصبحنا نرى دولاً تغلق على نفسها في محاولة لحماية أسواقها من العمالة المهاجرة، ولكن على المدى الطويل سيكون لذلك انعكاسات سلبية للغاية.
وبإمكان العالم أن يتعلم الدرس القاسي من تجربة الكساد الكبير في الولايات المتحدة وأوربا في الثلاثينات، لذلك فالسؤال المهم هو كيف يمكن لنا أن نحارب الأزمة عالميا، وهذا الأمر تحديدا يلقى مساندة كبيرة من الحكومة التشيكية والتي تساند تدفق رؤوس الأموال والسلع والبضائع والعمالة بحرية تامة بين دول الإتحاد الأوروبي وكذلك بين دول العالم.
وبالنسبة للإمارات فإنه يوجد ما بين 800 إلي 1000 تشيكي يعيشون ويعملون هنا في الوقت الحاضر منهم الأطباء والممرضون والعاملون في الضيافة الجوية، فيما لا يوجد عمالة من الإمارات في التشيك، وبالتأكيد لن نرى أبناء الشعب التشيكي يغادرون الإمارات خوفاً من خسارة وظائفهم هنا بسبب الأزمة، فهذا الكلام غير موجود على الإطلاق.
ولكن فيما يتعلق بالعمالة داخل التشيك فنحن نواجه هذه المشكلة، ويجب أن أقول ذلك بشكل علني فهناك الكثير من العمالة من دول شرق أوروبا وبالدرجة الأكبر من أوكرانيا ومن مناطق أخرى من روسيا، ولدينا الآلاف من العمالة الآسيوية في التشيك وتعمل بالدرجة الأولى في قطاع البناء والتشييد، ونحن لا نستطيع أن نمنع هؤلاء من دخول التشيك وإلا سنتهم بالحمائية، هذه هي المشكلة التي نحاول إيجاد حلول لها من خلال نقاشات موسعة مع دول عديدة.
رئاسة وأزمات
وقالت جيرابكوفا: واجهت جمهورية التشيك منذ توليها رئاسة الإتحاد الأوروبي من بداية العام الحالي العديد من الأزمات العالمية الكبيرة. فقد كان علي التشيك مواجهة أزمتين كبيرتين بعد توليها رئاسة الإتحاد مباشرة، تمثلت الأزمة الأولى في النزاع الأوكراني الروسي حول إمدادات النفط إلي أوروبا، وخاصة في توقيت الشتاء القارس، والأخرى تمثلت في الحرب على غزة.
وذلك إلي جانب اشتعال فتيل الأزمة الاقتصادية بسقوط مؤسسة (ليمان برذرز) المالية وتداعيات الأزمة وما شهدناه من تهاوي البنوك والمؤسسات المالية في العالم كأحجار الدومينو. على العالم أن يعمل يدا بيد من أجل التصدي للأزمة الراهنة وهنا تلعب التشيك دورا مهما في التنسيق في هذا الجانب. وفي قمة العشرين المقبلة في لندن سيتم مناقشة سبل التصدي للأزمة والحلول الموضوعية.
الأزمة والمساءلة
وحثت جيرابكوفا على ضرورة مساءلة المصارف المتسببة في الأزمة، وأضافت أن المؤسسات المالية الكبرى لديها خبراء وأصحاب عقول مالية، وينبغي أن يقدم هؤلاء للشعوب أجوبة عن كيفية السماح بحدوث الأزمة، وأيضا الإخفاق فيما يتعلق بالتنبؤ بحدوثها، وقالت: نحن نستحق، وكل هؤلاء الذين وثقوا في تلك البنوك ووضعوا مدخراتهم فيها، أن نحصل على أجوبة من تلك المصارف والمؤسسات المالية.
وأكدت على الحاجة لإجراء تحقيق للحصول على أجوبة وللوقوف على الحقائق، وأيضا لكي نصل إلي إجابة لسؤال مهم، وهو هل الجشع لدينا نحن البشر والأفراد ذهب إلى أبعاد بعيدة جدا بحيث أصبحنا نتوقع أن تتضاعف مدخراتنا لدى البنوك ما بين 10 إلي 15%؟ وتابعت جيرابكوفا قائلة: ما حدث كانت فيه مساحة كبيرة من الجشع. نعم الأزمة الحاصلة أزمة مالية اقتصادية ولكنها ترتبط بالطبيعة البشرية.
تحريك مفاوضات التجارة
ورفضت فيرا جيرابكوفا فكرة الحديث عن أن الإتحاد الأوروبي يثير قضايا سياسية كقضية حقوق الإنسان في المنطقة الخليجية من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية في مفاوضاته مع دول مجلس التعاون الخليجي من أجل التوصل لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بينهما، والتي توقفت مؤخرا بعد جولات من المفاوضات المتعثرة التي استمرت لأكثر من ثمانية عشر عاما، وقالت: خلال 17 عاما من المفاوضات بين الإتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي يمكن القول أن الخمس سنوات الأخيرة اتسمت فيها المحادثات بين الطرفين بكونها الأكثر جدية وتركيزا.
وأضافت: لقد تم بذل جهود كبيرة للتوصل لتوقيع الاتفاقية من قبل كافة الأطراف المتفاوضة خلال سنوات المفاوضات الطويلة والشائكة، والتي تولت خلالها دول عديدة في الإتحاد الأوروبي الرئاسة الدورية للإتحاد، كان آخرها فرنسا.
إلا أن تلك المفاوضات انتهت إلي طريق مسدود، فقد توقف المفاوضون عند نقاط محددة رفضت خلالها الأطراف المتفاوضة التجاوز أو التراجع عن مناقشة قضايا معينة، على رأسها تلك القضايا السياسية المتعلقة بملف حقوق الإنسان في المنطقة الخليجية، وهو مطلب أوروبي وجزء أساسي في المعاهدة الأوروبية التي وقعت عليها دول الإتحاد الأوروبي، والتي تمنح الحق للإتحاد الأوروبي في الانسحاب أو إنهاء أي اتفاقيات أو مفاوضات في حالة حدوث أي انتهاكات كبيرة في حقوق الإنسان.
وكما ذكرت قضية حقوق الإنسان جزء من المعاهدة الأوروبية ولم توضع تحديدا كعقبة في طريق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، تلك المعاهدة اتفاق قانوني وقعته وتلتزم بتنفيذه المفوضية الأوروبية والإتحاد الأوروبي ودول أخرى في العالم، وبالنسبة للدول الخليجية فإنها ترى في المطلب الأوروبي عقبة سياسية. ولم يعد في مفاوضات التجارة الحرة بين الأطراف المتفاوضة أرضية مشتركة للاتفاق بشأن قضايا معينة.
وواصلت قائلة: التجارة الخارجية، وفيما يتعلق بالتفاوض على الاتفاقيات، فهي من صلاحيات المفوضية الأوروبية وهي كتله أخرى، ويجب علينا الفصل بين الإتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية، نعم هما يتعاونان في العمل معا ولكن سواء نحن من يتولى رئاسة الإتحاد الأوروبي أو دولة أوروبية أخرى غيرنا فإن المفوضية الأوروبية هي من تحدد الأهداف وتتولى تنفيذها، الرئاسة الأوروبية تعطي نوعا من الإستراتيجية للسياسات، ولكن العمل ذاته يتم تنفيذه من قبل المفوضية، ولا نملك في الإتحاد الأوروبي صلاحية فرض تعليمات على المفوضية الأوروبية.
وهنا سألنا السفيرة التشيكية: ألا تعتقدين أن تشدق الإتحاد الأوروبي بقضايا حقوق الإنسان لم يعد مصدقا ومقبولا لدى شعوب العالم العربي والتي كانت تنظر إلي الموقف الأوروبي الصامت من قتل الأطفال في الحرب الأخيرة على غزة، ألا ترين أن هناك نوعا من النفاق الأوروبي، فهم يتحدثون عن قضايا حقوق الإنسان عندما يريدون تحقيق مكاسب ما؟
موقف واضح
وأجابت السفيرة: أخشى إن قلت أي شيئ أن ينظر لي على أني أحاول تبسيط الأمور، وهذا ربما قد لا يفهم بوضوح تام، فعلينا أن نتذكر أنه منذ أن بدأت الحرب على غزة كان الموقف الأوروبي واضحاً جدا من تلك الحرب، فقد دعا الإتحاد الأوروبي إلي ضرورة وقف تلك الحرب، ودعا كل وزراء الإتحاد إلي ضرورة وقف تلك الحرب مراراً، وعدم انتهاك اتفاقية جنيف لحقوق الإنسان، ومن العدل أن نقول إن الموقف الأوروبي بهذا الشأن كان واضحا للجميع بما فيه موقف الأمم المتحدة المتمثل في بان كي مون وموقف الحكومة التشيكية.
خاصة وأن التشيك تترأس الإتحاد الأوروبي، الكل طالب بضرورة وقف تلك الحرب، لذلك ليس من العدل القول إن الإتحاد الأوروبي كان يقف موقف المتفرج من الحرب على غزة، في الوقت ذاته بإمكاننا نحن أيضا في أوروبا أن نتساءل عن الموقف العربي، وهو ما استمعت إليه كثيرا من الجانب العربي، ماذا عن الانقسام العربي الكبير في توقيت حرب غزة، لقد رأينا كيف لم يتفق الرؤساء العرب على الاجتماع في قمة واحدة خلال الحرب على غزة.
واضطروا لعقد ثلاث قمم لمناقشة الحرب على غزة نظرا لوجود إشكاليات بين تلك الدول، لا أريد أن يساء فهمي ولكن هذا يضع الجانبين العربي والأوروبي معا في موقف صعب. واستوقفنا الوزيرة بالقول: أنت تحولين مسار النقاش، نحن نتحدث عن الانتقادات الأوروبية لحقوق الإنسان في المنطقة الخليجية وليس عن عدم الاتفاق العربي، الدول العربية تختلف ولكن سرعان ما تعود وتتفق.
حماية لحقوق الإنسان
وردت السفيرة بالقول: القيم الأوروبية، والتي تعد جزءاً من الإرث الأوروبي الموحد، تتمثل في الديمقراطية، وحكم القانون، ومفهوم حقوق الإنسان وميثاق حقوق الإنسان، والذي كان قد وقع عام 1950 في فرنسا، لذلك فإن التعاطي مع حقوق الإنسان كمفهوم وهدف يسعى لتحقيقه، وهنا لا يمكننا القول إنه لا توجد انتهاكات لحقوق الإنسان تحدث في أوروبا، نعم هناك انتهاكات تحدث في أوروبا مثل تجارة البشر.
وهي مشكلة كبيرة إلي جانب التفرقة العنصرية، هناك العديد من المشاكل المتعلقة بحقوق الإنسان في أوروبا ولكنه موضوع تم التعامل بشأنه بأشكال مختلفة من خلال منظمات حكومية وغير حكومية، ولدينا طرق عديدة في كيفية انتقاد الحكومات الأوروبية بشأن عدم نشاطها الكافي لإيجاد حلول لتلك المشكلات. نعم هناك قوانين عديدة توفر حماية جيدة لحقوق الإنسان، ولكن هناك الكثير من الأمور ينبغي عملها لدينا منظمات أوروبية تراقب عن كثب تطبيق ميثاق حقوق الإنسان، كما أن الدول الأوروبية وليس فقط دول الإتحاد الأوروبي تعمل معا لضمان حفظ حقوق الإنسان.
وبالعودة إلي مستقبل توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الإتحاد الأوروبي والدول الخليجية، قالت السفيرة التشيكية: لقد التقينا منذ أيام قلائل بمعالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة التجارة الخارجية، حيث تحدثت معاليها على أهمية الإتحاد الأوروبي بالنسبة للمنطقة الخليجية وعلى رأسها الإمارات، فالإتحاد الأوروبي يعتبر من أكبر الشركاء التجاريين للمنطقة، كما تم مناقشة سبل وكيفية إحياء مفاوضات التجارة الحرة بين الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.
وكشفت جرابكوفا عن اجتماعات عقدت مؤخرا بين صناع السياسة في الدول الخليجية والإتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل لمناقشة العديد من القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية بين الجانبين، وأضافت أن وزراء الخارجية في كل من دول الإتحاد الأوروبي والدول الخليجية من المقرر أن يلتقوا في سلطنة عمان في 29 إبريل المقبل، وهو لقاء سنوي يعقد كل عام في إحدى الدول الخليجية لمناقشة العديد من القضايا المشتركة وعلى رأسها مستقبل توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الإتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.
وأعربت جرابكوفا عن مساندتها لأي تعاون خليجي أوروبي من شأنه أن يقرب وجهات النظر ويفضي إلي التوصل لتوقيع تلك الاتفاقية، والتي من شأنها أن تعمق العلاقات التجارية والاقتصادية بين دول الإتحاد الأوروبي والدول الخليجية. وأكدت على الدور الكبير الذي يلعبه مجلس التعاون الخليجي في تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي وأيضا في محاربة الكثير من المشكلات العالمية على رأسها تجارة المخدرات، وتهريب السلاح ومحاربة الإرهاب وقضايا الطاقة، لذلك كان مطلب الإتحاد الأوروبي منذ البداية مناقشة اتفاقية التجارة الحرة تحت مظلة مجلس التعاون وليس مع الدول الخليجية منفردة.
الاقتصاد التشيكي
قال جيرى راك المستشار التجاري في سفارة الجمهورية التشيكية في أبوظبي إن الاقتصاد التشيكي نما خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة 6% سنويا، والآن النمو الاقتصادي للتشيك بفعل الأزمة هو صفر، بمعنى أنه لا يوجد نمو اقتصادي ولكنه بكل الأحوال ليس أقل من الصفر، وأضاف: نحن نسعى للمحافظة على نمو اقتصاد التشيك إلى 1%، وأعتقد أن ذلك ما سيحدث هذا العام، والحكومة التشيكية اتخذت خطوات لحماية الاقتصاد التشيكي من تداعيات الأزمة الراهنة.
وأضافت فيرا جيرابكوفا، السفيرة التشيكية لدى الإمارات: إن الجزء الغربي من أوروبا تلقى ضربة قوية بسبب الأزمة والبنوك هناك تلقت ضربة أكبر بكثير، مقارنة بالبنوك في أوروبا الشرقية حيث البنوك هناك أكثر محافظة.
موقف : ولادة دستور أوروبي موحد
مازالت ولادة دستور أوروبي موحد في حالة مخاض عسير، فما الحاجة لهذا الدستور، خاصة في ظل الأزمة الراهنة، سؤال وجهناه للسفيرة التشيكية لدى الدولة فقالت: إن السؤال الأكبر هو كيف يمكن عمل إصلاحات في الإتحاد الأوروبي، النقاشات بشأن مستقبل توحيد الدستور الأوروبي كانت قائمة بغض النظر عن حصول الأزمة الراهنة.
الأمر يتعلق بقضية إدخال إصلاحات على نظام التصويت في الإتحاد الأوروبي. والوثيقة النهائية بهذا الشأن يجب أن يتم التصديق عليها من قبل جميع الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، ففي بعض الدول رفع الأمر لبرلماناتها وتمت الموافقة عليها، ولكن هناك دولاً مثل ايرلندا، التي يشترط دستورها عمل استفتاء، ونتيجة الاستفتاء كانت الرفض. إيرلندا والتشيك هما الدولتان اللتان لم يتخذا بعد موقفاً واضحاً من القضية، وبالنسبة للتشيك فسيتم إحالة المشروع لمجلس الشيوخ وبعدها يجب أن يحال للرئيس للتصديق عليه.
أفضلية: استعدادات تبني اليورو
قالت السفيرة التشيكية لدى الدولة إنه ومنذ أن انضمت التشيك لعضوية الإتحاد الأوروبي في 2004 لم يتم على الإطلاق تحديد تاريخ زمني لتبني التشيك لعملة اليورو أسوة بدول أخرى مثل سلوفاكيا، والتي كانت في الماضي جزءا من تشيكوسلوفاكيا، فقد تبنت عملة اليورو منذ يناير 2009.
ومن جانبه قال جيرى راك: لسنوات طويلة كان هناك نقاش دائم في التشيك عن إذا ما كان تبني عملة اليورو سيخدم اقتصاد التشيك أم لا، فالشركات تريد أن تتبنى التشيك عملة اليورو في أقرب وقت ممكن لأن ذلك يمنحهم أفضلية، بينما الحكومة التشيكية ووزارة التجارة والصناعة يقولان دعنا نتبنى اليورو .
تعاون : التشيك مانحة للمساعدات
قالت جيرابكوفا إن تقديم المساعدات جزء أساسي من سياسة التشيك الخارجية بعد استقلالها عام 1989 إثر انهيار النظام الشيوعي، وحتى ذلك الوقت تعاونت التشيك مع دول شيوعية سابقة في تقديم المساعدات.
وأضافتك المساعدة جزء من طبيعتنا نحن التشيكيين فنحن نعرف كيف كان من الصعب العيش تحت مظلة الشيوعية ولكن بعد نمو اقتصاد التشيك رأينا أنه من الضروري توسيع قاعدة مساعداتنا لتشمل دولاً أخرى، وبعد انضمامنا إلي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا عام 1994 كانت هناك معايير في تلك المنظمة تحدد حصة المساعدات من إجمالي الناتج المحلي للدول.
والتي يجب أن تقدمها الدول المنضمة في المنظمة لشعوب ودول العالم، ومن هنا بدأنا بتطوير برنامج مساعداتنا منذ التسعينات، ونحن لدينا الآن لائحة طويلة ومتعددة من الوكالات الحكومية وغير الحكومية فيما يتعلق بتقديم المساعدات لدول العالم بما فيها اليمن في المنطقة.
وقالت لنتمهل في اتخاذ القرار. وفي ظل الأزمة الحاصلة وانخفاض قيمة اليورو نرى أن تريثنا في الانضمام لمنطقة اليورو كان من مصلحتنا وفي كل الأحوال علينا تبني عملة اليورو بحلول عام 2030
توجه : الأزمة وبوادر الشيوعية
في ظل التوجه الغربي لتأميم البنوك والمؤسسات المالية الآيلة للسقوط بفعل الأزمة سألنا السفيرة التشيكية جيرابكوفا إن كان تحول الدول الرأسمالية إلي الشيوعية هو ما يحدث اليوم بفعل الأزمة المالية العالمية الراهنة، فأجابت بصرامة: أشعر بالترويع من مجرد التفكير في هذا الأمر .
فأنا أعرف ماذا يعني التأميم في الاقتصاد، فقد عشت ثلث حياتي في بيئة تحكمها الشيوعية وطريقها التأميم. نعم يجب أن يسمع صوت أوروبا الشرقية بشكل أكبر، فهناك إحباط كبير لدى دول أوروبا الشرقية وأخذ الناس يبحثون عن خيار التأميم، وهناك جيل كامل لم يعش تجربة الشيوعية من قبل وبالتالي هم يجهلون تداعياتها.
صلابة التشيك واختبار الأزمات
تسلمت جمهورية التشيك في يناير الماضي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي خلفاً لفرنسا، يأتي ذلك في وقت يواجه فيه اقتصاد القارة الأوروبية أسوأ أزمة منذ عقود، بينما يشكل الإبقاء على وقف تصاعد العنف في الشرق الأوسط أحد أهم التحديات الخارجية للرئاسة التشيكية، وذلك بعد نحو عقدين على انهيار الشيوعية في هذا البلد الذي يقع في شرق القارة الأوروبية.
و انضمت التشيك في عام 2004 إلى الاتحاد الأوروبي إلا أنها لا تزال خارج حدود منطقة اليورو. وتعد الجمهورية، التي يبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة، ثاني دولة شيوعية سابقة، بعد سلوفينيا، تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي.
وتزامن تسلم جمهورية التشيك لرئاسة الاتحاد الأوروبي مع تجدد الخلاف في شرق القارة بين روسيا وأوكرانيا حول مد الأخيرة بالغاز الروسي، ويضع التشيكيون نصب أعينهم ألاخططاً طموحة لتحسين أمن الطاقة في الاتحاد وتعزيز علاقاته مع جيرانه الشرقيين.
مع فيرا جيرابكوفا السفيرة التشيكية في أبوظبي فتحنا ملفات عديدة، في حوار اتسم بالصراحة أردنا أن نقف عند المواقف التشيكية تجاه العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة وأن التشيك تتولى رئاسة الإتحاد الأوروبي في دورته الحالية. سألنا جيرابكوفا عن مستقبل مفاوضات التجارة الحرة الخليجية الأوروبية ومستقبل قبول التشيك بدستور أوروبي موحد. وموقف التشيك من الحمائية، وغير ذلك من القضايا.
حوار: كفاية أولير



