في عصر الشركات ذات النطاق العالمي، من الطبيعي أن ننسى أنّ الكثير من الشركات الناجحة لا تزال شركات عائلية، وهو أقدم نوع شركات في العالم. فقد انطلقت Wal-Mart، وهي أكبر شركة في العالم في مجال المبيعات، بالإضافة إلى Ford، وCargill، وBombardier من شركات عائلية. والأمر سيّان في أوروبا بالنسبة لـ Peugeot، وLVMH، وIKEA، وBOSCH، وفي القارة الآسيوية مع Tata، وLG، وSamsung.
وقد صمدت هذه الشركات في وجه الأزمات الاقتصادية، والحروب، والعداءات العائلية، وغيرها من التحديات. لم تتمكّن من الاستمرار فحسب، بل كان أداؤها مميّزاً: وفق أحد مؤشرات Credit Suisse، تقدّمت الشركات العائلية على الشركات غير العائلية في خلق القيمة المضافة لأصحاب الأسهم بمعدل 15% بين يناير 2005 وأكتوبر 2008.
يشير تحليلنا للشركات العائلية العالمية والإقليمية إلى أنّ معيار النجاح الأكثر أهمية هو إستراتيجية العائلات المنسَّقة والمستدامة على المدى الطويل من أجل تطوير الشركات والتحكّم بها. وينطوي ذلك على التحلّي بالصبر في إدارة رأس المال، وصمود الشركات في حالات الازدهار والركود، والتركيز على الأعمال الأساسية، وتطوير قدرات إدارية متميزة، ناهيك عن التركيز على الأداء الطويل المدى قبل الأرباح الفصلية.
في مجلس التعاون الخليجي، تُعتبر الشركات العائلية قوة فاعلة وطامحة. تُعتبر هذه الشركات حديثة ? معظمها لم يتأسّس منذ أكثر من 40 عاماً ? وغالباً ما يديرها أفراد من الجيل الأول أو الثاني في العائلة، مع بعض التدخّل من جانب أفراد الجيل الثالث. على الرغم من نشأتها الحديثة، اكتسبت بعض الشركات العائلية موقعاً عالمياً خلال السنوات القليلة الماضية، غير أنّ نجاحها كان قائماً على عناصر خاصة بالأسواق الناشئة وبالإرث الثقافي الذي تتميز به المنطقة.
أولاً: تستفيد الشركات العائلية الناجحة في مجلس التعاون الخليجي بميزات تنافسية مختلفة، بما في ذلك التنافس الخارجي المحدود، والنفاذ المميز لرأس المال، وشبكات الأعمال، والمعلومات. وقد سمح ذلك لهذه الشركات العائلية ببناء تكتّلات كبيرة تجمع بين عدّة قطاعات. وفي العديد من بلدان مجلس التعاون الخليجي، كانت نشاطات القطاعات الرئيسية موزّعة ضمنياً على عدد من الشركات العائلية الكبرى، باستثناء القطاعات التي تديرها الحكومة.
ثانياً: ساهم الإرث الثقافي الذي تتميّز به المنطقة بتخفيف أثر العداءات العائلية الكبيرة والمدمّرة. فعلى سبيل المثال، إنّ انتقال السلطة ليس بموضوع مثير للنزاعات في الشركات العائلية في مجلس التعاون الخليجي، حيث القيادة تنتقل تقليدياً إلى الأخ الأكبر سنّاً، وهي عادة غالباً ما يحترمها كلّ أفراد العائلة. حتى في حال النزاع بين أفراد العائلة، غالباً ما تبقى المشكلة سرية، وتُحلّ داخل العائلة، مما يحدّ من تأثيرها على الأعمال. غير أنّ هذه الميزة أصبحت هشّة مع توسّع العائلات واتّساع الهوة بين مختلف أفراد العائلة على مستوى الخبرة والمعرفة.
التحديات المقبلة
لن تحمي هذه الميزات الشركات العائلية في المنطقة إلى الأبد. فقد تصرّف قادة عدد من الشركات العائلية في مجلس التعاون الخليجي «كمقاولين متململين»، يركّزون على تطوير شركات جديدة، ودخول استثمارات جديدة، أكثر من اهتمامهم بصقل الشركات وتأهيلها بعض تأسيسها أو الاستحواذ عليها. وهذا الأمر طبيعي ليس فقط في الشركات التي تديرها عائلات، بل في أي شركة تعمل في بيئة تتميّز بنمو اقتصادي قوي، وتنافس محدود، ورأس مال وافر.
واليوم، ستخضع الشركات العائلية للاختبار مع مواجهتها للأزمة الاقتصادية وتغيّر الأجيال. فمن جهة، سيشكّل التدهور الاقتصادي العالمي الحالي، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى التنافس مع شركات إقليمية وعالمية في مختلف القطاعات، ضغطاً إضافياً على مواقع الشركات العائلية، ما سيجبرها على تحسين أدائها وحسن إدارة رأس مالها وسيولتها... ومن جهة أخرى، إنّ تملّك الأعمال، وبالتالي السيطرة عليها، سيصبحان أكثر تجزيئاً مع اندماج الجيل الثالث والنقص في الأطر القانونية المناسبة مثل الأسهم المفضّلة.
تقليد نجاح مستمرّ
نظراً لهذه التحديات، حدّدنا 6 خطوات أساسية من شأنها أن تعزّز التطوّر الناجح لتكتلات الأعمال التي تديرها عائلات.
- إعادة تقييم مجموعات الأعمال الموجدة، ما يسمح بتركيز أكثر دقّة. قد تكون هذه المهمة صعبة بما أنّ معظم عائلات مجلس التعاون الخليجي تميل إلى الحفاظ على أعمالها التقليدية لأسباب عاطفية أكثر منه مالية. غير أنّه يجب على هذه التكتلات التي تديرها عائلات أن تتمتّع بسلوك من شأنه أن يعزّز استخدامها لرأس المال، وتستهدف عدداً أقلّ من الأعمال لتحقيق أداء عالي المستوى. ويشير تحليلنا للشركات العائلية إلى أنّ التكتلات العائلية التي تتميّز بتركيز جيّد (مثلاً: شركات تركّز على أعمال ذات صلة بقطاع معيّن) تدّر قيمة مضافة لحاملي الأسهم أكثر من التكتلات التي تضمّ مجموعة واسعة من الشركات ذات النشاطات المتشعّبة.
- تطبيق سلوك صارم خلال تقييم الاستثمارات الجديدة. مع ترشيد مجموعة الشركات الموجودة، على التكتلات العائلية أن تضع إرشادات واضحة للاستثمارات الجديدة، والتركيز على إمكانية التوسّع والعائدات المتوقعة على رأس المال ووقت الإدارة. أمّا بالنسبة للشركات أو الشراكات التي لا تستجيب لهذه المعايير على الرغم من كونها مهمة بالنسبة للعائلة المعنية، فيمكن تمويلها من خلال الصناديق (الفردية أو الجماعية) المستقلة عن الشركات.
- بناء قدرات إدارية والتخلي عن القيادة عند الحاجة. العنصر الأساسي لشركة عائلية «خالدة» هو فريق عمل إداري قادر على تطوير الأعمال بمعزل عن المالكين. ويُعتبر التوفّر المفاجئ للموهبة الإدارية علامة مشرقة في الأزمة الاقتصادية الحالية. فبهدف جذب هذا الأداء المتميّز، على الشركات العائلية أن تتقبّل فكرة التنازل عن مستوى معيّن من اتخاذ القرارات، والقضاء على السقف الزجاجي، وخلق البنى التحفيزية المناسبة.
- الفصل بين النشاطات العائلية والأعمال. في مجلس التعاون الخليجي، غالباً ما يضمحلّ الخطّ الفاصل بين النشاطات العائلية والنشاطات الإدارية، ما يخفّض الشفافية ويعيق تقييم الربحية الحقيقية للشركة. خيار متاح: تأسيس «مكتب العائلة» للاهتمام بنشاطات مختلفة، من الخدمات الأساسية. ومن الضروري أيضاً فصل النشاطات الخيرية عن الأعمال عبر تأسيس مؤسسة معنية بالأمر أو اهتمام أفراد من العائلة بهذه المهمة.
- تأسيس بنية حوكمة رسمية للإشراف على نشاطات العائلة والأعمال. من شأن ذلك أن يضمن التوكيل الفعال والفصل بين النشاطات، وأن يساعد العائلات على تحضير انتقال السلطة. ومن الممكن استخدام بنية الحوكمة لإدماج وإشراك أفراد من العائلة قد لا يكونوا ملتزمين بالشركة. صحيح أنّ تصميم بنية حوكمة مهمة واضحة وسهلة، غير أنّ تنفيذها قد يكون أصعب. لذلك، من المفضّل إدخال عناصر البنية تدريجياً على مرّ مدة زمنية طويلة.
- تعيين وكيل للتغيير. تتقاسم بعض العائلات المهمات في ما بين أفرادها، من دون محاسبة واضحة. وغالباً ما يعيق ذلك تنفيذ التغيير لأنّه ما من شخص واحد مسؤول عن هذا التطوّر. بحسب خبرتنا، على فرد واحد، وهو في هذه الحالة وكيل التغيير، أن يكون مسؤولاً عن التغيير الناجح في الشركات العائلية في مجلس التعاون الخليجي. قد يكون فرداً من العائلة أو لا، ولكن عليه أن يكون محترماً ومقرّباً من العائلة، وتكون لديه معرفة واسعة بالأعمال، من دون أن يكون متحيّزاً لفئة من العائلة.
والأهم ألاّ تتعارض مصلحته مع نجاح الشركة. في ما يتعلّق بالشركات العائلية، هناك قول قديم قد يكون فيه القليل من الصحّة: «الجيل الأول يجمع الأموال، والجيل الثاني يحافظ عليها، والجيل الثالث يفقدها». فقد أظهرت بعض الدراسات أنّ 80% من الشركات العائلية فشلت في الصمود خلال مرحلة الجيل الثالث. واليوم، ستخضع معظم الشركات العائلية في مجلس التعاون الخليجي للامتحان.
فالحجم العائلي الكبير سيتطلب منها تحقيق ما يعادل 18% من النمو سنوياً للحفاظ على المستوى نفسه من الثروة على مرّ الأجيال. ويجب تحقيق ذلك خلال الأزمات الاقتصادية وتغيّر الأجيال. قد تواجه هذه الشركات خطر الانكماش أو الاندثار، أو تؤسس شركات متينة وإرثاً دائماً لعائلاتها من خلال إدارة متلازمة «المقاول المتململ» وترشيد أعمالها.
* مدير في «بوز آند كومباني» للاستشارات
بقلم: أحمد يوسف
