يترابط الاقتصاد الخليجي والأعمال العائلية في علاقات توحد واندماج تجعلهما أشبه ما يكون بالتوأم الملتصق غير القابل لفصل احدهما عن الآخر، بل يستمد كل واحد منهما بقاءه واستمراريته من الآخر، ووضع هذا التوحد العضوي القوي الشركات العائلة في صدارة الاهتمامات والأولويات، بحيث أضحت في نظر ناصر الشعالي الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي أحد القواعد المتينة لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن أنها صارت أحد المحاور الرئيسية لاهتمامات حكومات دول مجلس التعاون الخليجي في إستراتيجياتها الرامية إلى الخروج السلس من دائرة التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية.
وفي رأي ناصر الشعالي، أن الأعمال العائلية في الخليج اكتسبت قدرا من المؤسساتية، خصوصا مع انتقالها إلى الجيل الثاني أو الثالث، إلا أن الأوضاع التي تسود أسواق المال العالمية تدعو إلى ضرورة بناء إطار عمل للحوكمة يضمن استدامة المؤسسات العائلية على الأجل الطويل.
مفترق طرق
ووفقا للشعالي فإن الشركات العائلية تقف اليوم عند مفترق طرق في مسيرة تطورها، فمع النمو الاقتصادي الهائل الذي شهدته المنطقة، حققت هذه الشركات نموا سريعا وتنوعا كبيرا، إلا أن المحافظة على هذا النمو في ظل الظروف الاقتصادية الحالية تتطلب قيام الشركات العائلية بالعمل على تعزيز المفهوم المؤسسي في هيكلتها وفي ممارساتها».
وبناء على هذه العلاقة الوثيقة بين اقتصاد الخليج والأعمال العائلية، سعت الكثير من الدراسات والبحوث إلى تسليط الضوء على الزوايا المختلفة لخريطة الأعمال العائلية في منطقة الخليج، وعلى الرغم من تباين اهتمامات هذه الدراسات والبحوث، إلا أنها في المحصلة النهاية أكدت استنتاجا رئيسيا مؤداه أن مستقبل اقتصاد منطقة الخليج يرتهن بمدى عافية وسلامة الأعمال العائلية.
وتتجلى أهمية الدور الذي تلعبه الأعمال العائلية على الساحة الاقتصادية الخليجية في الدراسة المشتركة التي أجراها معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي مع شركة «المستثمر الوطني»، وأتت الدراسة على تناول مساهمة الأعمال العائلية في الجوانب التالية:
أولا: تسيطر الأعمال العائلية على ما يزيد على 90 % من إجمالي الأنشطة التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
ثانيا: تستحوذ الأعمال العائلية في منطقة الخليج على أصول تزيد قيمتها على 500 مليار دولار، كما توظف 70 % من إجمالي قوة العمالة، وبالتالي، تعتبر الأعمال العائلية مصدرا رئيسيا لخلق فرص العمالة في المستقبل.
نفوذ الأعمال العائلية
وتظهر الدراسة المسحية المشتركة التي أجراها معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي بالتعاون مع شركة «المستثمر الوطني» مدى قوة ونفوذ الأعمال العائلية بوصفها لاعبا رئيسيا على الساحة الاقتصادية الخليجية، ولا تنحصر قوتها على قطاع الشركات الخاصة، بل تمتد لتشمل الشركات المدرج أسهمها في البورصات.
حيث تستحوذ الأعمال العائلية على حصة كبيرة من مقاعد مجالس إدارات الشركات المدرجة، ففي قطر، تستحوذ أكبر 15 عائلة على 53 % من إجمالي عدد مقاعد مجالس إدارات الشركات المدرجة في قطر، وتسيطر أكبر خمس عائلات على 38 % من إجمالي هذه المقاعد، فيما تستحوذ أكبر 10 عائلات على 47 % من المقاعد، وفي السعودية، تستحوذ أكبر 15 عائلة على 18 % من إجمالي مقاعد مجالس إدارات الشركات المدرجة، وتستحوذ أكبر 10 عائلات على 13 %،
فيما تستحوذ أكبر 5 عائلات على 8 % من المقاعد، وفي الكويت، تستحوذ أكبر 15 عائلة على 25 % من المقاعد، وتستحوذ أكبر 10 عائلات على 20% من المقاعد، وتستحوذ اكبر 5 عائلات على 13 % من المقاعد، وفي البحرين، تستحوذ أكبر 15 عائلة على 27 % من مقاعد مجالس إدارات الشركات المدرجة، فيما تستحوذ أكبر 10 عائلة على 20 % من المقاعد، وتستحوذ أكبر 5 عائلات على 12 %، وفي سلطنة عمان، تستحوذ أكبر 15 عائلة على 24 % من مقاعد مجالس إدارات الشركات المدرجة، وتستحوذ أكبر 10 عائلات على 19 % من المقاعد، وتسيطر أكبر 5 عائلات على 12 % من المقاعد.
ويعلق الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي على نتائج الدراسة بقوله: هناك حقيقة ماثلة للعيان مؤداها أن الأعمال العائلية تلعب دورا رئيسيا في النشاط الاقتصادي لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا هو السبب الذي من أجله نرغب في ضمان استدامة الأعمال العائلية، والحفاظ على انتقال ثروتها من جيل لآخر.
تحديات ماثلة
ويرسم الدكتور ناصر السعيدي صورة للتحديات التي تواجه الأعمال العائلية في منطقة الخليج، وتنطوي على العناصر التالية:
أولا: الحصول على نفاذ إلى أسواق المال، حيث تجد الأعمال العائلية نفسها مضطرة للاعتماد على مواردها الذاتية في تمويل استثماراتها، عوضا عن الاعتماد على البنوك وأسواق المال، وهذا بالطبع يعني أن أفق النمو بالنسبة لها يكون محدودا بنوعية القدرات التي تمتلكها.
ثانيا: تحتاج الشركات العائلة إلى تنويع محفظة ثرواتها، فإذا كانت الشركة العائلية تعمل في مجالات بالغة التخصص، فإنه من الوارد أن تواجه مخاطر عالية ناشئة عن تغير الظروف الاقتصادية، واحتدام المنافسة، ومن ثم، إذا ما أرادت الشركة العائلية أن تحافظ على استدامة أعمالها وثرواتها، فهي بحاجة إلى تنويع أنشطة أعمالها، وتنويع مصادر السيولة ليس بالنسبة للشركة العائلية فحسب، وإنما كذلك بالنسبة لأعضاء العائلة.
ثالثا: انتقال الثروة: وتعتبر هذه المشكلة بمثابة تحد للشركة العائلية، حيث تبرز الكثير من القضايا في هذا المجال، من بينها، كيفية تقاسم الثروة بين أفراد العائلة، وكيفية نقلها من جيل لآخر، وكيفية تعيين المدراء الخارجيين، وكيفية الحفاظ على أسم العائلة، وكيفية ضمان أن ثروة العائلة يتم توزيعها على نحو متساو، وكيفية التعامل مع مسألة التعويضات.
وتظهر هنا دراسة أعدتها مؤسسة «إرنست آند يونغ» أن 20% من الشركات العائلية في منطقة الشرق الأوسط تخطط للتحول إلى شركات مساهمة من خلال طرح أسهمها للاكتتاب العام، فيما يعارض التحول 20% منهم على الرغم من اتفاق 50% من المشاركين في الدراسة على أن طرح أسهمهم للاكتتاب العام يعتبر أمرا مهما وضروريا لاستمرار ونمو شركاتهم.
كما أظهرت أن إدارة معظم الشركات العائلية في منطقة الشرق الأوسط تتم من قبل 3 أعضاء أو أكثر من العائلة نفسها و أن 39% من الشركات العائلية في دبي تملك على الأقل عضوين في مجلس الإدارة من العائلة نفسها، وتبلغ النسبة 76% في الشركات القطرية، وتصل إلى 75% في شركات دول مجلس التعاون الخليجي.
ونفت الدراسة صحة ما يتردد عن وجود عدد محدود من الأشخاص في مجالس إدارات شركات عدة، حيث أفادت بأن نسبة 80% إلى 90% من المديرين في دول مجلس التعاون الخليجي هم أعضاء في مجلس إدارة واحد فقط، وجاءت البحرين في المقدمة كأفضل إحصائيات لمشاركة المديرين في مجلس إدارة واحد فقط.
وعن تعاقب الأجيال في مجالس إدارات الشركات العائلية الخليجية دلت نتائج دراسة «إرنست ويونغ» أن 73% من الشركات العائلية في المنطقة تُدار من قبل أفراد الجيل الثاني من العائلة، في حين أن 48% منها يتولى إدارتها أفراد العائلة من الجيل الأول، و20% من الشركات تدار من قبل الجيل الثالث. وفيما يتعلق بمسائل الإدارة والتعاقب فيها، فإن 16% فقط ممن شملتهم الدراسة أقروا أن «هناك هيكلة واضحة فيما يتعلق بالإدارة والخلافة من جيل إلى آخر وخطط انتقال الملكية، ما يشير إلى فجوة كبيرة في هذه القضايا.
ووفقا للدكتور ناصر السعيدي، فإن عمر الشركات العائلية في الخليج قصير للغاية ودعا السعيدي إلى إدخال مبادئ الحوكمة ومعاييرها لإطالة عمر الشركات العائلية المهددة بالفناء قائلا «الحوكمة ستساعد على انتقال الثروة العائلية للأجيال المقبلة وتوزيعها على أعضاء العائلة بشكل يسهم في بقاء الشركة لا فنائها، حيث إن حوالي 75% من الشركات تتعرض للزوال على أيدي جيل المؤسسين، فيما يستمر ما يتراوح بين 5 إلى 15% من هذه الشركات حتى الجيل الثالث.
وفي منظور الدكتور ناصر السعيدي، يتطلب التغلب على هذه المصاعب والتحديات، أن تعمل الشركة العائلية على المحاور التالية:
أولا: التحديد الواضح لأدوار ومسؤوليات المالكين ومجالس الإدارة والمدراء وأعضاء العائلة.
ثانيا: التخطيط لعملية انتقال الثروة لضمان استمرارية الأعمال العائلية.
ثالثا: توظيف خبرات من خارج العائلة لتولي المناصب الإدارية الرفيعة المستوي.
رابعا: زيادة الشفافية والإفصاح
خامسا: التنفيذ الجيد لسياسات ومبادئ الحوكمة.
وتعد مثل هذه القضايا بمثابة تحديات للشركات العائلية، وهو ما يبين أهمية تبني الشركة العائلية أساليب حوكمة جيدة والتي لا تعد حيوية للشركات المدرجة في البورصات فحسب، وإنما تعد كذلك بالنسبة للشركات العائلية، فمن بين الدروس المستفادة أن الحوكمة الجيدة تعني الحفاظ على استدامة الأعمال، أي الحفاظ على الأصول، والأكثر أهمية أن الحوكمة الجيدة تعني الحفاظ على ثقة المستثمرين، والأمر هنا غير محصور على المستثمرين الخارجيين، بل يشمل كذلك أعضاء الأسرة، بأن يثق كل فرد من أفراد العائلة في الآخر، ويتعلق البعد الهام هنا بعنصر الشفافية والإفصاح، حيث تنزع الشركات العائلية إلى النظر إلى أعمالها بأنها شأن عائلي محض.
والمسألة المهمة هنا أن معالجة هذه التحديات ليس شأنا يخص الأعمال العائلية فحسب، وإنما كذلك يخص حكومات دول المنطقة، لسبب بسيط أنها تمثل - على حد قول ناصر الشعالي - الدعامة الرئيسية للاقتصادات الخليجية، فبقدر ما تكون هذه الدعامة قوية وراسخة، بقدر ما يكون الاقتصاد الخليجي قويا ومتماسكا.
الانتقال السلس للثروة
تسهم خدمات شركة «وقف» في معالجة التحديات التي تتعلق بانتقال الثروة من جيل لآخر، وهو ما يتحدث عنه فرحان البستكي الرئيس التنفيذي لشركة «وقف للخدمات الوقفية» (وقف) بقوله: إنه بقدر ما يسهم تحويل الشركة العائلية إلى شركة عامة مساهمة في الحفاظ على وجودها واستمراريتها في مواجهة تحدي تعاقب الأجيال في إطار العائلة، وما يرافق ذلك من احتمالها تعرضها للتفتت والانهيار، خصوصا مع الجيل الرابع، فإنه بالقدر ذاته، تسهم عملية وقف هذه الممتلكات في الحفاظ على حصة العائلة داخل الشركة من التعرض للتآكل والتبدد بفعل التبدل الحاصل بمرور الوقت في مقدار حصص حملة الأسهم.
فضلا عن تقديم الشركة حزمة من الضمانات التي تكفل الإدارة الكفؤة للأموال الموقوفة، من بينها الحصول على تعويضات في حالة القصور الناجم عن وقوع أخطاء بشرية أو فنية. وواصل حديثه بقوله: مع أن التوزيع الفعلي للثروة يعتمد على مبادئ الشريعة الإسلامية، إلا أن الواقف يستطيع أن يحدد وقتا لتوزيع الممتلكات لكل واحد من الورثة المختارين، وعند تعيننا أمناء للوقف، نقوم بوقف سينتقل من جيل إلى آخر.
وبالتالي، يكون بالإمكان الحفاظ على اسم الشركة وملكية أفراد العائلة عن طريق الدمج بين المساهمة العامة الأصول إلى أن يحين الوقت المحدد بدقة، ونضمن توزيع الدخل ورأسمال تبعا لرغبات الواقفين (والتي تعتبر سارية المفعول بموجب قانون مركز دبي المالي العالمي للوقف وكما هو وارد في الوصية أو وصية الوقف) لحماية هذه الأصول من الورثة المسرفين أو الذين لا يتحلون بالمسؤولية.
