ساق الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي مقولة مؤداها أن الثروات والأموال في العالم قد تأخذ صورا وأشكالا متنوعة، كأن تكون أوراقا مالية أو أسهما أو أصولا، ولكنها تكون في نهاية المطاف في قبضة أفراد وعائلات، بل ان العلامات التجارية الضخمة في العالم تعود ملكيتها إلى عائلات، وذلك على غرار «هونداي للسيارات» و«بي إم دبليو» و«سيمينز» و«لوريال» و«فورد للسيارات» ومحلات «وول مارت» و«مجموعة كارفور» و«سامسونج» و«بينيتون» و«كيكو- مان» و«مجموعة فيات» و«مجموعة إل جي».
وقد أكدت المشاهد المتتابعة للأزمة المالية العالمية صحة هذه المقولة، فمع تطور تداعيات الأزمة المالية العالمية، اتجهت أصابع الاتهام في مطلع تفجرها إلى دول وأسواق معينة، تلا ذلك، توجيه اللوم إلى مؤسسات وشركات مالية ومصرفية، وانتهى الأمر بتحميل شخصيات معينة مسؤولية نشوء وتطور الأزمة، وفي يناير الماضي، نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية قائمة بأسماء 25 شخصية بارزة مسؤولة عن اندلاع هذه الأزمة.
وضمت القائمة شخصيات من العيار الثقيل في دنيا المال والأعمال، من بينها، آبي كوهين، رئيسة إدارة الاستراتيجيات الأميركية في مصرف «غولدمان ساش»، وكاثلين كوربت، الرئيسة التنفيذية السابقة لمصرف «ستاندرد آند بورز»، وهانك غرينبيرغ من مجموعة AIG للتأمين، وكذلك مسؤول المنتجات المالية في المصرف جوزيف كاسانو. كذلك ضمت القائمة آندي هورنباي، الرئيس السابق لمصرف HBOS، والسير فريد غودوين، الرئيس السابق لمصرف آر بي أس RBS، والرئيس السابق لمصرف «براندفورد آند بينغلي» B&B، ستيف كراوشو، والرئيس السابق لمؤسسة «نورذرن روك» آدام أبيلغارث.
كما ضمت مجموعة أخرى مثل رئيس لجنة القطاع المصرفي بالكونغرس الأميركي، كريستوفر دود، ورئيس الوزراء الأيسلندي غير هاردي، والرئيس التنفيذي لهيئة الخدمات المالية جون تينر، والرئيس التنفيذي لبنك ليمان ديك فولد. إضافة إلى ستة أشخاص آخرين، وهم: المصرفيون أندرو لادي وجون يولسون والبروفيسور نوري روبيني والمليادير وارن بوفيت والمضارب المالي جورج سوروس والمدير المالي ستيفن آيسمان وميرديت ويتني.
الأقدم والأكثر نفوذاً
بيد أن بروز هذه الشخصيات في قلب المشاهد المتتالية للأزمة المالية العالمي ليس إلا تعبيرا عن ظاهرة لازمت تطور النشاط الاقتصادي الإنساني على مدار الحقب التاريخية، حيث تعد الأعمال العائلية أحد أكثر أشكال منظمات الأعمال قدما ونفوذا، وهو وضع ينسحب على كافة الدول، بما في ذلك تلك التي كانت في زمرة الأنظمة الشيوعية والاشتراكية والتي خلقت انطباعا غير حقيقي باختفاء الأعمال العائلية.
وفي منظور الدكتور ناصر السعيدي أن الأعمال العائلية هيمنت على تاريخ الإنسانية الاقتصادي على مدى القرنين الماضيين، حيث تمتعت هذه الأعمال بمكانة مسيطرة على النشاط الاقتصادي في مختلف دول العالم. وتدلل الأرقام الصادرة عن « شبكة الأعمال العائلية « على هيمنة الأعمال العائلية على الأنشطة الاقتصادية في مختلف دول العالم، بما في ذلك الدول الصناعية المتقدمة. وبحسب هذه الأرقام، تستحوذ الأعمال العائلية في فرنسا على 60% من مجمل نشاط الأعمال، وتتزايد هذه النسبة في بريطانيا والبرتغال لتصل إلى 75؟، فيما تصل إلى 80؟ في كل من السويد وفنلندا.
وتفيد الأرقام كذلك أن الأعمال العائلية تسهم بحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي في دول أميركا اللاتينية، فيما تبلغ 40% في الولايات المتحدة و62% في البرازيل وإسبانيا والبرتغال، وتقل هذه النسبة قليلا لتبلغ 43% في كندا و58% في ألمانيا وهولندا وسويسرا.
أنشطة متنوعة
ويرى الدكتور ناصر السعيدي أن الأعمال العائلية ليست كما يتصور البعض محصورة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تغطي الأعمال العائلية نطاقا متسعا من الأعمال بدءاً بالمشروعات الصغيرة، ومرورا بالمتوسطة، وانتهاء بالشركات الضخمة large conglomerates والتي تعمل في صناعات متعددة، حيث تصل حصة الشركات المدارة عائليا إلى 85% من إجمالي عدد الشركات في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتصعد هذه الحصة إلى 99% في إيطاليا، و 90% في الولايات المتحدة، و90% في السويد.
ولا تتركز الأعمال العائلية في قطاعات اقتصادية معينة، بل تنتشر في مختلف القطاعات، حيث تستحوذ الشركات المدارة عائليا -بحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية -على 66% من إجمالي الشركات الصناعية المدرجة في البورصات، وتقل هذه الحصة لتبلغ 35% في قطاع التجزئة، و20% في قطاع الإعلام، و18% في قطاعي الخدمات والتجزئة.
وتصل القيمة السوقية للشركات العائلية كنسبة من إجمالي القيمة السوقية لأسهم اكبر 20 شركة - بحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - إلى 100% في المكسيك، 8,74% في الصين وهونج كونج، و8,63% في اندونيسيا و3,58% في تايلاند، وتهبط النسبة إلى 2,4% في أيرلندا و 8,4% في اليابان و1,6% في فنلندا، و2,6% في النمسا، و5,7% في ألمانيا، وهكذا لا تتمتع الشركات العائلية بوضع المهيمن على شركات القطاع الخاص فقط، وإنما كذلك الشركات المدرج أسهمها في عدد كبير من الدول خاصة في آسيا وأميركا اللاتينية.
تزايد أعداد الأثرياء
وأفاد تقرير الثروة العالمية لعام 2008 أن هناك حوالي 1,10 ملايين شخص في العالم يملكون أصولا مالية لا تقل قيمتها عن مليون دولار أمريكي، فيما بلغت قيمة ثروات كبار الأغنياء في عام 2007 نحو 7,40 تريليون دولار بزيادة نسبتها 4,9% مقارنة بعام 2006، وللمرة الأولى، زاد متوسط قيمة ثروة كل واحد منهم على 4 مليارات دولار، ومن المتوقع أن تصل قيمة الثروة المالية لكبار الأغنياء إلى 1,59 تريليون دولار بحلول عام 2012، وبمعدل نمو سنوي يبلغ 7,7%.
ويظهر تقرير لورينز كيرف لعام 2008 ان كلا من الصين والهند تتمتعان بأعلى معدل لتزايد أعداد كبار الأثرياء، وتعتبر الدولتان من أسرع الاقتصادات نموا خلال الأعوام الأخيرة، وأفادت الأرقام الواردة في التقرير أن أعداد كبار الأثرياء تزايدوا في الصين بنسبة 3,20% وفي الهند بنسبة 7,22% بالنسبة للصين، ويوجد أعداد كبيرة من كبار الأثرياء في الدول الصناعية المتقدمة كالولايات المتحدة وأوربا والمملكة المتحدة، ولكنهم يتزايدون بمعدل بطيء بالمقارنة مع الأسواق الصاعدة، حيث زادت أعدادهم في الولايات المتحدة في عام 2007 بنسبة 03,3%، مقابل نسبة مقدارها 9,2% في عام 2006، وزاد أعداد كبار الأثرياء في عام 2007 بالمملكة المتحدة بنسبة 1,2%، فيما صعدت هذه النسبة في أميركا اللاتينية إلى 4,20%.
وفي رأي الدكتور ناصر السعيدي، تمتلك الأعمال العائلية الكثير من مواطن القوة والتي يجعلها أداؤها متفوقا على أداء الأعمال غير العائلية، فهي تحرز أداء متفوقا في النواحي المتعلقة بالربحية واستدامة الأصول، فضلا عن تميزها بقوة التزامها بتطوير الأعمال، لكي تنقل إلى الأبناء لكي بتطوير أعمال العائلة ولا يوجد لدهم وبالتالي هم حريصون على تطوير أعمال العائلة، وإعادة استثمار الأرباح في أعمال تحقق نموا على المدى الطويل، كما يحرص أصحاب الأعمال العائلية على نقل المعرفة والخبرات إلى الجيل التالي، ويعملون كذلك بجدية للحفاظ على اسم العائلة.
بيد أن هناك على الوجه الآخر للعملة ? والكلام على لسان الدكتور ناصر السعيدي - مواطن ضعف تعتري الأعمال العائلية، وتتمثل في اتباعها هياكل إدارية غير رسمية، وبروز صعوبات في فرض الانضباط على أفراد العائلة لكي يمتثلوا للقواعد والإجراءات، حيث يضم مجلس الإدارة أفرادا من العائلة، وبالتالي، يكون هناك خلط بين شؤون العائلة وأعمال العائلة.
وهكذا، تشغل الأعمال العائلية مكانة مهمة على خريطة الاقتصاد العالمي، وذلك بالنظر إلى أعدادها وحجمها ومساهمتها في الناتج المحلي العالمي، ولهذا، تتمحور الجهود على الحفاظ على استدامة الأعمال العائلية، فذلك يعد بمثابة استدامة لثروات العالم، ولهذا، تتزايد حيوية وأهمية الحفاظ على استمرار ازدهار وانتعاش الأعمال العائلية، مع انتقال ثرواتها من جيل لآخر، لأن ذلك يعني في نهاية المطاف الحفاظ على ازدهار وانتعاش الاقتصاد العالمي.
ربما يبدو غريبا الحديث عن حقوق في ثروات العائلات، وربما يبدو غير مستساغ القول بأن ثروات العائلات ليست شأنا عائليا محضا، ولعل السؤال المنطقي الذي قد يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى هو: من هم هؤلاء أصحاب الحقوق في ثروات العائلات.
يقدم الملف الاقتصادي الإجابة التي قد تبدد أوجه سوء الفهم الذي قد تسببه كلمة «حقوق «، فمن جانب، يسلط الملف الضوء على حقيقة قد تكون بعيدة عن الأعين، وهي أن ثروات العالم في نهاية المطاف في قبضة أفراد وعائلات، وهو ما يعني أن ازدهار أو تراجع اقتصاديات العالم مرتبط بأداء أصحاب الثروات سواء أكانوا أفرادا أو عائلات، ويطل هذا الواقع بشكل جلي في مختلف الاقتصاديات سواء أكانت صاعدة أو متقدمة أو حتى بدائية، ويقفز في قلب هذا الواقع أن العلامات التجارية الكبري في العالم تعود لشركات عائلية، وذلك على غرار «فورد» و«لوريان» و«سامسونج» و«كارفور».
وبالتالي، فإن ثروات هذه المجموعات ليست شأنا عائليا محضا، وإنما هو شأن يخص كافة أفراد المجتمع، حيث ان الوجه الآخر لازدهار أعمال تلك المجموعات العائلية هو ازدهار المجتمع بكافة شرائحه وفئاته، والعكس صحيح.
وإذا كانت هناك حقوق في ثروات العائلات على الصعيد العالمي، فإن مثل هذا الأمر ينسحب على منطقة الخليج الذي تسيطر فيه الأعمال العائلية على ما يزيد على 90 % من النشاط الاقتصادي، وبالتالي، فإن أي حديث عن الارتقاء بأساليب الأعمال، وانتهاج سياسات الحوكمة الرشيدة، واتباع مقاييس الإفصاح والعلانة، والتمييز بين الشؤون العائلية الخاصة والأعمال، مثل هذا الحديث يتعلق أولا وأخيرا بالشركات العائلية، بل وربما يعد من قبيل اللا منطقية، الحديث عن برامج للإصلاح الإداري والاقتصادي لا تستهدف أولا وأخيرا الشركات العائلية.
ومع اندماج منطقة الخليج في الاقتصاد العالمي، وتعرض الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي لرياح المنافسة الشديدة، وانكشاف هذه الشركات أمام مخاطر تقلبات الأسواق، وبروز فجوات في أساليب الإدارة بين شركات المنطقة، وتلك المتواجدة في الأسواق الغربية، في ظل هذه المتغيرات والمستجدات جميعا، صار السؤال المحوري المطروح على مائدة الجدل هو كيفية الارتقاء بممارسات الشركات العائلية في المنطقة، وكيفية حماية هذه الشركات من التعرض لخطر الفناء والاندثار في عالم يكون البقاء فيه للأقوى والأصلح.
ومن حسن طالع الشركات العائلية في الإمارات بشكل خاص والخليج عموما أنها ليست بمفردها في مواجهة هذه التحديات، بل هناك مركز دبي المالي العالمي الذي طور بنية تحتية من التشريعات والخدمات والمؤسسات التي تعالج مختلف التحديات والعوائق التي تعترض عملية تحول الشركات العائلية في المنطقة إلى كيانات مؤسساتية قادرة ليس فقط على البقاء، وإنما كذلك تحقيق النمو والازدهار على المدى الطويل، وربما السبب الرئيسي الذي يحفز مركز دبي المالي العالمي على الاضطلاع بمثل هذه الأدوار والمسؤوليات، هو حماية أصحاب الحقوق في ثروات الأثرياء، وهم أفراد المجتمع بكافة فئاته وشرائحه.
أعد الملف: مجدي عبيد


