انتقد صندوق النقد الدولي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بسبب عدم وضعها استراتيجية واضحة لمواجهة الفوضى المالية وإعادة هيكلة البنوك المتعثرة التي خسرت مئات المليارات من الدولارات في استثمارات عالية المخاطر بسوق العقارات الأميركية. كما ذكر الصندوق أنه على أوروبا أن تكون أكثر قوة في تبني إجراءات التنشيط المالي وبخاصة العام المقبل حيث من المنتظر استمرار الركود.
وفي سياق متصل أكد تقرير لمجلس التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة (الأونكتاد) أن مواجهة الموجه القادمة للأزمة المالية العالمية الحالية تحتم تثبيت أسعار صرف العملات عن طريق تدخل الحكومات بصورة مباشرة ومنسقة مع توفير الدعم متعدد الأطراف.
وشدد التقرير على أنه لا ينبغي للحكومات أن تترك للأسواق مهمة تحديد النتيجة النهائية ولا ينبغي للمؤسسات الدولية أن تجعل تمويلها الطارئ للبلدان المتأثرة بالأزمة مشروطا بتقوية الدورات الاقتصادية كخفض النفقات العامة أو رفع أسعار الفائدة وهو ما ترتب عليه أثار مدمرة في ظل الوضع الراهن.
واعتبر التقرير أن المضاربات التلقائية في العقارات والعملات والسلع الأساسية سبب رئيسي للأزمة المالية والاقتصادية العالمية. وجاء ذلك في تقرير أعده مجموعة من الخبراء الاقتصاديين والماليين طرحوا خلاله بصراحة وحيادية الأسباب الحقيقية وراء الأزمة المالية والاقتصادية التي يواجهها العالم حالياً.
وتناول الخبراء في تقريرهم الإجراءات التي يجب أن تتخذ والمعايير التي يجب مراعاتها في الفترة المقبلة لتفادي تكرار الأزمة، ورؤية لدور الأمم المتحدة باعتبارها الآلية الدولية الأهم متعددة الأطراف التي تعترف كافة الدول بحياديتها وقدرتها على تقديم النصح في هذا المجال من خلال خبرائها ومنظماتها المتخصصة.
وأكد الخبراء أن المضاربات التلقائية في مجالات العقارات والعملات والسلع الأساسية التي تمت عن طريق آليات مالية معقدة يصعب فيها تحديد الأسعار بصورة مناسبة قد أحدثت انفصاما عن الاقتصاد الحقيقي وبالتالي كانت الأزمة المالية العالمية هي النتيجة النهائية عند تلاشي هذه الفقاعات في مجال المضاربات.
وأضاف تقرير الخبراء أن تلك المضاربات اتسمت بسلوكيات جماعية لم تخضع لضوابط محددة وينبغي إصلاح النظامين المالي والنقدي على الصعيد الدولي للسماح بالتدخلات المناسبة من جانب الحكومات وفرض الرقابة الدولية حتى لا يزيد اختلال هذين النظامين مستقبلاً.
ودعا التقرير إلى ضرورة أن تضطلع الأمم المتحدة بدور محوري في عملية الإصلاح وذلك ليس لكونها المؤسسة الوحيدة التي تتميز بعالمية عضويتها وبالمصداقية فيما يتعلق بكفالة مشروعية وصلاحية نظام الإدارة الذي يجري إصلاحه بل أيضا لكونها تتمتع بقدرات تمكنها من تقديم تحليلات نزيهة وتوصيات سياساتية عملية.
وحمل التقرير عنوان الأزمة الاقتصادية العالمية «إخفاقات النظام المالي والمعالجات المتعددة الأطراف». وأعد ليكون أساساً للمناقشات التي ستجرى بين الدول في مجلس التجارة والتنمية وليكون تمهيدا للمؤتمرات الدولية المتعددة المزمع عقدها بشأن الأزمة المالية العالمية.
ورأى التقرير أن غياب الضوابط المنظمة للقطاع المالي بسبب الثقة العمياء في مزايا السوق قد أفسح المجال لأشكال من الابتكارات المالية المنفصمة تماما عن الأنشطة الإنتاجية في قطاعات الاقتصاد الحقيقي. وأضاف الخبراء في هذا الإطار أن مثل هذه الآليات تشجع المضاربات التي تستند إلى معلومات مقنعة ظاهريا ولا تعدو أن تكون ضربا من الاستقراء للاتجاهات المستقبلية.
ورأى التقرير أن المضاربات المتعلقة بتحقيق عائدات مرتفعة للغاية قد تصمد ولكن لبعض الوقت غير أن الأوهام الخادعة المتعلقة بإمكانية تمويل مضاربات خالية من المجازفة تواجه في نهاية المطاف الحقائق المتمثلة في بطئ نمو الاقتصاد الفعلي حيث لو تم الاستثمار فيه كان ذلك أدى إلى توليد زيادات في العائدات الفعلية.
وأشار إلى أن الانهيار المفاجئ وبصورة تلقائية تقريبا للمضاربات في الأسواق العالمية قد يكون سببه انفجار فقاعة أسعار العقارات في الولايات المتحدة الأميركية غير أن الفقاعات الأخرى بما في ذلك المتصلة بالمضاربات في العملات والسلع الأساسية كالنفط كانت هي الأخرى غير قادرة على الاستمرار وكانت ستنفجر إن عاجلاً أم أجلاً حتى من دون انهيار سوق العقار في الولايات المتحدة.
وأكد التقرير أن هذه الأزمة ما كانت لتحدث لولا الجشع وكان ينبغي للضوابط والسياسات العملية توقع مثل هذا الجشع وقصر النظر. ويعيد التقرير هذا التأكيد إلى تجارب سابقة بينت أن أسواق المال لا يمكن أن تعمل بصورة جيدة إذا افتقرت إلى ضوابط تم وضعها وتنفيذها بفعالية.
وقال خبراء الاونكتاد في تقريرهم عند هذه المسألة تحديداً أننا قد تعلمنا الآن أن المنخرطين في أسواق المال لا يجهلون مسألة التوازن المالي فحسب بل يميلون بصورة منهجية إلى الإخلال بتوازن الأسعار كما تجهل الحكومات أيضاً هذا التوازن لكنها تكون في بعض الأحيان مؤهلة لمعرفة ما إذا كانت الأسواق تعاني من اختلال في التوازن.
وفى إطار النصائح والتوجهات التي دعا إليها رأى التقرير أن التدخلات في الأسواق المالية في سياق اقتصاد يميل إلى العولمة تستدعي التعاون والتنسيق من جانب الحكومات الوطنية، كما تستدعي وجود مؤسسات متخصصة لديها تعليمات واضحة بفرض رقابة عالمية.
وأوصى التقرير بمعالجة أنشطة المضاربات المالية المفرطة ككل، مشيراً إلى أن الاكتفاء بوضع ضوابط وطنية لمنع الفقاعات ولخلق آليات مالية محفوفة بالمخاطر في مجال العقارات فقط سيؤدي إلى زيادة المضاربات في مجالات أخرى كأسواق الأسهم المالية.
كما أن العمل فقط على منع المضاربات في العملات عن طريق وضع نظام نقدي عالمي يتم فيه ضبط أسعار الصرف بصورة تلقائية قد يؤدي ببساطة إلى توجيه المضاربين الباحثين عن الربح السريع نحو أسواق البيع الآجلة للسلع الأساسية مما يؤدي إلى زيادة عدم استقرار الأسواق.
وقال التقرير إن الشيء نفسه ينطبق على الخطوات الإقليمية الرامية إلى محاربة المضاربات فهي قد تتسبب فقط في تركيز المضاربين على أقاليم أخرى، ويرى التقرير أنه لا شيء سوى المعالجة الشاملة التي يمكن أن تؤدي إلى التوصل إلى حل دائم للأزمة.
(الوكالات)
