إذا كانت «مصائب قوم عند قوم فوائد» فإنها مقولة انطبقت تماما على الطيران الاقتصادي الذي استفاد من المشاكل الاقتصادية التي أثرت على العالم وعلى الطيران التجاري وبدأت كثير من شركات الطيران الاقتصادي تزيد من حصتها من سوق الطيران العالمي على حساب شركات الطيران التقليدي ذلك أن الأزمة الحالية أثرت على حركة نقل الركاب والشحن وغيرت من عادات السفر لكثير من الموظفين فضلا عن توجه الشركات والمؤسسات التجارية إلى التقليل من سفريات موظفيها وكبار مسؤوليها.
وكان تقرير لمركز طيران آسيا «الباسيفيك» توقع زيادة الطلب على شركات الطيران الاقتصادي مقارنة مع مثيلاتها من شركات الطيران التقليدية في هذا العام. وقال التقرير إن الظروف الاقتصادية غير المستقرة في العام 2008 قد أسهمت في تعزيز الدور الذي يلعبه قطاع الطيران الاقتصادي والحصول على حصة أكبر في سوق الطيران العالمي. كما توقع التقرير أن يحظى قطاع الطيران الاقتصادي في العام 2009، بأفضلية كبيرة مقارنة بغيره من قطاعات الطيران التقليدية، وبشكل خاص في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة وانخفاض أسعار الوقود.
ومن جهته يؤكد الدكتور مجدي صبري نائب الرئيس للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الاياتا ان انطلاق شركات الطيران الاقتصادي أسهم في تحفيز معدلات حركة النقل الجوي خلال السنوات الماضية وخلق نوعا جديدا من الطلب على السفر لأسواق جديدة لم تكن مخدومة من قبل وهذا يفسر النمو الكبير في عمليات شركات الطيران الاقتصادي وتزايد شبكاتها. وقال انه من الطبيعي في مثل الظروف الحالية التي تواجه اقتصادات العالم أن تلجأ الشركات والمؤسسات التجارية إلى ضغط او تقليل النفقات وبالتالي فإن خيار الطيران الاقتصادي هو الملائم لهذه الشركات وقد رأينا بالفعل تنامي معدلات الطلب على الطيران الاقتصادي.
كما أن أرقام الاياتا تؤكد تراجع معدلات الحجز على الدرجتين الأولى ورجال الإعمال بنسب تصل إلى 15 بالمئة بالتزامن مع انخفاض عام في معدلات نقل الركاب والشحن الجوي بمعدلات وصلت إلى 6,4 بالمئة خلال شهر ديسمبر الماضي وهذا يعود إلى تراجع معدلات التجارة وإجراءات الشركات للحد من سفر الموظفين وكبار المسؤولين بفعل الأزمة الحالية.
وأضاف صبري أن تأسيس شركات طيران اقتصادي جديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد يكون مستبعدا حاليا في ظل الأوضاع الاقتصادي الحالية وهذا لا يمنع قيام مثلا هذه الشركات في المستقبل لخدمة أسواق ومناطق غير مخدومة خصوصا أن المنطقة ما زالت تحقق أعلى المعدلات في حركة نقل الركاب والشحن وهناك سباق للحصول على حصة اكبر من سوق الطيران الإقليمي وإنشاء شبكة فاعلة وطلب جديد قد لا تقوم به شركات الطيران الأخرى.
وأكد أن الأزمة العالمية أثرت فعلا على جميع شركات الطيران في العالم بغض النظر عن أنموذج العمل الذي تنتهجه خصوصا مع تراجع في معدلات النمو الاقتصادي العالمي وانعكاس ذلك على حركة نقل الركاب والشحن الجوي.
وحول توقعاته لصناعة الطيران المدني عموما أكد الدكتور امجد صبري أن الاياتا تتوقع عاما صعبا بالنسبة لجميع شركات الطيران في العالم خلال العام الجاري ذلك أن منطقة الشرق الأوسط مثلا حققت نموا بواقع 6,1 بالمئة فقط في معدلات النقل الجوي مقارنة مع 4,7 بالمئة في عام 2007 كما أن الشحن الجوي سجل تراجعا بنسبة 4 بالمئة وكان شهر ديسمبر هو الأعلى من حيث التراجع بنسبة وصلت إلى 22 بالمئة. ومع تراجع حركة التجارة العالمية فإنه من الطبيعي تراجع حركة الشحن الجوي ذلك أن حركة الشحن الجوي تسهم بما نسبته 35 بالمئة من حجم التجارة العالمية من حيث القيمة. وتتوقع الاياتا تراجع في حركة الركاب بنسبة 3 بالمئة و 5 بالمئة للشحن كما أن إيرادات الشركات ستنخفض بنحو 5,6 بالمئة.
وقال صبري إن تعافي قطاع الطيران المدني يرتبط مباشرة بانتعاش الاقتصاد العالمي وانتهاء فترة الركود وهو متوقع في عام 2010 الذي سيشهد بداية انتعاش اقتصاديات بعض دول العالم رغم أن المنطقة تبقى اقل تأثرا بالأزمة الحالية من كثير من الأسواق العالمية فهي تتمتع بفوائض نفطية تمكنها من الاستمرار من النمو وان كان بمعدلات اقل من التوقعات السابقة. وأضاف أن شركات الطيران في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت نموا وصل إلى 5,3 بالمئة في ديسمبر الماضي مقارنة مع معدلات وصلت إلى 14 بالمئة في الشهر نفسه من عام 2007 علما أن معدل النمو في 2007 كان 18 بالمئة لشركات الشرق الأوسط.
وتبعا لدراسة حديثة أجريت على المسافرين من رجال الأعمال والسياح، في دولة الإمارات فإن شركات الطيران الاقتصادي تحظى بفرص كبيرة ومهمة. ووفقا لهذه الدراسة التي قامت بها «يوغوفسراج»، فقد ازداد عدد المسافرين المقيمين في الإمارات والذين قرروا التحول من السفر بالدرجة الأولى والأعمال إلى الدرجة السياحية بنسبة 7% في الفترة بين أكتوبر 2008 ويناير 2009. وخلال نفس الفترة، زاد عدد المسافرين من رجال الأعمال من الإمارات والذين قالوا إنهم سيستخدمون الرحلات الاقتصادية بنسبة 12%.
77% نمو رحلات الطيران الاقتصادي
تشير الإحصاءات إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد نموا في تأسيس شركات الطيران الاقتصادي إضافة إلى نمو سنوي في عدد الرحلات يصل إلى 77 بالمئة مما انعكس إيجابا على سوق الطيران عموما كما أن عدد المقاعد هو الآخر ارتفع ليصل إلى 46 مليون مقعد في المنطقة في عام 2006. كما أن رحلات الطيران الاقتصادي من والى منطقة الشرق الأوسط حققت نموا يصل إلى 135 بالمئة خلال شهر يونيو من العام 2006 مقارنة مع يونيو من عام 2005. وفي الولايات المتحدة بلغ عدد المقاعد لشركات الطيران الاقتصادي أكثر من 19 مليون مقعد بنمو 19 بالمئة وفي أوروبا 16 مليون مقعد بنمو 24 بالمئة وفي آسيا باسيفيك 6 ملايين مقعد بنمو 9 بالمئة.
ويشير تقرير لرويال بنك اوف سكوتلاند ان شركات الطيران الاقتصادي ستستفيد أكثر من مثيلاتها من الطيران التجاري خصوصا مع استمرار تراجع أسعار النفط عالميا وهي بالتالي ستواجه ضغوطاً اقل يمكنها من خفض أسعارها بمرونة دون أن تواجه صعوبات مالية كما حدث مع ريان اير وايزي جيت في أسواق أوروبا مع استمرار الصعوبات التي تواجهها شركات الطيران التقليدي ومنها تحدي خفض الأسعار في ظل تراجع حركة السفر والنقل الجوي بسبب تداعيات الأزمة الحالية وقدرتها على المحافظة على هامش ربح مقبول.
ومن جهة أخرى فإن شركات الطيران الاقتصادي في أوروبا تتوقع تزايد الطلب على خدماتها في ظل تزايد حدة الأزمة المالية العالمية واعتماد الكثير من الركاب على السفر الاقتصادي لتخفيف التكاليف. وتقول كل من شركة ايزي جيت وريان اير وهما اكبر شركتين للطيران الاقتصادي في أوروبا إنهما بصدد الحصول على مزيد من حصة سوق الطيران من منافسيها من شركات الطيران التقليدي في الوقت الذي بدأ فيه أعداد من الركاب في تغيير عاداتهم وقبول السفر بدون خدمات كثيرة ومنها المشروبات ورفاهية المقاعد في ظل صعوبات كثيرة يعاني منها قطاع الطيران خصوصا التقليدي وتأثره بكثير من الأزمات في العالم.
نوافذ أمل في 2009
ربما يكون عام 2009 عاما صعبا على جميع اقتصادات العالم وفقا لتوقعات الكثير من الخبراء والمحللين وربما ستلجأ الشركات والمؤسسات إلى عملية شد الأحزمة والعمل بنصف طاقتها حفاظا على وجودها في ظل مناخ صعبت فيه الرؤية وحجبت حتى عن أكثر المؤسسات نجاحا وفاعلية.
ورغم هذه البيئة المتقلبة ربما تكون هناك نوافذ أمل بتحقيق البعض لنجاح قد لا يكون متوقعا ومنها على سبيل المثال قطاع الطيران الاقتصادي الذي لا يزال يحقق نموا جيدا في خضم أزمة اقتصادية عاصفة خصوصا في منطقة الشرق الأوسط.
وإذا كانت الاياتا تتوقع انخفاضا في حركة نقل المسافرين عالميا فان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مستمرة في عملية النمو وان كانت النسبة ستتراجع إلى 3 بالمئة بعكس التوقعات السابقة. الطيران الاقتصادي يستمد نموه وانطلاقته من النمو الاقتصادي للمنطقة التي ستبقى تحتفظ بنسبة نمو تصل إلى 3 بالمئة في 2009 وفقا لصندوق النقد الدولي وهو وضع أفضل بكثير من دول أخرى في العالم بما فيها اقتصادات الدول المتقدمة ومنها أوروبا واليابان والولايات المتحدة.
الحذر واجب والهلع لن يجدي نفعا وقد جاءت هذه الأزمة بدروس لكبح الكثير من لوبيات الجشع والطمع ممن كان هدفهم الأول والأخير الربح ولا شيء سواه وعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.
علي الصمادي

