انتقد الاقتصادي الأميركي بول كروجمان الحائز علي جائزة نوبل للاقتصاد مسلك البلدان الكبرى في حل الأزمة المالية العالمية وقال إنها بهذه الطريقة ستقود العالم نحو وضع اقتصادي كارثي. وتزامنت هذه الانتقادات مع تزايد وتيرة المطالب بإجراء تغييرات جذرية على هياكل وأنظمة مؤسسات التمويل الدولية.
وقال كروجمان إنه يجب علي أوروبا والولايات المتحدة علي الأقل مضاعفة جهودهما المالية من أجل إنقاذ الاقتصاد العالمي. وأضاف كروجمان عقب حضوره اجتماع مع مسؤولين بالاتحاد الأوروبي في بروكسل «الولايات المتحدة لا تفعل ما يكفي لمواجهة الأزمة وأوروبا تفعل أقل من نصف ما تفعله الولايات المتحدة وهذا غير ملائم».
وتأتي هذا المحادثات قبل يومين من اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية لمناقشة سبل إخراج دول الاتحاد من دائرة الركود وإصلاح النظام الرأسمالي العالمي. ويرى كروجمان أنه على الولايات المتحدة وأوروبا بحث تقديم حزم تحفيز تبلغ نسبتها 4% من إجمالي الناتج المحلي أو ما يعادل نحو 600 مليار دولار سنويا. وأضاف «الكثير من الناس ألقوا اللوم على اليابانيين خلال فترة التسعينات من القرن الماضي لبطئهم الشديد ولاتخاذهم خطوات غير ملائمة للغاية، ولعدم إدراكهم لعمق مشاكلهم حتى أصبح الوقت متأخرا كثيرا. نحن جميعا نفعل ذلك بالضبط الآن».
خلل التجارة
في الأثناء حذر البنك الدولي من تزايد الإجراءات الحمائية في أنحاء العالم منذ اندلاع الأزمة المالية التي دفعت بالعالم للانزلاق في ركود على الرغم من تعهدات الحكومات بتجنب اتخاذ خطوات من شأنها تقييد التجارة العالمية. وقال البنك إنه حدد 47 إجراء وطنيا تتسبب في الحد من التجارة منذ اندلاع الأزمة في سبتمبر الماضي.
وتوقعت المؤسسة الدولية للإقراض التنموي في وقت سابق الشهر الجاري أن تتراجع التجارة العالمية بأسرع وتيرة لها في 80 عاما. واوضح ان من بين تلك الدول التي تعيق التجارة، 17 دولة عضو في مجموعة العشرين التي تضم اقتصادات الدول المتقدمة والنامية الكبرى والتي تعهدت في اجتماعها الطارئ في نوفمبر بألا تخفض من حجم تجارتها. ودعا البنك مجموعة العشرين إلى تعزيز «الإجماع الهش» لصالح التجارة.
وقال رئيس البنك روبرت زوليك في بيان إنه لا يجب ان يعير زعماء العشرين اهتماما لدعوات الحمائية سواء بالنسبة للتجارة أو حزم التحفيز الاقتصادي أو خطط الإنقاذ. وقالت دراسة اعدها البنك إن الإجراءات الوطنية للدول حتى الآن تقيد الاقتصاد العالمي وسيكون لها تأثير محدود عليه، لكنها حذرت من أن الإجراءات الحمائية تمثل سياسة خطيرة تمت تجربتها من قبل وذلك أثناء الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.
وسعت دول كثيرة إلى حماية صناعاتها المحلية من الانهيار خلال الأشهر الماضية عبر فرض عدد متنوع من التعريفات الجمركية الجديدة وتقديم مساعدات حكومية. ومن المتوقع أن يشهد الاقتصاد العالمي انكماشا خلال العام الجاري للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت الولايات المتحدة وحكومات أخرى اقترحت إنشاء آلية تمويل جديدة للمساعدة في إحياء التجارة العالمية.
مخاوف متزايدة
ومع تزايد المخاوف المتعلقة بمستقبل الأوضاع الاقتصادية، قال رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه ان 2010 «قد تكون سنة انتعاش معتدل» إذا ما عادت الثقة في الأسواق والاقتصاد. وقال تريشيه «اعتقد مثل زميلي رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بن برنانكي ان سنة 2009 ستكون صعبة جدا» مضيفا «اننا في فترة لا يزال يلفها غموض كبير». وتابع «ثمة توافق عام بين جميع المؤسسات العامة والخاصة على ان 2010 قد تكون سنة انتعاش معتدل في النمو». لكنه لفت الى ان «هذا غير مؤكد مسبقا، بل يتوقف على عودة الثقة إلى السلطات وكذلك مواطنينا والشركات».
وتوقع جان كلود يونكر رئيس وزراء لوكسمبورج أن تزداد الأزمة المالية والاقتصادية الحالية تفاقما في أوروبا خلال الأسابيع المقبلة. وقال «أخشى أن تسفر الأزمة المالية والاقتصادية الحالية عن أزمة اجتماعية تتسم بأعداد هائلة من العاملين مما يعني خسارة في الدخل بالنسبة للكثيرين». ولم يستبعد يونكر أن تؤدي هذه التطورات أيضا إلى تراجع الثقة في النظام السياسي بشكل كبير مما قد ينتج عنه «مزيج انفجاري ذو تداعيات مأسوية على أوروبا».
وطالب يونكر بالمزيد من الإنفاق الحكومي على الإجراءات السياسية التي تستهدف تنشيط سوق العمل وقال «من الضروري جدا خلال الأشهر المقبلة أن يضخ المزيد من الأموال في تمويل العمالة الجزئية وإعادة تأهيل العمال، علينا أن نستغل الأزمة لتأهيل العمال بشكل أفضل».
وتوقع يونكر الذي يتولى أيضا رئاسة وزراء مالية مجموعة دول اليورو بصفته وزير مالية لوكسمبورج أن تؤتي هذه الإجراءات ثمارها واقترح إعادة النظر من جديد نهاية عام 2010 في مدى جدوى البرامج التي اعتمدتها العديد من الحكومات في أوروبا لتنشيط الاقتصاد وتحفيزه في مواجهة الأزمة وقال «علينا أن نترك فرصة لهذه البرامج لتحدث التأثير المرجو من ورائها، لسنا بحاجة الآن لبرامج إنعاش جديدة، علينا أن ننتظر حتى نهاية عام 2010 ثم ننظر فيما إذا كانت هذه البرامج قد أظهرت فعاليتها أم لا ثم البت في موعد أقصاه 18 شهرا من الآن في ما إذا كان من الضروري اعتماد برامج جديدة».
توقعات النمو
وخفض البنك الدولي توقعاته بشأن معدل نمو الاقتصاد الصيني لعام 2009 إلى 5. 6% من إجمالي الناتج المحلي على خلفية تراجع الصادرات والاستثمارات. وذكر البنك في تقريره ربع السنوي أن تأثير الأزمة المالية العالمية قد ساد وتضررت الصادرات الصينية بشدة، وتأثرت الاستثمارات والثقة في الاقتصاد وبخاصة في قطاع التصنيع.
وتوقع البنك الدولي في نوفمبر الماضي نمو الاقتصاد الصيني خلال العام الحالي بمعدل 5. 7%. لكن خبراء البنك المتواجدين في بكين يقولون إن الصين صاحبة أكبر دولة في العالم من حيث عدد سكان، مازالت «نقطة مضيئة» بالنسبة للنمو الاقتصادي في العالم مشيرين إلى أن تباطؤ نمو الاقتصاد لن يكون له تأثيرات اجتماعية، وهو أكثر ما يثير قلق الحكومة الصينية.
وقال ديفيد دولار مدير مكتب البنك الدولي في بكين الصين نقطة مضيئة نسبيا في ظل مناخ الاقتصاد العالمي القاتم. وأضاف أن تحويل الاقتصاد الصيني من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الاستهلاك المحلي يحتاج إلى مساعدات لتنشيط السوق المحلية في الوقت الذي يتم فيه وضع أسس نمو أكثر استدامة في المستقبل. وأشار التقرير إلى أن البنوك الصينية لم تتضرر تقريبا من الأزمة المالية العالمية التي ألحقت خسائر جسيمة بالعديد من البنوك الكبرى في العالم ولذلك فالصين لديها مساحة كبيرة للحركة من أجل تنفيذ برامج كبيرة لتنشيط الاقتصاد.
ولكنه حذر في الوقت نفسه من أن معدل النمو المتوقع، 5. 6%، يقل بكثير عن متوسط معدل نمو الاقتصاد الصيني طوال السنوات الماضية وهو ما يعني وجود قدر كبير من الطاقات الاقتصادية غير المستغلة في البلاد. وأظهرت أرقام حكومية معدلة بالنسبة للعام الحالي أن اقتصاد سويسرا سوف ينكمش بنسبة 2. 2% وأن الركود سيكون أسوأ من المتوقع. وتوقعت إحصاءات سابقة أصدرتها وزارة الاقتصاد السويسرية انكماش الاقتصاد بنسبة 8. 0% من إجمالي الناتج المحلي.
وأوضحت أخر التوقعات إلي أنه إذا حدثت انفراجة في الأزمة المالية العالمية فقد تشهد سويسرا نموا طفيفا يقدر بنسبة 1. 0 % خلال العام القادم مع استمرار تدهور سوق العمل. وقد استمر معدل البطالة في سويسرا في الارتفاع خلال الشهور الأخيرة وتجاوز معدل البطالة 4. 3 % وهذا يعد أعلى كثيرا من المعدلات التي سجلت في الأعوام السابقة. وكانت وزارة الاقتصاد السويسرية قد أعلنت في مطلع هذا الشهر أن الاقتصاد انكمش خلال الربع الأخير من العام الماضي وأظهرت الأرقام المعدلة أن الاقتصاد انكمش أيضا في الربع الثالث من العام الماضي مما يضع سويسرا رسميا في دائرة الركود.
وكان قطاعا الاستثمارات والصادرات الأشد تضررا في الربع الأخير مما ساهم في الانكماش. وتراجعت الاستثمارات الدائمة بنسبة 1. 3 % و تراجعت الصادرات من البضائع والخدمات بنسبة 1. 8 %. ويذكر أن الشريك التجاري الأول لسويسرا الاتحاد الأوروبي يعتبر رسميا في حالة ركود مما يؤدي إلى انخفاض الطلب على المنتجات والطلب على الخدمات.
وأعلن مسؤول في الوزارة أن تراجع الصادرات والاستثمارات كان العامل الأساسي وراء التوقعات المعدلة. وعدل البنك المركزي أيضا من توقعاته بالنسبة للمستقبل الاقتصادي حيث توقع انخفاض بنسبة 5. 2% في إجمالي الناتج المحلي خلال العام الحالي ولكنه مثل وزارة الاقتصاد أعرب من أمله في العودة لتحقيق معدل نمو معتدل خلال العام القادم.
تنسيق المواقف
ويريد القادة الأوروبيون رص الصفوف قبل اجتماع مجموعة العشرين للمطالبة بإصلاح حقيقي للنظام المالي والتصدي للضغوط الأميركية. وقال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو إن رهان مجموعة العشرين في لندن في الثاني من أبريل هو أن تتحدث الدول الأوروبية والمفوضية الأوروبية بصوت واحد.
وأوضح «اعتقد انه ليس من الحكمة التحدث عن خطط أخرى قبل البدء بتطبيق خططنا». وأضاف علينا إلا نأتي كل يوم بخطة قبل تطبيق الخطة التي تم المصادقة عليها. آمل في أن يكون هناك توافق بيننا. وأبدت الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي تحفظا بشأن الدعوات الأميركية إلى مزيد من الإنفاق مشددة على ضرورة سيطرة أوروبا على العجز العام. وقال نائب رئيس الوزراء التشيكي المكلف الشؤون الأوروبية الكسندر فوندرا علينا أن نوضح للأميركيين أننا نقوم باللازم لتحقيق إنعاش.
وتقدر المفوضية الأوروبية جهود الاتحاد الأوروبي للإنعاش ب400 مليار يورو لعام 2009 و2010، أي 3. 3% من إجمالي الناتج الداخلي. إلا أن البعض يرى أن هذا الرقم غير دقيق لأنه لا يشمل فقط الخطط الوطنية للإنعاش بل أيضا زيادة النفقات الاجتماعية في أوروبا مثل تعويضات البطالة الناجمة عن الأزمة الاقتصادية. ولذلك ترى الولايات المتحدة وأيضا دول داخل الاتحاد الأوروبي مثل بريطانيا والعديد من النواب الأوروبيين انه لا بد من مضاعفة الجهود. لكن دول الاتحاد الأوروبي تعجز عن الاتفاق على خطة استثمار موحدة في البنى التحتية اقترحتها المفوضية الأوروبية بقيمة خمسة مليارات يورو.
وتزايدت الدعاوى لإصلاح مؤسسات التمويل الدولية. ويعتزم رئيس الوزراء التايلاندي أبهيسيت فيجاجيفا تقديم اقتراح بإزالة القيود على القروض التي يقدمها البنك وصندوق النقد الدوليين للدول النامية التي أضيرت من الأزمة المالية العالمية وذلك خلال قمة العشرين. وقال أبهيسيت إنه يجب على البنك وصندوق النقد الدوليين مساعدة اقتصادات الأسواق الصاعدة دون شروط. ومن المقرر أن يشارك رئيس الوزراء التايلاندي بصفته رئيسا لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» في قمة لندن لكبرى الاقتصاديات العالمية.
ومن بين الموضوعات المتوقع التطرق لها خلال قمة لندن، دعوات بأن يتضاعف على الأقل التمويل الطارئ الذي يقدمه صندوق النقد الدولي إلى 500 مليار دولار حيث تعرض لتزايد طلبات القروض في غمرة الأزمة الاقتصادية العالمية. وكانت تايلاند طلبت الى صندوق النقد الدولي تقديم خطة إنقاذ في عام 1997 مع بداية الأزمة المالية الآسيوية، لكن برنامج الإنقاذ جاء بالكثير من الشروط المؤلمة وغير المقبولة سياسيا على المستوى الشعبي كالحد من الإنفاق المالي واشتراطات بخفض عدد البنوك والشركات المالية في تايلاند. وشكت الكثير من الاقتصادات الآسيوية من أن صندوق النقد ومقره واشنطن لا يطبق الشروط نفسها في الأزمة المالية الحالية التي اندلعت في الولايات المتحدة.
وقال تشالونجفوب سوسانكارن وهو وزير مالية تايلاندي سابق وعضو بارز في معهد أبحاث التنمية التايلاندي يقوم صندوق النقد حاليا بشيء يختلف تماما عما فعله عام 1997. وقال تشالونجفوب عندما جاءوا إلى هنا عام 1997 وضعوا كل أنواع الشروط لكنهم الآن يقولون للدول المتقدمة خذوا أموالنا وحسب. وقال أبهيسيت إنه سيقترح أيضا بأن تحدد الدول الأعضاء في مجموعة العشرين التي تشكل أكثر من 80% من الاقتصاد العالمي، أهدافا محددة للإنفاق المالي. وأوضح بدون تحديد هدف، فإنه لن يتم التوصل إلى أي نتيجة واضحة، وفيما عدا ذلك، يمكننا الحديث فقط دون إتمام أي شيء.
روسيا تدعو لبديل عن الدولار
تتضمن حزمة الاقتراحات التي يتقدم بها الرئيس الروسي إلى زعماء دول مجموعة العشرين الذين سيلتقون في الثاني من أبريل، إيجاد بديل عن الدولار الأميركي كعملة احتياط عالمية. ولأن غالبية البلدان تبني احتياطاتها المالية على أساس النقد الأجنبي، وخصوصا الدولار الأميركي، فإن روسيا تقترح زيادة أمانة العملات التي تتكون الاحتياطات المالية منها، بعدة طرق منها طريق توسيع قائمة العملات التي يمكن اعتمادها كعملة احتياط أو طريق إنشاء عملة احتياط «فوقية» ليست لها هوية وطنية أو قومية وتصدرها وتطبعها مؤسسات مالية دولية.
وأوضح دميتري دفوركوفيتش، مستشار الرئيس الروسي للشؤون الاقتصادية، أن موسكو تدعو إلى مناقشة فكرة إنشاء عملة خاصة بصندوق النقد الدولي، مثلا، كعملة احتياط عالمية. واعتبر محللون أن روسيا تريد إحلال عملة جديدة محل الدولار كعملة احتياط عالمية. ويرى يفغيني فيودوروف، رئيس لجنة السياسة الاقتصادية بمجلس النواب الروسي، أن المقصود إيجاد عدة عملات احتياط إقليمية يكون الروبل الروسي إحداها. واعتبر بعض المراقبين أن روسيا اتجهت لمهاجمة الدولار حيث عبر وزير ماليتها ألكسي كودرين قبل أيام عن شكوكه في استقرار العملة الأمريكية.
وقالت «وول ستريت جورنال» الأميركية إن روسيا أدهشت المحللين الأجانب الذين يتتبعون تطورات الوضع في أسواق العملات، بتثبيت أسعار عملتها الروبل في السوق المحلي. وتوقع المحللون الأجانب أن يواصل الروبل الروسي انخفاضه أمام الدولار واليورو من جراء انخفاض الإيرادات التصديرية، وخصوصا عائدات الصادرات النفطية. غير أن الحاصل هو تباطؤ وتيرة انخفاض الروبل منذ يوم 23 يناير وصولا إلى توقفه عن التراجع مقابل الدولار واليورو أخيرا. وليس هذا فحسب، بل شهد يوم 16 مارس ارتفاعا للروبل أمام الدولار.
