أوصى تقرير البنك الدولي حول تأثير الأزمة العالمية على الدول النامية بأن تتعلم تلك الدول من دروس الماضي إذا أرادت الخروج من الأزمة بسلام. وقال التقرير إن احتمالات التدهور الاقتصادي العالمي لفت الانتباه إلى تشديد السياسات المالية على أن تكون وسيلة لتخفيف آثار التراجع الاقتصادي. غير ان تاريخ الدول النامية في استغلال الوسائل المالية وقت الأزمات ليس جيدا بالكامل بسبب ضعف المؤسسات المالية والدور المحدود لوسائل الاستقرار الآلية وعدم سهولة الوصول إلى تمويل للتوسعات فيما سبق.

وقال التقرير إن من أهم الدروس المستفادة من التجارب السابقة هو أن صناع السياسات لابد أن يأخذوا في الاعتبار تلك الحقائق قبل اتخاذ أي خطوات. فأول خطوة هي أن تكون السياسة المالية المتبعة تتناسب مع الصدمة الاقتصادية. فان سرعة وقوة التراجع في النمو سوف تختلف من دولة نامية إلى أخرى ويتوقف هذا الاختلاف على اعتماد الدولة على التجارة والاستثمار الخارجي. وبالتالي ينبغي على الدولة أن تقيّم بعناية ما يتوقع أن يحدث من تأثيرات عليها لتجنب أي استجابة غير ضرورية.

كما يجب على الدولة النامية بحث استغلال الوسائل والأدوات المالية. ولابد لصناع السياسات التنسيق بين السياسات المالية والنقدية. وفي كثير من الدول لا تزال البنوك المركزية تتمسك بسعر فائدة مرتفع ومعدل التضخم معتدل مما يفيد أن هناك مجالاً لاتخاذ إجراءات تيسير تقليدية. غير أن صناع السياسة يجب أن يتنبهوا إلى أن تيسير السياسات المالية ينطوي على مخاطر أيضا تشمل الضغوط على سعر الصرف وفقدان القدرة على محاربة التضخم في الدول ذات التاريخ المتميز بعدم استغلال الأدوات النقدية.

ومن جانب آخر لابد من الاستمرار في تمويل التوسعات المالية وإلا سوف تؤدي الإجراءات التحفيزية إلى نتائج عكسية وارتفاع معدلات التضخم إذا كانت الدول تقترض بمعدل مرتفع نسبة الدين الحكومي. والحكومات ذات الفائض القوي هي التي تستطيع الاستجابة بشكل ايجابي مع تداعيات الأزمة.

ولابد أن تكون الاستجابة للازمة بالسياسات المالية إما قابلة للتراجع أو يحتمل أن تعود بنتائج ايجابية على المدى الطويل. وهذا الأمر حيوي لضمان الاستقرار طويل المدى في سياسات المال والدين وألا تتعرض للخطر بفعل ارتفاع النقد حسب الدورة الاقتصادية. والمشاريع التي تقوم بدور صمامات الاستقرار الآلية هي إحدى السبل لتحقيق هذا الهدف. مثلاً برامج الرعاية العمالية في الأسواق ذات الأجور المتدنية سوف تجذب من يشاركون في المشكلة لكن هذا لن يستمر عندما تتحسن الأوضاع الاقتصادية.

ومن الوسائل الأخرى لتقليل الخطر الناتج عن تراكم الدين العام هو زيادة الإنفاق في المجالات التي يحتمل أن تفيد النمو على المدى الطويل. مثلاً رد فعل الصين على الأزمة الاقتصادية الآسيوية في 1998 كان ناجحاً بفعل رفع الإنفاق على مشاريع البنية التحتية التي كان عليها طلب محلي قوي. والإنفاق على الرعاية والضمان الاجتماعي بنفس الصورة يكون حيوياً في المجالات التي تؤدي إلى تجنب انخفاض الإنتاجية على المدى الطويل.

والتوسع المالي يجب أن يكون في الوقت المناسب لكن مع التروي ودون اندفاع. ومن أجل تقليل احتمالات ضياع المال وارتفاع الاحتيال والنصب لابد لصناع السياسة عدم التسرع في رفع الإنفاق العام. ولابد أن يدرسوا التوسع في البرامج القائمة قبل تمويل المشاريع الجديدة. وينطبق هذا على الدول النامية التي تكون فيها القدرة على تقييم المشاريع الجديدة ومراقبتها محدودة.

ويعتمد نجاح الاستجابة المالية للازمة على كيفية تطبيق هذه الاستجابة. فعندما يكون هناك مناخ من تراجع النمو وارتفاع التضخم فان رفع الإنفاق على المشاريع العامة سوف يكون أكثر فاعلية في تحفيز الطلب من التخفيضات الضريبية المباشرة حيث يتم ادخار نتائج الخفض الضريبي أكثر من إنفاقها في المجالات الاستهلاكية.

وفي الدول النامية ذات القطاعات غير الرسمية الكبيرة هناك مشكلة إضافية هي أن الخفض الضريبي وتحويلات الضمان الاجتماعي لن تصل إلى العائلات الفقيرة والشركات. وبالتالي فان برامج الإنفاق العام سوف تذهب سدى وترتفع الفوارق الطبقية ويزداد التوتر الاجتماعي. ولابد أن تكون السياسة المالية في هذا المناخ مفصلة على الخصائص المعلومة لاقتصاد البلد المعني. وفي الدول النامية لم تكن السياسات المالية أداة فعالة في الاستجابة للازمات الاقتصادية في الماضي ولذلك لابد أن تأخذ تلك الدول في اعتبارها الدروس المستفادة من الأزمات السابقة.

(الوكالات)