قال رئيس البنك المركزي الأميركي بن برنانكي إن أكثر ما يقلقه هو أن يسحب النواب والناس دعمهم لتلك الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في النظام المصرفي المزعزع. ويقول محللون إن البنوك المالية لديها موجودات مشكوك فيها بقيمة تريليوني دولار.

ووعدت الإدارة الأميركية ببرنامج من 500 مليار دولار لتنقية الحسابات المصرفية لكنها تعول أيضا على رؤوس الأموال الخاصة. وقال الرئيس الأميركي باراك اوباما إن من المرجح انه ستكون هناك حاجة لمزيد من الأموال لإصلاح البنوك المثقلة بالديون.

وفي المقابل، قال مستشارون في الإدارة الأميركية إن إنشاء هيئة عامة لاستعادة الديون المشكوك في تحصيلها كما حدث في الثمانينات خلال أزمة صناديق الادخار في الولايات المتحدة، سيكون «حلا أخيرا». وأوضحوا أن وزارة الخزانة تفضل إنشاء آلية تتيح للبنوك بيع هذه الأصول ليس إلى القطاع العام وإنما إلى القطاع الخاص الذي يمكن أن يحصل على نوع من الضمانة المالية من الحكومة.

ورأى بن برنانكي أن الولايات المتحدة ستتخلص من الركود الاقتصادي في نهاية 2009 وأن الانتعاش الاقتصادي سيبدأ مع حلول 2010. وأضاف أن المصارف الأميركية الكبرى لن تعلن إفلاسها متفائلا بإمكانية استيعاب تداعيات الأزمة الاقتصادية خلال الصيف المقبل.

وتوقع بن برنانكي أن يبدأ الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة مع بداية العام المقبل بعد أسوأ أزمة منذ عقود. وقال «سنشهد نهاية الانكماش على الأرجح هذه السنة وسنشهد الانتعاش بداية السنة المقبلة. وسيتسارع مع مرور الوقت».

وأقر برنانكي بان سوق العمالة ستشهد مزيدا من التدهور وان نسبة البطالة ستتخطى 1. 8% التي أعلنت في فبراير، لكنه أوضح انه يرى بعض المؤشرات التي تنبئ بمرحلة أفضل، بدون الإفصاح عن المزيد.

وشدد على القول «اعتقد انه إذا ما توصلنا إلى استقرار النظام المالي، سنرى تراجعا بوتيرة اقل، قبل حصول الاستقرار الذي سيكون أساسا للانتعاش». وتبدو هذه التصريحات مطمئنة فيما أكثر من نصف ال4. 4 ملايين وظيفة التي ألغيت في الولايات المتحدة منذ بدء الأزمة في ديسمبر 2007، فقدت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.

وتتقاطع تصريحات برنانكي مع تصريحات اثنين من كبار المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي باراك اوباما دافعا فيها عن تحرك الإدارة لإنقاذ القطاع المصرفي، مؤكدين أن الولايات المتحدة ستخرج منتصرة من «الحرب الاقتصادية». وقالت كريستينا رومر التي ترأس فريق المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض «على صعيد الإنقاذ المالي فعلنا الكثير»، مضيفة «أنها حرب اقتصادية. لم نربح بعد لكننا خضنا معركة جيدة».

وأوضحت أن وزير الخزانة تيموثي غايتنر سيعرض «قريبا جدا» حلا لتخليص البنوك من قروضها المشكوك في تحصيلها. ومن جانبه، قال لورانس سامرز مدير مجلس الاقتصاد القومي للبيت الأبيض إن الحكومة ستقدم خطة مساعدة للمؤسسات الصغيرة بالتعاون مع القطاع المصرفي. وأوضح أن ذلك «سيزيد تدفق القروض على المؤسسات الصغيرة وهو قطاع حيوي ينقصه الاقتراض ما أسهم في ارتفاع البطالة».

وعلى الجبهة المالية أراد برنانكي الذي تسعى فرقه لتحديد حجم الأزمة المصرفية وإيجاد حل لها، توجيه رسالة ايجابية. وقال إن المصارف الأميركية الكبرى «لن تشهر إفلاسها» فيما تقوم الحكومة بدراسة حساباتها في مسعى لتحديد حجم الأضرار التي تسببت بها الأصول المريبة خلال الطفرة العقارية وإعادة رسملتها.

لكنه اعتبر أن على السلطات التصدي للوضع في حال الضرورة من خلال تفادي الإفلاس وإرغام المؤسسات على إعادة هيكلتها بطريقة منظمة. ودعا أيضا إلى عملية «ضبط أكثر صرامة للمؤسسات الكبرى» وإقامة هيئة ضبط تملك القدرة على «مراقبة النظام بكامله».

ورأى رئيس الاحتياطي الفدرالي أن الخطر الأكبر على الاقتصاد في الوقت الراهن هو «انعدام الإرادة السياسية وانعدام الإرادة لإيجاد حل لهذه المشكلة وترك الأمور تواصل مجراها». وهي رسالة موجهة على ما يبدو إلى أولئك الذين يعتبرون أن النظام المالي امتص ما يكفي من الأموال العامة وانه حان الوقت الآن لترك الأمور لعملية انتقاء طبيعي.

وفي المقابل اعتبر برنانكي ان الولايات المتحدة «قد نجت من خطر» حصول انهيار كبير شبيه بالانهيار الذي وقع بعد انهيار البورصة في 1929. وقال «اعتقد أننا تجاوزنا ذلك وان المشكلة الآن هي تشغيل الآلة الاقتصادية بطريقة صحيحة». إلا أن رئيس الاحتياطي الفدرالي اعترف بأن النظام المالي العالمي كان «قريبا جدا» من الانهيار في الخريف الماضي.

وكرر برنانكي القول «كان قريبا جدا من الانهيار» مشيرا إلى أن الكونغرس لم يسمح للحكومة بإعادة رسملة المصارف إلا قبل أيام من أسوأ لحظات الأزمة في أكتوبر 2008. وخلص إلى القول «كان وضعا في غاية الخطورة».

وأضاف برنانكي أن الانخفاض «سوف يبدأ في الاعتدال وسوف نبدأ في الشعور ببعض التحسن ولن نعود إلى كامل الطاقة ولكن لدي أمل بأننا سوف نشهد نهاية هذه الانخفاضات التي اشتدت حدتها في أخر ربعين من العام». وأضاف «لن نعود إلى التوظيف الكامل. ولكن أتعشم أن نرى نهاية لهذه التراجعات التي كانت قوية جدا في الربعين الأخيرين من العام».

وتعرضت جهود الحكومة لمكافحة الأزمة لانتقادات مع هبوط أسواق الأسهم وارتفاع معدل البطالة حتى في الوقت الذي تدخلت فيه السلطات مرارا لتعزيز شركات مثل مجموعة التأمين «ايه آي جي». ومازال النظام المالي هشا على الرغم من خطة إنقاذ للنظام المصرفي يبلغ حجمها 700 مليار دولار وافق عليها الكونغرس في أكتوبر الماضي.

ولا تزال المخاوف قائمة بشأن الكيفية التي سيتم من خلالها صرف أموال التحفيز الاقتصادي. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «ايه آي جي»، التي تلقت عشرات المليارات من الحكومة الأميركية لإنقاذها، ستدفع هذه السنة 450 مليون دولار علاوات للمسئولين عن أنشطتها المالية، هؤلاء الذين كانوا وراء خسائرها التاريخية البالغة 3. 99 مليار دولار العام الماضي.

واسترسلت الصحيفة في نشر المعلومات التي كانت أوردتها وسائل إعلام أخرى. وهذه العلاوات مخصصة للمسؤولين في فرع «ايه آي جي فايننشال بروداكتس» اللندني، الذين تسببوا بتدهور ثم تأميم الشركة العالمية الأولى في مجال التامين، عندما وقعوا عقودا تحمي المستثمرين من خطر عدم تسديد الاستثمارات المشكوك فيها.

وكتب وزير الخزانة الأميركي تيموثي غايتنر إلى رئيس المجموعة ادوارد ليدي الذي عينته الحكومة في سبتمبر بعد شبه إفلاسها ليعبر له عن امتعاضه من هذا الوضع، بحسب الصحيفة. وأثارت هذه العلاوات بداية جدل في الولايات المتحدة. ووصف المستشار الاقتصادي الرئيسي في البيت الأبيض لورانس سامرز سلوك «ايه آي جي» في حديث مع شبكة «ايه بي سي» التلفزيونية بأنه «فضيحة».

وقال «ان الكثير من الامور الفظيعة حصلت خلال الأشهر ال18 الماضية، لكن ما حصل لدى ايه آي جي هو الفضيحة الأكبر». من جهته، قال ليدي مع اعترافه بان دفع هذه العلاوات «غير مستساغ وتصعب التوصية به»، انه لا يمكنه سوى المضي قدما لأسباب قانونية.

ولا يزال القطاع المصرفي يشكل مصدر قلق في معظم أنحاء العالم. وفشلت أحدث جولة من المحادثات بين ممثلين عن الحكومة الألمانية و المستثمر الأميركي كريستوفر فلاورز الذي يمتلك 24% من أسهم مصرف هيبو ريال ستيت الألماني المتعثر للقروض العقارية.

وقالت متحدثة باسم صندوق الإنقاذ الحكومي «سوفين» عقب انتهاء هذه المحادثات «لم يتم التوصل بعد لاتفاق بين المسئولين الحكوميين وممثلين عن المستثمر كريستوفر فلاورز بشأن نسبة الأسهم التي ستحصل عليها الحكومة لقاء الكفالات والمساعدات المالية التي أنقذت بها البنك من الإفلاس.

وتسعى الحكومة الألمانية للسيطرة الكاملة على المصرف المتخصص في منح القروض العقارية والذي حصل حتى الآن على كفالات مالية بقيمة 87 مليار يورو (112 مليار ونصف دولار). ويرى فلاورز أن اكتفاء الحكومة بالحصول على أغلبية 75 سهما زائد سهم واحد يعطيها السلطة المناسبة للحفاظ على أموالها المستثمرة في البنك.

ويأمل فلاورز من خلال الاحتفاظ بأسهمه في تعويض خسائره بعد تعافي البنك وعودة أسعار أسهمه للارتفاع. واقترح بعض المعنيين إقناع فلاورز بالمشاركة في البنك بالأسهم التي يملكها وتحديد سعر مناسب لهذه الأسهم.

وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد أكدت في وقت سابق أن حكومتها لن تشتري أسهم البنك إلا بسعر السوق وهو ما يعني 87. 0 سنتا للسهم حسب سعر الإغلاق نهاية الأسبوع الماضي في حين أن فلاورز دفع 5. 22 يورو للسهم في بداية اندلاع الأزمة المالية العالمية وهو السعر الذي كان يعتبر زهيدا آنذاك.

وقال وزير المالية الألماني بير شتاينبروك إنه غير متعاطف مع فلاورز الذي يتخذ من نيويورك مقرا له وإن دافعي الضرائب في ألمانيا غير مطالبين بتحمل المخاطر الاستثمارية التي عرض فلاورز نفسه له. كما رفض شتاينبروك اقتراح فلاورز شراء الأسهم بسعر 3 يورو لكل سهم. ويحتاج المصرف المتعثر إلى نحو عشرة مليارات يورو بشكل فوري كرأس مال إضافي غير أن الحكومة ترهن تدخلها لمساعدة البنك المتعثر بالموافقة على خططها لإصلاح البنك.

(الوكالات)