الابتكارات والأفكار المبدعة هي وليدة الواقع. والبحث كفيل بفتح أبواب مغلقة تخفي وراءها تفاصيل غنية لتشكل لاحقاً مادة مبدعة. محمد سعيد حارب بحث في مجتمعه وفتح الأبواب وأبدع، وكانت النتيجة «فريج» المسلسل الكرتوني الذي خرج من عباءته الإماراتية ليملأ كافة المنتجات من قرطاسيات ومواد غذائية.. الخ بعلامته التجارية.

فريج أول مسلسل ثلاثي الأبعاد في الشرق الأوسط يصور حياة أربع مواطنات كبار في السن «عيايز» يطرحن في يومياتهن قضايا تخص المجتمع والمرأة بأسلوب بسيط ومبتكر، ينطلق من الإمارات ليصل إلى كافة دول المنطقة، ليصبح من أبرز العلامات التجارية الناجحة، والتي أثبتت قدرتها على منافسة الأفلام الكرتونية الأخرى والبروز كعلامة إماراتية. ويعد هذا الموضوع بداية لسلسلة من الحوارات القادمة التي سيطرحها «البيان الاقتصادي» في صفحاته المتخصصة.

بداية المشوار: كتيب من ست صفحات بعنوان «مغامرات العيايز» شهد ولادة شخصيات المسلسل الكرتوني «فريج» الذي ابتكره الشاب الإماراتي محمد سعيد حارب خلال دراسته للإعلام العام والرسوم المتحركة في الخارج عندما طلب البروفيسور منه في عام 1998 ابتكار شخصيات كرتونية من واقع البيئة التي يعيشها فاختار العنصر النسائي وبالذات الكبار في السن اللواتي أصبحن الشخصيات الرئيسية في مسلسله لاحقا.

في الستينات كانت هنالك قصة نجاح وصمود عندما كان الأجداد يذهبون للغوص لمدة تتراوح ما بين 4 إلى 6 شهور وقام الإعلام في الفترة القليلة الماضية بتسليط الضوء عليهم وعلى الشقاء الذي كانوا يعانونه، ولكن في الوقت ذاته هنالك قصص من نوع آخر وتتمثل في شقاء الأم والجدة في البر حيث كانت هي المسؤولة عن تربية الأولاد ونشأتهم وتدريسهم، وكانت تدخل السوق للعمل فيه كبيع السمك والخضار إن دعت الضرورة. هذه القصص لم تأخذ حقها الكافي من الإعلام ومنها جاءت فكرة تسليط الضوء عليهم.

شخصيات «فريج»

ومن جهة أخرى تتميز المرأة الإماراتية والخليجية بشكل عام بمظهر خارجي مميز فهي الوحيدة التي تلبس البرقع، ومن حيث المضمون فهي حكيمة وأصيلة. ومن هنا تكونت الشخصية الأولى التي اختلقها محمد تيمنا بجدته التي كانت تتمتع بالحكمة وتحب الشعر والأمثال وكذلك شرب القهوة، وتمثل هذه الشخصية معظم السيدات الإماراتيات.

ومن ثم تكونت الشخصيات الأخرى وهي التي تعتبر شاذة نوعا ما.. أم خماس الشخصية الكوميدية المشاكسة والتي يعتبرها محمد الأقرب إلى قلب الجمهور.. أم علاوي التي تتميز بمعرفتها الواسعة في الكمبيوتر واللغات وحملها باستمرار لكمبيوترها النقال (اللاب توب).. أم سلوم الشخصية الهادئة التي نادراً ما تتحدث وتعرف بنسيانها المتواصل وتمتلك طيبة لا مثيل لها. وعن الشخصيات الثانوية يؤكد محمد انه يتم إدخالهم بحسب الضرورة، وهناك المزيد منهم خلال المواسم القادمة وذلك كنوع من التجديد.

ويظن محمد انه ليس من المجزي دخول شخصيات رئيسية أخرى للمسلسل، حيث ان الجمهور احتاج إلى بعض الوقت لمعرفة هذه الشخصيات. ويعلل محمد اختيار أصوات رجالية لتقليد الشخصيات بأن عالم الرسوم المتحركة يختلف عن عما نحن نتصوره فعلى سبيل المثال لا الحصر معظم أصوات الأطفال الذكور التي نسمعها في المسلسلات الكرتونية تعود لسيدات.

وبالنسبة لشخصية المرأة العجوز، فقد قام فريق فريج بتجربة أداء لأكثر من 50 صوتاً لاختيار الأفضل من بينهم، ولوحظ من خلال الأداء أن أصوات الشباب مطابقة أكثر نظراً لاحتوائها على رخامة صوت المرأة العجوز، ويؤكد محمد أن الاختيار النهائي يتم لما هو في مصلحة سير العمل.

مشوار الصعوبات

كانت الصعوبات التي واجهها محمد متنوعة وعلى مراحل عدة خلال السنوات الثلاث الماضية قبيل الحصول على الموافقة النهائية لتمويل المسلسل الكرتوني أولها الإقناع وجمع المال اللازم لمثل هذا المشروع الذي يكلف الكثير من المال، ويقول محمد لم تكن مسألة إقناع المسؤولين والجهات الإعلامية كالتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى بالأمر السهل، فعلى سبيل المثال ما الذي يدفع التلفزيون لدفع مبالغ طائلة في حال انه قادر على شراء مسلسلات كرتونية مدبلجة وبأسعار رخيصة.

ومن الجانب الآخر كان علي الحصول على آراء حول المشروع، فقمت باستبيان لـ 6000 طالبة من جامعات دولة الإمارات، ومما شجعني وزاد من عزيمتي تقبلهم للفكرة وطرحهم المزيد من الأسئلة عن الشخصيات ومتى سيعرض المسلسل. وبعد الحصول على التمويل، بدأ مشوار محمد مع أسرة فريج في إعداد الأفكار وكتابتها في حلقات باللغة العربية وترجمتها باللغة الأجنبية لاحقاً وفي هذه الفترة يتم تسجيل ثلاث حلقات متتالية خلال ثلاثة أيام، ويتم وضع شروح للجمل والكلمات حيث ان تركيب الأصوات والشخصيات الكرتونية تتم خارج الدولة وبواسطة أفراد لا يتحدثون اللغة العربية. وبعد ذلك تدمج الأصوات بالصور على أشكال متقطعة، ويتم تجميعها وتكون الصور غير ملونة.

وبعد الانتهاء تبدأ مراحل أخرى ومعقدة تدخل في إنشائها محمد إلى أن يتم إعداد الحلقة وتسليمها بشكل متفاوت للتلفزيون. وتستغرق كل حلقة ما يقارب مدة الشهر وتكلف ما يزيد على نصف مليون درهم. ووصف محمد أن العملية برمتها متعبة ولكنها تتوج بعد عرض الحلقات على شاشة التلفاز. لم يتوقع محمد في بادئ الأمر أن يلاقي المسلسل هذا النجاح الساحق إلا بعد ظهور الحلقة الأولى حيث استبشر خيراً بالردود الايجابية وتابع: انتقل «فريج» من مسلسل كرتوني ناجح إلى حركة تراثية، وبدأ يؤثر بشكل إيجابي على المجتمع فأصبح الأطفال يحفظون الأمثال الشعبية ويتعلمون أكثر فأكثر عن ماضيهم، وهذا ما يحتاج إليه الطفل بالأساس.

فريج والمرأة

يركز محمد على القضايا التي تهم المرأة والمجتمع بشكل عام، ويسعى خلال المواسم القادمة لطرح أفكار وقضايا بنفس الوترية وبلغة مبسطة. ويرى محمد أن للمرأة دوراً أكثر ريادة في الوقت الحاضر، وأصبح الإعلام يهتم بإنجازاتها أكثر من السابق، ومن هنا يستهدف محمد الفئة العمرية ما بين 18 و 35 من السيدات، ومع أن المسلسل لجميع الفئات العمرية إلا أن هنالك سبباً لاستهداف المرأة.

حيث انها تعتبر المؤثر الرئيسي على الزوج والأخوة في الأسرة أو المنزل، وهي من أكثر الفئات مشاهدة للتلفاز، كما أنها الوسيلة التسويقية الأكثر فعالية على الأفراد. ومن الناحية التجارية فهي التي تهتم بالهدايا والألعاب التي تخص الأطفال ودائماً ما تبادر بالشراء لأطفالها وصديقاتها وفي المناسبات الاحتفالية، ولهذا جعل محمد أغلب كتاب الحوار والسيناريو من السيدات.

المنافسة بسيطة

لا ينفي محمد وجود منافسة بين «فريج» و «شعبية الكرتون» باعتبار أن كلا الإنتاجين من الكرتون وهما على الصعيد المحلي، ولكنه في الوقت ذاته يعتبرها بسيطة حيث ان المسلسلين يعرضان في وقت متزامن بحيث يستطيع الجمهور مشاهدة المسلسلين دون أن يؤثر أحدهما على الآخر، ومن جهتها تتميز شعبية الكرتون أنها من فئة ثنائية الأبعاد وتستهدف الفئات الشابة على عكس الذي يعد فريج من الفئة ثلاثية الأبعاد والموجهة للمرأة والأسرة.

تواجد الشخصيات الكرتونية المحلية عالميا دليل تطور الصناعة الكرتونية

أكد محمد سعيد حارب الفلاحي أن وصول الشخصيات الكرتونية الإماراتية إلى الخارج يعكس مدى تطور هذه الصناعة، ومن جهة أخرى أشار الفلاحي إلى ان المنتجات التي تحمل شعار الشخصيات الكرتونية لمسلسل فريج فاقت 400 صنف، وأكد على أنها ستصل لغاية 600 منتج بنهاية العام الجاري. وتختلف قيمة العلامة التجارية لفريج فمن من المتعارف ان تبلغ ما بين 3 إلى 30% من سعر المنتج، فعلى سبيل المثال لا الحصر العلامة التجارية لفريج في المواد الغذائية تتراوح بين 5 إلى 10%، وفي أقراص الفيديو تقدر بنحو 20% من سعر المنتج.

أكد الفلاحي ان صناعة المنتجات والألعاب تساند الشخصية الكرتونية وتسوقه للوصول إلى العالمية بالإضافة إلى العمل المتواصل والعمل على خلق مسلسلات تناسب تلك الأسواق العالمية، التي تقسم بحسب ما ذكره الفلاحي إلى أسواق وهي الآسيوية، والأوروبية، والأميركية.

هدفنا جعل المسلسل علامة تراثية ترفيهية

أكد محمد سعيد حارب مخرج المسلسل الكرتوني«فريج» وصاحب الفكرة ان هدفه الرئيسي جعل فريج علامة تراثية ترفيهية، وقال: فريج لم ينته واننا مستمرون في تطويره بشكل عام، وخلال السنوات الثلاث الماضية أعلنا عن دبي لاند وصممنا المدينة الترفيهية واكبر حديقة ترفيهية في المنطقة، كما قمنا للمرة الأولى بترجمة فريج وعرضه كأول مسلسل إماراتي في قناة أجنبية.

كما أن العلامة التجارية للمسلسل متعاقدة مع 19 شركة إضافة إلى دبي لاند، وتقوم تلك الشركات في الوقت الراهن بصناعة ما يزيد على 400 منتج يحمل هوية فريج التجارية، ومؤخراً عرضنا أضخم إنتاج عربي مسرحي. وأضاف: لدي الكثير من الأفكار ولكن السوق يتغير وتتغير بذلك متطلباته مع الوقت، ففي السابق كنت الأول عند دخولي هذا المجال والآن برزت جهات أخرى.