تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، افتتح صباح أمس سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون المؤتمر العلمي الدولي الرابع بأكاديمية شرطة دبي والذي يتناول الجوانب الأمنية القانونية والاقتصادية والأمنية للازمة المالية الراهنة وينتهي المؤتمر غداً.

بدأ المؤتمر بكلمة افتتاحية لسمو الشيخ ماجد رحب فيها بالفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي، وبالعميد الأستاذ الدكتور محمد احمد بن فهد مدير أكاديمية شرطة دبي والعلماء والخبراء والباحثين وبالحضور جميعا، معربا عن سروره لحضور الجلسة الافتتاحية لهذا المؤتمر العلمي المهم، مثنيا على أكاديمية شرطة دبي لاختيارها هذا الموضوع الحيوي المهم الذي يفرض نفسه على الساحة العالمية حيث قال سموه: تعتبر الأكاديمية شرياناً متدفقاً للعطاء في التعليم والتدريب والبحث العلمي، وفي التلاحم بينها وبين المجتمع المدني في الإمارة وفي الدولة، وفي التواصل بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الشقيقة والدول الأجنبية الصديقة.

وأضاف سموه جاء هذا الاختيار ليكون امتداداً للعطاء المتدفق الذي اعتادت إمارة دبي على تقديمه للعالم أجمع من خلال المبادرات الإنسانية والعلمية والبحثية العديدة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كما انه يكشف عن الرؤية الاستشرافية لهذه الأكاديمية المتميزة في تجاوبها السريع مع المشكلات الراهنة، ويسير في ذات الخطى التي تسير فيها الإمارة والدولة، ويتفق مع تلك الرؤية الثاقبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يدعو دائماً إلى الاهتمام بالعنصر البشري والعمل على حل كافة المشاكل التي تواجهه بما يحقق له الرفاهية، ويضمن له الحياة السعيدة.

ومن جانبه تطرق القائد العام لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان رئيس المؤتمر في كلمته إلى الأسباب الحقيقية للازمة العالمية حيث قال في كلمته: لقد قرأْتُ فيما قرأْتُ أن مشكلةَ الأزمةِ العقاريةِ بدأتْ عندما أقبلَ الأميركون على شراءِ العقاراتِ بهدفِ السكنِ أو الاستثمارِ طويلِ الأجل، أو المضاربة، واتسعت التسهيلاتُ العقاريةُ إلى درجةِ أَنَّ المصارفَ مَنَحَتْ قروضاً حتى للأفراد غير القادرين على سدادِ ديونِهم. والحقيقةُ أن الناس هنا في الإمارات اتجهوا بسرعة إلى البنوك وبتشجيع منها على الاقتراض لنفس الغايات العقارية أو الاستثمارية، وروجت البنوك بشكل لم يسبق له مثيل للطريق المبسطة والسهلة والمريحة في حالة الاقتراض منها ووضعت الشمس في كف، والقمر في كف للكثير من البسطاء من الناس، وحرضتهم وحثتهم وشجعتهم على الاقتراض.

وحول دور شرطة دبي لمواجهة الأزمة العالمية أضاف القائد: كان لزاماً علينا في شرطة دبي، ونحن نلمس طريقة الإقراض التي لا تراعى فيها الضوابط الضمانية والائتمانية أن نحذر من مغبة هذا التصرف، وبالفعل ناشدنا المصارف والبنوك مراراً وتكراراً وحذرناها من خلل قد يحدث لا قدر الله، إلا أن رجال المصارف والبنوك نظروا إلينا كرجال شرطة لا دخل لهم في الأمور المالية ونعتونا بأننا ندس أنوفنا في ما لا يعنينا ؟ كانت هذه وجهة نظرهم ؟ أما نحن فقد كنا ندرك أن الآثار السلبية ستقع على الناس، وأن الناس سيلجأون إلى الشرطة في نهاية المطاف، وهذا ما يحدث الآن. أما على الصعيد الرسمي فقد طالبنا بأن تكون هناك إدارة حكومية مهمتها إدارة المخاطر المالية والاقتصادية وتقدمنا بهذا الاقتراح رسمياً في 2 يناير 2007م، أي قبل عام ونصف تقريباً من حدوث الأزمة المالية، إلا أن هذا الاقتراح لم يلتفت إليه.

ومن ناحية أخرى أشار العميد أ.د محمد احمد بن فهد أمين عام المؤتمر في كلمته التي ألقاها أمام الحضور أهداف المؤتمر وأهميته التي تنبع من تواجد صفوة من العلماء والمتخصصين في المجال الاقتصادي والقانوني والأمني في هذا المؤتمر لمناقشة وإيجاد حلول علمية للازمة المالية العالمية والخروج بعدد من التوصيات والنتائج التي يمكن أن تساعد صانع القرار أيا كان موقعه على وضع هذه التوصيات في الاعتبار على نحو يساهم في علاج الأزمة أو التخفيف من آثارها.

وأضاف أيضا: لقد أحاط هذا الإعصار المالي العنيف بالعالم كله ولم تستثنى من أثاره دولة واحدة، وحاولت كل دولة أن تتخذ من الإجراءات ما يكفل لها تأمين اقتصادها ومؤسساتها المالية، وهو الامر الذي سارعت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة حيث قامت الدولة بإجراء مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية للدولة فور وقوع الأزمة، وانتهت إلى وضع خطة شاملة تمتد من ثلاثة إلى خمس سنوات لمواجهة الركود الذي كان متوقعاً في بداية الأزمة وأصبح حقيقة واقعة على الصعيد العالمي.

والى جانب هذه الإجراءات فقد سارعت حكومتنا الرشيدة إلى اتخاذ عدد من القرارات الاقتصادية والمالية منها ضمان عدم تعرض أي من المصالح الوطنية لأية مخاطر ائتمانية، وضمان عمليات الاقتراض فيما بين البنوك، وهو ما لم تفعله أي حكومة أخرى، وضمان توفير السيولة لدى المصارف برصد ما مقداره 120 مليار درهم من البنك المركزي، لتكون تحت طلب البنوك التجارية.

الى جانب ضمان ودائع المستثمرين من مواطنين وأجانب لدى المصارف الوطنية، وهو أمر كفيل بجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية إلى المصارف الإماراتية باعتبارها ملاذاً آمناً للاستثمار أيًّا كانت جنسيته، وإذا كان بعض الحكومات قد حذا حذونا في ضمان ودائع المستثمرين، فقد جعلوا لها سقفاً، أما حكومتنا الرشيدة فلم تضع سقفاً محدداً لحجم الودائع المضمونة، وعندما حذت ايرلندا حذونا، رأينا كيف أن رأس المال البريطاني اتخذ طريقه إليها عبر الفالق المائي، ذلك أن ضمان الودائع بدون حد أقصى يمثل أفضل الضمانات للاستثمار المالي.

ونوه العميد الفهد إلى انه على الصعيد الاقتصادي فقد اعتمدت الدولة سياسة تنويع مصادر الدخل والدليل على ذلك هو تحقيق طفرة كبيرة في مجال السياحة والعقارات والخدمات، فضلاً عن القطاعات الأساسية كقطاع الصناعة الذي بات يمثل 17% من الناتج القومي. ولفت أمين عام المؤتمر إلى أن ما يزيد من ثقة الدولة في اقتصادها هو أن تقارير وكالات التصنيف والتقييم الدولية مثل «مورجان ستانلي» «ومودي»، و«استاندرد آند بورس» قد أشادت بقدرة هذا الاقتصاد على مواجهة الأزمة.

وختم العميد الفهد كلمته بضرورة أن يؤتي المؤتمر بثماره لما سينتهي عليه من مقترحات فاعلة وحلول ناجعة تنعكس آثارها البناءة على محيطنا الإقليمي والدولي، خاصة مع وجود هؤلاء الصفوة المختارة من العلماء والباحثين الذين سيحاولون إضفاء مزيداً من التحليل العلمي لجذور هذه المشكلة الخطيرة، وكيفية الخروج منها بعد أن حارت الأفهام في معرفة أسبابها وتوابعها. حيث سيتناول المؤتمر في جلساته التي تتوزع على ثلاثة أيام بواقع ثلاث جلسات يوميا.

تناولت الجلسة الأولى من اليوم الأول للمؤتمر المحور الاقتصادي ، وناقشت دور الدولة في الأزمة المالية العالمية بين الايدولوجيا ومتطلبات الواقع العملي، والتأثيرات الإقليمية للازمة العالمية، والتأثير على أسواق المنازل، وتأثير الأزمة المالية الأسيوية على حيازة عقارات الشركات، أما الجلسة الثانية فتناولت المنظور الإسلامي للازمة المالية حيث ناقشت الجلسة الدين كسبب من أسباب الأزمة العالمية، والبديل الإسلامي للنظام الاقتصادي الرأسمالي، إلى جانب طرح قراءة اقتصادية إسلامية، أما الجلسة المسائية فقد دارت حول تشخيص الأزمة وتضمنت أراء لكبار المتخصصين في الشأن الاقتصادي.

يتضمن اليوم الثاني لجلسات المؤتمر في جلسته الأولى من صباح اليوم المحور القانوني حيث سيتم مناقشة عدة موضوعات منها: تأمين الديون، واندماج الشركات المساهمة، وحوكمة شركات المساهمة كإجراء وقائي للإفلاس، والحوكمة في البنوك العربية ودورها في مواجهة الأزمة المالية الراهنة، إضافة إلى الرقابة المالية وسيلة لتقويض الفساد المالي.

المحور الاقتصادي سيكون موضوع الجلسة الثانية لليوم الثاني للمؤتمر حيث ستتناول الجلسة اقتصاد دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة في ظل الأزمة المالية العالمية، وتأثر الأزمة على الأنظمة الاقتصادية القائمة على النفط في منطقة الشرق الأوسط، كما ستتطرق الجلسة إلى الاقتصاد العالمي وانهيار السياسة المالية، وتأثير ذلك على أسواق العقارات، وسيعقبها الجلسة الثالثة التي ستتناول المنظور الإسلامي للازمة المالية الراهنة، وستناقش مدى صلاحية النظام الاقتصادي الإسلامي كبديل للنظام الرأسمالي في قيادة الاقتصاد العالمي.

كما ستتضمن الجلسة المسائية علاج الأزمة والتي سيشارك فيها عدد من المحاورين في المجال الأمني والقانوني. جدير بالذكر أن المؤتمر العلمي الدولي الرابع لأكاديمية شرطة دبي سيختتم أعماله في السابع عشر من مارس الجاري.

النظام الإسلامي الأكفأ عالميا

نوه سعادة الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي رئيس المؤتمر إلى أن تداعيات الأزمة المالية العالمية نشرت الذعر في كل أرجاء المعمورة وأمسى رجال المال والأعمال في حيرة من أمرهم، وأرقت مضاجعهم، وهاهم اليوم يفكرون في بناء نظام مالي جديد، بعدما حملّت برلين وواشنطن مسؤولية الأزمة المالية العالمية وطالبتها بوضع قواعد مالية عالمية أقوى لتنظيم الأسواق المالية وتطالب دول أخرى بأن يكون لها إسهامات ومشاركات في وضع هذه الضوابط.

ولفت سعادة الفريق إلى أن دول الخليج كانت ولا زالت وستظل لها ودائع في المصارف الغربية عموماً والبنوك الأميركة بشكل خاص، وطالب رئيس المؤتمر بضرورة إسراع الدول العربية النفطية بتدارك تداعيات هذه الأزمة وان يكون لها دوراً هاماً في صياغة النظام المالي الجديد لما يضمن ودائع الدول العربية في تلك المصارف التي تثبت فشلها في حفظ الأموال المودعة في العديد منها.وكشف سعادة القائد العام عن حقيقة هذه الأزمة المالية العالمية التي تجاهلها الكثير من البشر ألا وهي أن النظام الإسلامي هو النظام الأكفأ والأكثر قدرة على توخي المخاطر والانهيارات والإفلاس، وهو النظام الذي يجب أن نوسع دائرته لنقلص من حدة الأزمة المالية.

قضايا أمنية واقتصادية وإعلامية في ختام المؤتمر

يتناول اليوم الثالث من المؤتمر المحور الاقتصادي الذي سيندرج تحته عدة قضايا موضوعة للنقاش منها الأزمة المالية العالمية وعدم الانضباط المصرفي، وتصدير الأزمة المالية إلى الخارج أو ما يعرف بالعدوى المالية ودور السياسات المالية في الدول النامية لمواجهتها، وتأثر الأزمة على شركات الطيران العربية. الجلسة الثانية من اليوم الثالث ستتناول المحور الأمني وستناقش التداعيات الأمنية للازمة المالية، والمواجهة الأمنية للجرائم الناشئة عن الأزمة المالية. كذلك سيشهد اليوم الختامي المحور الإعلامي والذي سيتناول الإعلام الالكتروني وأثره على الأزمة المالية، ودور الإعلام المرئي والمسموع وأثره في الأزمة المالية الراهنة.

دبي قدوة للعالم

أكد سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم في معرض كلمته الافتتاحية على أن إمارة دبي أصبحت اليوم قدوة للعالم أجمع في مشاركته لهمومه، والمساهمة الفاعلة في حل مشاكله، حيث بات الكثير من الدول يتخذ منها نموذجاً في التخطيط السليم والإستراتيجية المدروسة لمواجهة مشاكل المستقبل.

لذلك سعت أكاديمية شرطة دبي باعتبارها احد أهم المؤسسات العلمية والأمنية على مستوى المنطقة إلى تنظيم هذا المؤتمر الذي يتناول الجوانب الأمنية والقانونية والاقتصادية، والتي تعتبر داء الأزمة المالية العالمية الراهنة الذي يجب البحث عن علاج سريع له، لذلك يسعى هذا المؤتمر إلى تشخيص الأسباب التي أدت إلى وجود الأزمة العالمية وتفاقم آثارها على الاقتصاد العالمي.

وبيان التوقعات المدروسة لهذه الآثار، والوصول إلى بعض المقترحات الفاعلة التي يمكن أن تساهم في وضع الحلول الفاعلة لها، أو على الأقل الحد من آثارها الضارة، مستعرضين ما اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة من أساليب ووسائل مدروسة لمواجهة هذه الأزمة حيث تضمنت تلك الإجراءات سياسات حكيمة وخطط بناءة، ساهمت بشكل كبير وفاعل في التقليل من الآثار الضارة لهذه الأزمة على الدولة واحتوت تداعياتها.

دبي ـ شيرين فاروق