لا ينكر أحد قيمة التقييمات أو التصنيفات الائتمانية التي توفر للمستثمر بوصلة التحرك واختيار الاستثمار أو المشروع الملائم له كما توفر له معلومات عن طبيعة العمل الذي سيضع فيه ماله. لكن هذه التقييمات من جهة أخرى باتت اليوم بحاجة إلى إعادة تقييم أو إعادة نظر فيها وكثر الحديث عن مدى مصداقيتها ومهنيتها في ظل أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة تستدعي من الجميع أقصى درجات الشفافية والموضوعية.

وقد لمسنا فعلاً أن بعض هذه التصنيفات والتقييمات كانت بعيدة أو على الأقل تبالغ في تقييمها لمؤسسات سواء سلبا أو إيجاباً الأمر الذي يطرح كثيرا من التساؤلات عن طبيعة المعايير التي تعتمدها هذه المؤسسات في تقييماتها المختلفة ونظرتها الفنية للمؤسسات الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بهيئة رقابية لتقييم عمل وكالات التقييم بعد أن برزت أخطاء في عمليات التصنيف التي قامت بها لبعض المؤسسات التي انهار بعضها بعد منحه تصنيفات ايجابية وفي ملف »البيان الاقتصادي« اليوم نتناول هذه القضية بالتحليل والدراسة وآراء كثير من الخبراء ونظرتهم لهذه التقييمات التي نشطت في زمن الأزمة وتسببت في بعض الأحيان بجدل عريض ونقاشات ساخنة لم تنته من قبل أصحاب المؤسسات والمستثمرين الأمر الذي يطرح ضرورة قيام وكالات التقييم إعادة النظر في طريقة عملها أو على الأقل بطرق التقييم باعتبارها عاملاً حاسماً في مصير كثير من الشركات.

لم يعلق بيتر باركر ـ هوميك الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة ) على تساؤل «البيان الاقتصادي» بشأن الفائدة المتحققة من تقييمات وكالات التصنيفات الدولية في مجال تيسير تمويل المشروعات والشركات في الوقت الراهن، وما إذا كانت هذه التقييمات باتت أقل قيمة في قيام الشركات برفع رؤوس أموالها اعتمادا على أسواق المال، ولكنه أكد على أن الشركة تمتلك قدرا من السيولة وتنظر إلى الاحتفاظ بموازين رأسمال احتياطي كافية بدرجة تمكنها من الصمود في مواجهة ظروف السوق الحالية، مشيرا إلى أن أوضاع السوق الحالية تتيح فرصا عديدة للتوسع، وأن الشركة تقوم بتقييم مثل هذه الفرص لتحدد الأكثر مواتية لمحفظتها الاستثمارية ورغم أن بيتر باركر ـ هوميك لم يشأ التعليق كذلك على سؤال حول تقييمه لمدى توافر السيولة لقطاع الطاقة على الصعيد العالمي، ولكنه أشار إلى أنه على وعي كامل بتصاعد تكلفة الاقتراض التي تعد واحدة من العوامل المأخوذة في الاعتبار ضمن تقييمات الشركة، مؤكدا على أنه ما زالت هناك العديد من الفرص الجاذبة، كما أن الشركة تمتلك قدرا من السيولة، وليست بحاجة إلى تمويل جديد في الوقت الحالي، وبالتالي، لن يكون هناك إعادة تمويل حتى منتصف 2010.

تدخل الحكومات

وتأتي هذه الأقوال على خلفية تقييمات ذائعة بأن تصنيفات وكالات التقييم الدولية لم تعد تقدم الكثير من العون في تمويل المشروعات في مجال الطاقة، وهو وضع أملى على حكومات دول منطقة الخليج ضرورة تصعيد تدخلها في تمويل المشروعات الرئيسية لتخفيف أثر انخفاض أسعار النفط، وتراجع النمو الاقتصادي العالمي الذي يحمل تداعيات سلبية بالنسبة لاقتصاديات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويضع مراقبون نصاب أعينهم على خطة شركة دولفين للطاقة لإصدار سندات، حيث أعلنت الشركة أنها بصدد ترتيب مرحلة ثالثة من تمويل مشروع دولفين للغاز خلال النصف الأول من عام 2009 لتحل محل التسهيلات التي تم ترتيبها عام 2005 ووصلت قيمتها إلى 45. 3 مليارات دولار خصصت لتمويل استكمال البناء في المشروع.

وأفادت الشركة في بيان صادر عنها ان المرحلة الثالثة ستستخدم لتسديد التكاليف الرأسمالية للمشروع خلال الفترة القادمة التي تتراوح بين 10 و15 عاما. وكشفت الشركة أنها عينت مطلع عام 2008 بنك اسكتلندا الملكي «آر بي إس» مستشاراً لتمويل المشروع من أجل التمويل الجديد. ولفتت إلى أن ما ذكر حول مبلغ التمويل الجديد غير دقيق. . مؤكدة أنه لم تتخذ حتى الآن أي قرارات بشأن قيمة أو طبيعة تسهيلات الإقراض في هذا الخصوص.

ويرى مراقبون أن هذه الصفقة ستمثل اختبارا لأسواق التمويل في عام 2009، لتحديد ما إذا كانت هذه الأسواق قد استعادت عافيتها، بعدما أحجمت البنوك عن تقديم التمويل في عام 2008، مخلفة وراءها قدرا كبيرا من المصاعب بخصوص تمويل مشروعات الطاقة، ولكن هناك قدرا من التفاؤل الحذر يرى أن هذه الأسواق بصدد التعافي خلال العام الجاري.

ونوهت مجلة ميد في عددها الصادر في يناير من العام الجاري إلى أن تمويل خط أنابيب دولفين يعد من بواكير الصفقات التي من المقرر إنجازها في العام الجاري والتي ستختبر بطرق عديدة نبض سوق التمويل، ونقلت المجلة عن بنك اسكتلندا الملكي «آر بي إس» المستشار المالي للصفقة تفاؤله بأن الصفقة سيتم إنجازها، إلا أنه أقر بأن الهوامش ستكون مختلفة عن التسعير الحالي البالغ 45 نقطة أساس فوق معدل الفائدة بين البنوك في لندن ( ليبور).

فترات صعبة

ومع أن صناعة تمويل المشاريع تمر بفترات صعبة دون أدنى شك، إلا أنه من السهل اكتشاف الحقيقة التي تشير إلى أنه لا يزال هناك نشاط في السوق، إذ إنه وتبعاً لمؤشر ميد عن مشاريع الخليج، تبلغ قيمة المشاريع المخطط لها أو ما زالت قيد التنفيذ في الخليج 5. 2 تريليون دولار، مما يجعل المنطقة واحدة من أكبر أسواق تمويل المشاريع في العالم وعلى الرغم من أن الفترة السابقة شهدت اتجاهاً سائداً لهذا النوع من الصفقات، فإن المشاريع الآن باتت تُصنّف حسب أهميتها، في الوقت الذي تحتل فيه قطاعات الطاقة والمياه الأولوية.

وفي الآونة الأخيرة، حصل مشروعان في الطاقة والمياه على التمويل المطلوب، وهما مشروع الشويهات 2 في أبوظبي الذي جمع قرضاً قصير الأجل بقيمة 900 مليون دولار في ديسمبر 2008، ومشروع رأس الزور الذي بلغت قيمة التمويل الكامل الذي جمعه 5. 5 مليارات دولار في السعودية.

ويشير مشروع رأس الزور إلى كيفية هيكلة الصفقات الآن في ظل السيولة المقيدة، وصعوبات ضمان تمويل دين طويل المدى، بعدما أصبحت البنوك أقل استعدادا للتعهد بتمويل المشروعات طويلة الأجل. وصار باديا أمام العيان أن أزمة الائتمان العالمية لم تضرب اقتصاديات منطقة الخليج حتى منتصف عام 2008، و لكن أعراضها طفت على السطح قبل ذلك بوقت طويل، وهو ما انعكس على عدم رغبة البنوك في تقديم التمويل للمشروعات الخليجية.

ووفقا لأحد العاملين في مجال البنوك والذي كان مشاركا في ترتيب صفقة تمويل في أواخر عام 2007، انهارت الصفقة بسبب تسعير الفائدة بزيادة 75 نقطة أساس على سعر الفائدة بين البنوك في لندن ( ليبور ) والذي اعتبرته البنوك سعرا منخفضا وغير مربح، ومع ذلك، لم يستغرق الوقت طويلا حتى ظهر جليا حجم الصعوبات التي تكتنف الأسواق في مجال تمويل الصفقات الضخمة الطويلة الأجل.

عدم اليقين

ويخيم على قطاع الطاقة مناخا ملبدا بغيوم عدم اليقين، فمنذ أقل من ستة أشهر مضت، وصل التداول على النفط إلى 147 دولارا للبرميل، وسط تأجج مخاوف المستهلكين إزاء الصعود المتواصل لأسعار النفط، وتزايد حدة مشكلة المنتجين في العثور على الخبرات اللازمة لتعجيل وتيرة تنفيذ المشروعات لمواكبة الصعود الضخم في الطلب على الطاقة، ولكن سرعان ما انحرفت الأسعار عن مسار الصعود لتنزلق إلى مستويات متدنية غير متوقعة.

ففي مطلع شهر ديسمبر 2008، تراجع سعر برميل برنت المؤشر المرجعي الأوروبي للنفط الخام إلى أقل من 40 دولارا للبرميل، وذلك في أعقاب إعلان واشنطن وصول معدل البطالة إلى أعلي مستويعلى مدى 15 عاما، وبالتالي، لم تعد المشكلة بالنسبة للدول المنتجة تتعلق كثيرا بمسألة العثور على المقاولين لتنفيذ المشروعات، ولكنها باتت تتعلق بمسألة الاتفاق على سعر يعكس بدقة الظروف العالمية المتغيرة.

وتخيم الظلال القاتمة على أفق الطلب العالمي على النفط، حيث تتنبأ وكالة الطاقة الدولية بأن الطلب العالمي على النفط قد تراجع في عام 2008، وذلك للمرة الأولي منذ عام 1983، وقدر تقريرها الصادر في ديسمبر 2008 بأن الطلب العالمي أنخفض في عام 2008 بمقدار 200 ألف برميل يوميا بالمقارنة مع عام 2007.

وتوقع أن يشهد الطلب العالمي على النفط المزيد من التراجع في عام 2009 ليبلغ 300 ألف برميل، وفي التوقيت ذاته، قدر التقرير الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن انخفاض الطلب العالمي على النفط في عام 2008 بلغ 50 ألف برميل يوميا، ولكنه تنبأ بانخفاض الطلب بمقدار 450 ألف برميل يوميا في عام 2009.

وقد أخفقت صفقات التمويل لمشروعات ضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية في مناطق رأس الزور وينبع ورابغ بالمملكة السعودية، وذلك أسوة بمشروعات مماثلة في صلالة بسلطنة عمان وقد ناضل مشروع الشويهات 2 لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه في أبوظبي حتى تمكن من إنجاز صفقة تمويله، حيث أدرك القائمون على التمويل فمع من المستحيل إنجاز قرض مجمع يزيد على مليار درهم في ظل المناخ المالي الحالي، وهو ما استوجب السعي إلى قرض قصير الأجل بقيمة 900 مليون دولار لتمويل المراحل الأولية من المشروع.

القرض المشترك

وبعيداً عن صعوبة إنجاز الصفقات، تبرز مشكلة أكثر أهمية وهي إيجاد بنوك قابلة لتشكيل قرض مشترك في المقام الأول. وفي حين أن الاقتصاديين تنبأوا بأن تكون شهية المصارف على تقديم القروض هذا العام أفضل على نحو هامشي مما كانت عليه في 2008، إلا أنهم أكدوا أن التمويل سيشهد عمليات تقييد عامين على الأقل.

ومع ذلك، دائماً ما تلقي مثل هذه الظروف الصعبة بفرص لمصادر بديلة للتمويل، مثل التمويل الإسلامي الذي تعرض لضربة أقل حدة على إثر تقييد السيولة وذلك بسبب انكشاف المصارف الإسلامية المحدود على القيمة المنخفضة للأصول العقارية.

بيد أن هناك علامات أولية تشير إلى تحسن السوق، ولكن من غير الواضح حتى الآن مقدار حجم نشاط سوق تمويل المشروعات الضخمة، ففيما يتنبأ بعض المصرفيين بتعافي السوق جزئيا في عام 2009، إلا أن النظرة المتشائمة تسود وجهات أغلب المصرفيين، ويعبر أحدهم عن هذا المنحى التفكيري بقوله «اعتقد أن الأمور في عام 2009 ستكون أكثر سوءا مما كان عليه الأمر في عام 2008».

وعلى الرغم من تصاعد تكلفة الديون إلا أن البنوك المحلية لم تمس بشكل كبير من جراء الخسائر الضخمة التي تكبدتها البنوك الدولية، وصار بعضها راغبا في تقديم القروض، خصوصا منذ قيام المضاربين بالمضاربة على سعر صرف الدرهم الإماراتي فقاموا بإيداع كميات من الدولارات خلال النصف الثاني من عام 2008، وقال أحد مستشاري تمويل المشروعات ومقره لندن «نحن نرى أنه المضاربة على سعر صرف الدرهم قادت إلى جعل البنوك المحلية راغبة في تقديم التمويل بعملة الدولار«.

إضافة إلى ما سبق، تبرز السيولة التي تمتلكها البنوك المحلية بالعملات المحلية، ويقول هنا سيمون إليستون رئيس تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة لمنطقة الشرق الأوسط في مجموعة سيتي بنك» ما زالت هناك سيولة في بنوك دول مجلس التعاون الخليجي بالعملات المحلية .

ومن ثم ستحتاج المشروعات إلى النفاذ إلى مصادر تمويل متنوعة العملات بغرض الحصول على المزيد من السيولة، ومازلنا نتلقى طلبات تقديم الاستشارات، وبالتالي، نحن ما زلنا نتوقع عاما جيدا، ولكن من المتوقع أن تكون شديدة الانتقائية بشأن الصفقات التي ستوافق على تمويلها«.

دبي ـ مجدي عبيد