تطلق الحكومة السورية اليوم «الثلاثاء» رسمياً «سوق دمشق للأوراق المالية» بعد سنوات من الانتظار والتأجيل، وهي الخطوة، أو القفزة الأهم، في سلسلة الخطوات الاقتصادية على طريق تحرير الاقتصاد السوري من سيطرة الدولة، وتهدف الحكومة السورية من إطلاق البورصة، العمل على «تشجيع الاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال الصغيرة والمكتنزة بغية إنشاء مشاريع ضخمة وتنموية يتطلب تمويلها مصادر كبيرة من رأس المال»، بحسب ما أكد رئيس مجلس الإدارة في «هيئة الأوراق المالية» الدكتور راتب الشلاح ل«البيان».

وعلى الرغم من الأزمة الحادة التي تشهدها أسواق المال العربية والعالمية منذ أشهر، والتي أدت إلى انهيارات حادة لكبرى الشركات العالمية ودخول أهم الاقتصادات العالمية مرحلة الكساد، أصر المسؤولون السوريون على إطلاق عجلة «بورصة دمشق» بعد أن «أنجزت كل الاستعدادات اللازمة للسوق، سواء كان تشريعياً أو مؤسساتياً أو مادياً أو بشرياً».

ويراقب العديد من المحللين الاقتصاديين الذين وصفوا الخطوة ب«الجريئة» ما سيعكسه إطلاق البورصة من سلبيات على الاقتصاد السوري الذي تأخر عقوداً في الانخراط في نظام السوق، في مجتمع يفتقر إلى أدنى مقومات الثقافة الاقتصادية الحديثة.

وتسعى الحكومة السورية لتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي مستهدفة ما أسمته «نظام السوق الاجتماعي» من أجل التقدم في عملية التنمية على الصعد كافة، مستفيدة في الوقت ذاته من التجارب العديدة التي خاضتها الدول العربية الشقيقة في مجال إنشاء أسواقها المالية.

ومع افتتاح السوق اليوم، وتزامن هذه الخطوة مع الأزمة المالية العالمية، أكد رئيس مجلس الإدارة في «هيئة الأوراق المالية» الدكتور راتب الشلاح لـ «البيان» أن «مهمة سوق دمشق تكمن في تشجيع الاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال الصغيرة والمكتنزة بغية إنشاء مشاريع ضخمة وتنموية يتطلب تمويلها مصادر كبيرة من رأس المال»، موضحا ان «الدولة ممثلة بالحكومة، وهيئة الأوراق المالية وإدارة السوق تحرص على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة لجعل السوق أداة مهمة في دعم الاستثمار السليم والمضمون».

خطورة الخطوة

ولدى سؤاله عن خطورة انطلاق سوق دمشق في ظل الأزمة المالية أوضح الشلاح أن تعرض بعض البورصات لانهيارات كبرى لا يعني أن سوق دمشق سيتعرض لذلك، وشبه الوضع بحوادث السيارات التي تزهق أرواح العشرات كل عام.

موضحاً أن ذلك لم يؤد إلى الاستغناء عن السيارات وإنما إلى التشدد في وضع ضوابط وقوانين تتيح الاستفادة القصوى من الخدمات الكبيرة التي تقدمها هذه الآلة للإنسان مع تقليل سلبياتها للحد الأدنى، والأمر ذاته ينطبق على الأسواق، «فكون بعض الدول تعرضت لانهيارات كبرى في بورصتها نتيجة عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة من ضوابط تنظم السوق فهذا لا يعني أن سوق دمشق سيتعرض لذلك».

وحول المعوقات التي قد تحول دون انضمام الشركات الصغيرة للسوق قال الشلاح: «إن إدارة السوق عملت على إنشاء سوقين، السوق النظامية والسوق الموازية، ومن خلال السوق الموازية تم وضع شروط ميسرة جداً لتساعد الشركات الصغيرة على الانضمام على الإدراج في سوق دمشق.

ومنها ان يكون رأس المال مئة مليون ليرة سورية وعدد المساهمين مئة»، كما أوضح أنه تم وضع «شروط للربح والخسارة بحيث لا تتعدى الخسارة عشرة بالمئة في السنة الأولى»، وبرر الغاية من هذه الإجراءات بضرورة الرقابة والإشراف على هذه الشركات لتصبح أسهمها قابلة للتداول، ووصف هذه الإجراءات ب«المشجعة.. على العكس مما يبدو على أنها تشكل معوقات».

وفيما يتعلق بالشركات المساهمة أوضح الشلاح أنه تم وضع محفزات ضريبية، منها الضريبة بالنسبة للشركات التي طرحت 50 بالمئة من أسهمها على الاكتتاب العام، حيث تم تخفيض معدل الضريبة على الدخل إلى 14 بالمئة وهو أقل معدل على ضريبة الدخل في العالم.

بدوره قال المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية الدكتور محمد جليلاتي ل«البيان» إن احداث السوق «يرتبط بوجود الشركات المساهمة التي تمثل أحد الأقنية التي تقوم بتمويل الاستثمارات اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية»، موضحاً أن في سوريا الآن 365 شركة مساهمة، و65 شركة منها طرحت أسهمها للاكتتاب العام، وقال: «إن سوريا انتهجت في الفترة الأخيرة سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي وبالتالي أعطت القطاع الخاص دورا متزايداً».

وبين جليلاتي أن «إحداث السوق ضرورة حتمية نتيجة وجود الشركات المساهمة، كون من خصائص الشركات المساهمة إمكانية تداول الأسهم الخاصة بها بغض النظر عن الأزمة المالية العالمية».

تداعيات العاصفة

أما عن تداعيات العاصفة المالية على الاقتصاد السوري فأكد جليلاتي أن «هذه الأزمة تصيب سوريا كما تصيب أي بلد في البلدان النامية إلا أن درجة التأثر بالأزمة تختلف من دولة إلى أخرى نتيجة نسبة اندماجها في الاقتصاد العالمي»، موضحاً أن «السوق بحد ذاتها مرآة للاقتصاد الحقيقي، بالتالي إذا ما تأثرنا في مجال الركود الاقتصادي سوف يؤثر ذلك على القيم السوقية للأسهم المدرجة، ولكن هذا لا يعني أن لا نقيم السوق، بالعكس تماماً فإقامة السوق هي في مصلحة الاقتصاد السوري لأن إقامة السوق تدفع في تعبئة المدخرات».

وأوضح جليلاتي انه لدى وضع التشريعات التي تتضمن إحداث سوق دمشق للأوراق المالية تم دراسة تجارب الدول العربية الشقيقة والتعليمات الصادرة عن اتحاد فئات الأوراق المالية العالمية وتم أخذها بعين الاعتبار.

وتحدث عن عدة ضوابط ستحكم سوق دمشق لتحميه من الهزات التي من الممكن ان يتعرض لها وهي أولاً: وضع حدود سعرية بحدود اثنين بالمئة ارتفاعا واثنين بالمئة انخفاضا في اليوم الواحد، ثانياً: منع البيع الهامشي، ثالثاً: منع التداول على المشكوف بيعاً أو شراءً، رابعاً منع بيع الورقة المالية التي تم شراؤها بنفس اليوم. كما أشار إلى مجموعة من الإجراءات التي ستعمل إدارة السوق عليها أيضاً، ومنها القيام بحملة توعوية لدى المواطنين بهدف نشر ثقافة السوق.

طبيعة التطور

وبين جليلاتي ان طبيعة التطور الاقتصادي والاعتماد على القطاع الخاص تتطلب بشكل أساسي إقامة سوق للأوراق المالية سواء بوجود أزمة مالية عالمية أو عدم وجودها، مضيفا «أن الأزمة العالمية الآن تفرض علينا الإسراع في إحداث السوق والإقلاع به، حتى نزيد استثماراتنا ونساهم في زيادة معدلات النمو، لذلك لا بد من ضخ المزيد من الاستثمارات حتى نستطيع ان ننافس المنتجات الأجنبية والخدمات الأجنبية في مجال السلع والخدمات».

وقال جليلاتي إن المهمة الأساسية للسوق تكمن في جذب الاستثمارات العربية الموظفة في الخارج بعدما تبين لهؤلاء المستثمرين عدم وجود الضمان الكافي لاستثماراتهم في الخارج، بالإضافة إلى تهيئة المناخ الاستثماري المناسب، وزيادة الاستثمارات وتعبئة المدخرات على مستوى المواطن الفرد وعلى مستوى رجال الأعمال وعلى مستوى المؤسسات، والمساهمة في إعادة توزيع الدخل القومي من خلال توسيع قاعدة الملكية في الشركات المساهمة.

ونفى جليلاتي أن يكون اتفاق الشراكة السورية الأوروبية المزمع التوقيع على صيغته النهائية قبل نهاية العام الجاري، يتطلب وجود سوق للأوراق المالية، وقال ان التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق الشراكة الأوروبية قد تم في السنة الماضية، ولم يكن هناك وجود للسوق، واتفاق الشراكة لا يتضمن في بنوده أي بند يتطلب وجود سوق للأوراق المالية في سوريا.

وبين جليلاتي أن التداول في بورصة دمشق سيقتصر على يومي الاثنين والخميس مؤقتاً، على أن يصبح خمسة أيام في الأسبوع مع نهاية العام الجاري بزيادة عدد الشركات المتوقع إدراجها في البورصة.

وحول عدد الشركات التي تم إدراجها حالياً كشف جليلاتي أن عدد الشركات المساهمة التي أدرجت بشكل نهائي في سوق الأوراق المالية بدمشق وصل إلى ست شركات، إضافة إلى وجود أربع شركات سيتم إدراجها خلال شهر أو شهرين بعد أن تستكمل إجراءات التسجيل، وتوقع جليلاتي وصول عدد الشركات المدرجة بالسوق إلى عشرين شركة بحلول نهاية العام، موضحا أن عدد الشركات التي أدرجت في بعض الأسواق العربية في الدوحة ولبنان في بدايتها لم تكن تزيد على عشرة أو خمس عشرة شركة.

دمشق - أحمد كيلاني