تعيش الشركات الأوروبية في مأزق عميق حيث تصل ديونها إلى 801 مليار دولار في العام الجاري أي أعلى من ديون الشركات الأميركية بمقدار الثلث. وهناك شركات كبيرة مثل ساب السويدية وكيموندا الألمانية على وشك الإفلاس. وتشكل أسهم الشركات المثقلة بالديون لعنة على الآخرين.

وطلبت شركة ليوندل بازل الهولندية الحماية ضد الإفلاس لحماية عملياتها في أميركا الشهر الماضي، بعد 14 شهرا من شراء ليوندل للكيماويات في أميركا مقابل 19 مليار دولار.

وساهم سقوط بنك ليمان براذرز في أغسطس العام الماضي في دفع أوروبا نحو الهاوية. حيث تعثرت أسواق الأسهم وارتفعت تكلفة الديون وهبطت الثقة الاقتصادية. لكن الأزمة تثبت أيضا أن المشكلات الاقتصادية في أوروبا تدفع إلى الهبوط كما يحدث في الدول الأعضاء في الاتحاد من تراجع الصادرات الألمانية إلى مشكلات أوروبا الشرقية إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي في فرنسا الى مشكلات العقارات في بريطانيا وايرلندا وأسباني. ويقول ليو ابوثيكر رئيس تنفيذي شركة اس ايه بي الألمانية إن الأزمة تؤثر على العالم أجمع بهذا العنف.

وفي الوقت نفسه ليس هناك حكومة بمفردها تستطيع وضع خطة إنقاذ فردية. فقط البنك المركزي الأوروبي له صلاحيات على اقتصاد المنطقة بكاملها ولديه أدوات اقتصادية أقل من المتاحة للبنك المركزي الأميركي. وقبل تنفيذ العملة الموحدة الأوروبي كانت دولة مثل اسبانيا تستطيع ترك عملتها تهبط لجعل صادراتها أكثر جاذبية للدول الأخرى. لكن هذا الخيار ليس متاحا الآن.

لكن على العكس تضطر الشركات الآن إلى خفض الأجور لرفع القدرة التنافسية. ويقول فرناندوبالابريجا أستاذ الاقتصاد في كلية الدراسات التجارية في برشلونة إن الناس لا يعرفون أن الاتحاد النقدي يتطلب وسائل جديدة للتغلب على الكساد.

مصدر قلق

والمشكلات الأوروبية تمثل مصدر قلق كبير لمجمع الأعمال العالمي. الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لأميركا وأكبر مستورد للصادرات الأسيوية بعد أميركا. ولاتزال أوروبا سوقا حيوية لشركات مثل جنرال الكتريك وبروكتر آند جامبل وتويوتا موتورز وسوني وهوندا موتورز وآلاف الشركات متعدد الجنسيات الأخرى. وأغلقت شركة هوندا موتورز مصنعها في بلدة سويندون البريطانية لأربعة أشهر.

وتقول فورد موتورز إنها سوف تسرح 850 موظفا وعاملا في مصانعها في أنحاء بريطانيا بحلول مايو المقبل. وتسرح الكوا للألمونيوم مئات العمال الأوروبيين وتبيع عملياتها في ألمانيا والمجر وإيطاليا.

ولم يكن من المفترض أن تسير الأمور بهذا الشكل. فقد بني الاقتصاد الأوروبي على أساس الاستقرار وليس السرعة في النمو وكان صناع السياسة الأوروبيون ينتقدون الأميركيين ومصارفهم النهمة. وكان النمو البطيء هو الثمن الذي تدفعه أوروبا لحماية الوظائف واستمرار شبكة التأمين الاجتماعي الكريمة. وقالت مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي إن اقتصاد السوق الاشتراكي الألماني نموذج يحتذى.

وهي محقة إلى حد ما. فلم تعاني أوروبا من إخفاقات مصرفية مثل ليمان براذرز في أميركا. وفي الوقت الذي تعاني فيه بنوك بريطانية كثيرة من المشكلات فإن مؤسسات مثل بانكو ستاندارد الأسباني ودويتشه بنك الألماني في حال أفضل واستطاعت حتى الآن أن تتجنب الإنقاذ الحكومي. وفي غالبية الدول ترتفع معدلات البطالة تدريجيا لكن الإنفاق الاستهلاكي يثبت مرونته.

ادلة العقبات

غير إنه ليس من الصعب العثور على أدلة على العقبات والمشكلات الاقتصادية في أوروبا. فقد قام عمال من شركة رينو في فرنسا بإضراب احتجاجا على قرار بإغلاق خطوط إنتاج لعدة أسابيع في الشتاء الحالي.

وقاعات عرض سيارة فولكس فاجن سيروكو الجديدة خالية ولا عجب من أن مبيعات السيارات الأسبانية تراجعت بنسبة 40% في يناير العام الجاري مقابل نفس الفترة من العام الماضي. وهناك لافتات تدعو إلى تأجير المكاتب وبيع الشقق بما يعني كسادا في هذا المجال. ولم تصب الأزمة بشدة مدينة لندن، القلب المالي للعالم ، لكن متجر هابيتات للأثاث في بروملي هاي ستريت أغلق أبوابه وحل محله صالة العاب رياضية.

وقد يكون قطاع السيارات الأوروبي في مواجهة أسوأ فترة في تاريخه وهو يأخذ الكثير من المدن والبلدات في طريقه للهبوط. ولم تكن بلدة روسلشايم مقر أكبر مصانع أوبل تعج بالنشاط حتى من قبل الأزمة. وشهدت المدينة الواقعة على ضفاف نهر مين على مسافة 20 ميلا من فرانكفورت تخفيضات كبيرة في العمالة. ويقول مدير مقهى قريب يجب أن نصلي حتى لا تغلق مصانع أوبل.

ويختلف اقتصاد أوروبا عن أميركا. فالمستهلكون السعداء ببطاقات الائتمان في أميركا يزدادون عددا، لكن المحرك في الاقتصاد الأوروبي خاصة ألمانيا والدول الشرقية هوو الصادرات مما يجعل المنطقة عرضة للتراجعات في مجالات أخرى. ويتم تصدير ثلاثة أرباع السيارات التي تصنع في ألمانيا الى دول أخرى وغالبية الجزاء التي تستخدمها بي ام دبليو وفولكس فاجن تأتي من سلوفاكيا وبولندا وأماكن أخرى في أوربا الشرقية. التي تعتمد بدورها على المستهلكين من أوربا الغربية.

الازمة والفقراء

والأزمة أكثر إيلاما في الدول الأوروبية الفقيرة لأن نموها الكبير توقف على إقراض الشركات والمستهلكين من مؤسسات مثل ويونكريديت الايطالية وكوميرز بنك الألماني. والنتيجة ان بعض الدول تعاني من عجز في حساباتها المالية والجارية. في بلغاريا بلغ العجز أكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي. وطرحت البنوك في وقت الطفرة قروضا عقارية بأسعار فائدة بسيطة وقروضا أخرى باليورو والفرنك السويسري.

وعندما بدأت مؤسسات في المجر ورومانيا تسقط في الصيف الماضي ارتفعت تكلفة سداد تلك القروض بشكل صاروخي. وأكثر من نصف الديون المستحقة على بلغاريا ورومانيا والمجر بالعملة الصعبة وفق ما قاله مورجان ستانلي. وتفاقمت مشكلة الديون بمشكلة انخفاض الصادرات والإنفاق الاستهلاكي.. الأمل قائم:

ومع كل ذلك فإن أوروبا لديها ميزات تنافسية تفوق أميركا ويمكن أن تخرج من الأزمة الحالية بسرعة وبسبب سنوات الاستثمار الطويلة في الطاقة النووية والشمسية والرياح وتاريخ أوروبا الطويل في الحفاظ على الطاقة فإن القارة أقل عرضة للصدمة النفطية إذا وقعت مقارنة بأميركا الدين على المستهلكين أقل في غالبية الدول الأوروبية من أميركا مما يساعد في موازنة المخاطر على البنوك.

وتعني القواعد المحافظة في الإقراض أن البنوك الأوروبية خارج بريطانيا وايرلندا يمكن أن تستعيد قدرتها على الإقراض بسرعة أكبر من البنوك في أميركا. ويقول رئيس تنفيذي دويتشة بنك إنه سيكون لديه مزيد من الحرية للعمل دوليا عندما يرفض المساعدة الحكومية لأنه سيضمن عدم التدخل الحكومي.

وقد يعتمد مصير أوروبا مثل شركاتها على ما يحدث خارج حدودها. ولن تتعافى ألمانيا والدول الأوربية الشرقية الا إذا حدث تحسن في الطلب على السيارات والآلات من روسيا والشرق الأوسط وأميركا والصين. ولابد أن تنتظر بريطانيا وايرلندا استقرار أسواق المالي في الدول الأخرى. وعندما تبدأ الأزمة في مكان ما قد تنتهي في مكان آخر قبل أن تستعيد أوروبا صحتها الاقتصادية.

أشرف رفيق