أكدت إحدى الدراسات الطبية أن أكثر من ثمانية ملايين طفل يولدون سنويا وهم يعانون عيوبا خلقية.. وأن نصف هذه النسبة (4 ملايين طفل) يموتون قبل سن الخامسة، بينما يعاني بقية الأطفال من تشوهات جسدية وعقلية تظل ترافقهم طوال حياتهم، علاوة على التداعيات الاجتماعية التي تصيب الأسرة في حالة وجود الجنين المشوه..

وعلى الرغم من المحاولات العلمية للكشف عن هذه العيوب الخلقية فإن ما تم التوصل إليه من تقنيات يصاحبها مخاطر شديدة، علاوة على ارتفاع تكلفتها، ولكن في الفترة الأخيرة تمكن فريق من الباحثين بشعبة الهندسة الوراثية بالمركز القومي للبحوث من ابتكار تقنية مصرية جديدة تتفوق على الكثير من التقنيات الأخرى، وتتميز برخص تكلفتها، وحول هذه التقنية وكيفية الاستفادة منها في علاج العيوب الخلقية يدور هذا التحقيق..

بداية يؤكد د. عادل عاشور ـ أستاذ طب الأطفال والوراثة أن أغلب الأمراض الوراثية، ومن ضمنها التخلف العقلي والتشوهات الخلقية بسبب التحولات التي تحدث في الكروموسومات الموجودة داخل نواة كل خلية حية؛ لافتا أن اختلاف هذه الكروموسومات سواء بالزيادة أم بالنقص أو اختلافها في الشكل ينتج عنه أطفال مصابون بأمراض أو تشوهات خلقية معينة.

وقال إنه لو استطعنا أن نعرف ما إذا كان الجنين مصابا بهذه الأمراض أم لا يمكننا أن نتلاشى وجود أطفال مصابين بهذه الإعاقات التي تعد مزمنة يصعب علاجها في الوقت الحالي، وتتكلف مبالغ طائلة، علاوة على الضغط النفسي الموجود على الأسرة الذي ينعكس على المجتمع.

وفي هذا الصدد يشدد أستاذ طب الأطفال والوراثة على الاهتمام بعملية الفحص قبل الزواج، كونها تجنب مشاكل كثيرة، ويطالب أيضا بعمل فحوصات للمرأة أثناء فترة الحمل لاكتشاف الأمراض الوراثية مبكرا، وأيضا اكتشاف الأمراض الوراثية للأطفال فور ولادتهم لمن لم تقم بالتحاليل أثناء الحمل.

فصل الخلايا

بدوره يوضح د.أسامة عزمي - أستاذ الصحة الإنجابية أن تشخيص العيوب الخلقية أثناء فترة الحمل يتم من خلال طرق متعددة، ولكن هذه الطرق لا تصل في دقتها إلى درجة التأكيد النهائي، ومن بين هذه الطرق تحليل السائل الأمينوس رغم المخاطر التي قد تصاحب هذا التحليل مثل حدوث إجهاض، أو إصابة الجنين، وأحيانا تؤدي هذه الطريقة إلى إصابة الحامل بالتهاب داخل الرحم.

وعن التقنية التي تم التوصل إليها، وتعد الأحداث في هذا المجال يضيف عزمي: أمام المخاطر السابقة بدأنا نفكر في الوصول إلى طريقة أخرى أكثر أمنا، ولا يمكن أن تعرض الجنين لمثل هذه المخاطر، ويمكن اكتشافها في وقت مبكر، وكانت نقطة الانطلاق من نظرية طبية يعرفها الطب منذ أكثر من نصف قرن.

وتقول هذه النظرية «إن خلايا الجنين تكون موجودة داخل دم الأم، ولكن بنسبة قليلة»، ونظرا لأن الإمكانات لم تكن متاحة وقتها بالشكل الكافي لتحديد هذه الخلايا بسبب قلة عددها، علاوة على أنه لم يكن من السهل فصل هذه الخلايا، وتحديد ما إذا كانت تخص الجنين أم لا.

لكن - والكلام لأستاذ الصحة الإنجابية - فإنه مع المحاولات التي قمنا بها بالمركز القومي للبحوث استطعنا أن نتوصل إلى طريقة أتاحت لنا إمكانية فصل هذه الخلايا، وفصل الحمض النووي من دم الأم، وإكثاره، وتكسيره لمعرفة أي الكروموسومات وراء هذه التشوهات، وتحديد ما إذا كان خاصا بالأم أم الجنين أم الأطفال السابقين.

ورغم أن كل المراجع الطبية كانت تقول: إن الحمض النووي يختفي من دم الأم بعد الولادة بساعات قليلة إلا أن أستاذ الصحة الإنجابية يؤكد: وجدنا حالات لحمض نووي لأم كانت وضعت طفلا لديه مشكلة في الكروموسومات من أربع سنوات، وظل الحمض النووي للطفل بعدها بأربع سنوات، وقد تكون حالة نادرة ولكننا خرجنا من هذا أن الحمض النووي قد يوجد في دم الأم لفترة بعد الولادة، ومن هنا أصبح في إمكاننا تحديد الإصابة بالتشوهات الخلقية بمجرد أخذ عينة من دم الأم إذا كان هذا هو الحمل الأول لها.

أما إذا سبق للأم أن حملت فلابد من عمل تحليل كروموسومات تحسبا لأن تكون الأم قد حملت في فترة سابقة، وحدث لها إجهاض، أو إسقاط لهذا الحمل ما يعني إمكانية أن يكون الجنين السابق هو صاحب هذا الحمض النووي، بينما يكون الاتهام موجها إلى الحمل الحالي، وهو فيه بريء.

يضيف: إذا كان هناك أطفال آخرون وتم اكتشاف أن الحمل الحالي به مشكلة هنا يتم الحصول على الحمض النووي الخاص بكل طفل، ومطابقته بالحمض النووي الموجود في دم الأم فإن لم يطابقه يصبح الجنين هو صاحب هذا الحمض، علاوة على ذلك فإن هذه التقنية تتميز بقدرتها على الكشف عن المسؤول عن العيب الخلقي وهل هو الأب أم الأم؟، وذلك بواسطة أخذ عينة دم من الوالدين والجنين وهو ما لم يستطع تحليل السائل الأمينوس أن يكشف عنه.

العلماء يؤكدون

وعن مدى دقة هذه التقنية يقول د.وائل الجرف - أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث: هذه التقنية بالرغم من حداثتها إلا أنها على درجة عالية من الدقة، موضحا أن الأبحاث العالمية، أو الأبحاث التي أجراها الفريق البحثي المصري على هذه التقنية أظهرت أنها ذات حساسية عالية تصل إلى 100% تقريباً، بدءا من نهاية الشهر الثاني للحمل، وتقل هذه النسبة إلى 85% عندما يجري الاختبار في الشهر الأول، لأن كمية الحمض النووي تزداد مع تقدم الحمل، وبالتالي تتحسن، وتزداد دقة الاختبار أو الفحص.

وقال إنه يمكن إجراء الاختبار أو الفحص في فترة مبكرة من الحمل بعد 7 أسابيع، ولكنه يصبح أكثر دقة في نهاية الشهر الثاني للحمل حيث توجد كمية من الحمض النووي الحر للجنين في دم الأم، كما أن الحصول على النتائج لا يستغرق وقتا طويلا فخلال أسبوع واحد يمكن التعرف على تلك النتائج بكل دقة.

خدمة: دار الإعلام العربية