أكد عبد اللطيف الصايغ، الرئيس التنفيذي للمجموعة الإعلامية العربية، أن وسائل الإعلام أول المنتفعين من متانة اقتصاد الدولة، وأن لا فائدة حقيقية بوسع بعض تلك الوسائل أن تحصلها من خلال التهويل والترويع. واعتبر أن دورها، في المقابل، يجب أن يظل محورياً في بث نظرة التفاؤل ومسوغات مواجهة وتجاوز الأزمة، منتقداً دور بعض المؤسسات الإعلامية في ضخ أخبار تفتقر إلى الدقة عن دبي، وتحديدا مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها، مؤكداً أن على تلك الشركات ممارسة دورها الأخلاقي والمهني القائم على الشراكة والثقة.
وقال ان الأزمة فرزت الإعلامي المهني عن الإعلامي المدعي والذي يفتقد إلى المصداقية. وأشار الصايغ في حوار مع «البيان الاقتصادي» إلى أن «المجموعة الإعلامية العربية»، نفذت، مؤخرا، عملية إعادة هيكلة شملت تأجيل بعض المشاريع والتوسعات التي أعلن عنها في وقت سابق، «تماشياً مع واقع اقتصادي عالمي استدعى تأجيل بعض المشاريع بناءً على متطلبات اقتصادية» وحول الإنفاق الإعلاني أكد أنه لا يمكن التنبؤ بما سيحدث في هذا القطاع، سيما في ظل تحفظ المعلنين عن الإعلان عن خططهم في ظل الأزمة، والتي أكدت وكالات الإعلان إمكانية وضوحها خلال الشهرين المقبلين. وفيما يلي الحوار:
بدايةً.. ما الذي يجب فعله، وما الذي لا يجب فعله، اليوم في قطاع الإعلام، في ظل الأزمة؟ أعتقد أنه من المهم إشاعة نظرة التفاؤل، ودور الإعلام مهم جداً في هذه المرحلة. العالم يمر بمرحلة صعبة، ولكن لا يجب أن نكون سلبيين في مهنتنا حتى لا ننقل هذه السلبية إلى شريحة القراء، أو المستمعين، أو المشاهدين هؤلاء يعيشون حياتهم اليومية على وقع أخبار الإعلام، ويريدون أن يثقوا بأن المستقبل، أمامهم وأمام أبنائهم، ليس على ذلك القدر من الظلام. نحن قادرون على انتشال أنفسنا من هذه الأزمة. وكل يوم تبث وسائل الإعلام أخبارا تفاؤلية ومطمئنة وايجابية، يفوق عددها في بعض المرات السلبية، ولكن للأسف يتم التركيز على الأخبار السلبية، وخاصة المتعلقة في بعض الدول، وفي هذه الظروف بالذات يُعد دور الإعلام محورياً.
لكنك لا تقصد بطبيعة الحال التعميم؟
بالطبع لا، من الضروري توضيح أنني لا أعني بأي شكل من الأشكال من يعمل في قطاع الإعلام بمهنية عالية ويتقصى فعلا عن الحقائق ويحرص على نقلها بمصداقية. هؤلاء لا علاقة لهم بمستوى اللغط والعشوائية الحاصل. كما سيظل هناك تقدير للنوايا الحسنة التي تحرص على إعلام مهني في ظل قانون أنشطة إعلامية ينظم أمور المهنة ويعمل كقوة طاردة لمن لا يمتلكون هذه المصداقية.
الرد المقابل من هذه الشركات يكون في بعض المرات بالسؤال التالي: هل المطلوب تغيير الحقائق وطمسها.. ما رأيك؟
بالطبع لا أحد يطالب أي جهة إعلامية بطمس «الحقائق». ولكن عن أية «حقائق» نتحدث هنا. ما يقوم به بعض وسائل الإعلام ليس تقصيا عن «حقيقة»، بقدر ما هو استعجال في تنبؤات لا أحد يعرف مدى دقتها. كل ثانية يشهد العالم اليوم تغيرات، بحيث لا يمكن التنبؤ بما سيحدث، العملية ليست تغييرا للحقائق بقدر ما هي عدم معرفة بما يخبئه الغد، سيما في ظل ارتباط الاقتصاد المحلي بالعالمي.
ما يعني وجود تأثير مباشر. هنا، أدعو الشركات الإعلامية إلى البحث في عمق المشكلة عوضاً عن تسخير طاقاتها للبحث عن القشور. وأهمية دورها يكون أيضا في البحث عن حلول للمشاكل.
هل كان هناك بعض الأخطاء على مستوى إشراك عدد من الإعلاميين بمعلومات تصنف باعتبارها إستراتيجية، وتنحيتهم حالياً لأسباب إعادة الهيكلة، ألم يدفعهم إلى ردود فعل قد تكون «مؤذية»؟
نحن اليوم، وللأسف، لدينا بعض الصحافيين يعملون في صحف ومجلات ووسائل إعلامية مختلفة في الدولة بهدف تسريب معلومات غير دقيقة لجهات ووسائل إعلامية خارجية. وتشمل تلك المعلومات العديد من المغالطات والمهاترات. وأتساءل هنا، عما إذا كان العمل الإعلامي، تلك الرسالة السامية والنبيلة، أصبح ملاذا لممارسة أعمال أشبه ما تكون بالجاسوسية!
هل كذلك الوضع بالنسبة للإنفاق الإعلاني؟
الوضع ليس بذلك السوء. بينما العديد من المؤسسات الكبرى أقفلت. تغييراتنا شملت تأجيل بعض المشروعات وذلك وضع طبيعي. لابد من إعادة التفكير تجاه الوضع الراهن في العالم إلى أن تعبر هذه المرحلة ثم تعود الأمور إلى طبيعتها. والدليل على ذلك، استمرار الحياة اليومية للأفراد، فالناس مازالوا يتسوقون ويمارسون عاداتهم الاستهلاكية.
يراهن الجميع على دور «المجموعة الإعلامية العربية» في المشهد الإعلامي بالدولة، هل سيتم وضع خطط بديلة في ظل انخفاض مستوى الإنفاق الإعلاني؟
ما نحرص عليه اليوم، في المجموعة، بالدرجة الأولى، هو سرعة اتخاذ القرارات الضرورية لمواجهة الأوضاع المستجدة. وخلال اجتماعاتنا مع شركائنا في وكالات الإعلان تناقشنا في أمور كثيرة، ولا أدعي ملامح الوضع الراهن قد تحددت. ولا يمكن التنبؤ بما سيحدث في هذا القطاع. سيما في ظل تحفظ المعلنين عن خططهم في ظل الأزمة والتي أكدت وكالات الإعلان إمكانية وضوحها خلال الشهر الجاري أو المقبل. ونحن مازلنا متفائلين. أعود لأقول ان القطاع الذي شهد طفرة خلال السنوات الماضية سيشهد استقراراً.
إلى جانب ذلك، وعلى سبيل المثال، تجرى محادثات بين مؤسسات صحافية كبيرة حول التوافق في عملية شراء الورق والحبر والطباعة الأمثل، على غرار ما يحدث في الشركات العالمية. بحيث يمكن الوصول لصيغة موحدة من شأنها تقليل الإنفاق بينما يبقى باب التنافس مفتوحاً في المجالات التحريرية والإبداعية والفنية. وهذه دعوات لاقت صدى إيجابيا لدى المسؤولين، وأعتقد أن الوضع الراهن مهم لالتقاط الأنفاس والجلوس إلى طاولة النقاش والتباحث حول أمور مهمة في المجال الإعلامي.
كما يجب التفكير في مستقبل الصناعة بين مختلف الأقطاب سيما وأن هناك خارطة إعلامية جديدة في طريقها إلى الظهور. خارطة ستعمل على إقصاء الهواة، وستكون الفرصة سانحة لدخول نوعية منتقاة من اللاعبين في مجال الإعلام تعمل بمهنية ومصداقية. سيعمل على «فلترة» (تنقية) الوضع لصالحنا في المدى البعيد.
برأيك، هل هذه الفترة مناسبة لإطلاق كيان إعلامي تنظيمي؟
نعم، الفرصة مناسبة لإنشاء هيئة تنظيمية على هذا المستوى. سيما في تطوير مجال الأبحاث والإعلان. موضوع المؤشر التلفزيوني على سبيل المثال مهم جدا ويحتاج إلى البت فيه بأسرع وقت ممكن. وأتمنى من القائمين على صناعة الإعلام دعم هذا المشروع فهو ابن الصناعة وهم قادرون على رعايته والبدء في مشاريع أخرى. لابد من تباحث شؤون المهنة بين شركات الأبحاث والإعلان والإعلام للبت في عملية تنظيم المهنة والانطلاق نحو بداية جديدة.
الإعلام و«حبكة» الوظائف
تساءل رئيس المجموعة الإعلامية العربية عن أهداف بعض وسائل الإعلام بالمنطقة والعالم في ترويج افتراءات عن دبي في هذه المرحلة، متطرقا إلى موضوع الاستغناء عن الوظائف بالقول: خلال السنوات الماضية، في وقت الطفرة، كانت عمليات إعادة هيكلة الشركات لإداراتها مستمرة أيضا، هناك العديد من الشركات التي كانت تستغني عن موظفين أو تقفل أبوابها حتى. اليوم، مجرد الاستغناء عن الموظفين يُفسر بمشكلة اقتصادية، في حين أنه في مرات كثيرة يكون ناتجا عن تقييم ضروري لأداء الموظف.
وفي مرات كثيرة قد يتم الاستغناء عن بعض الوظائف التي قد لا يكون ممكناً إبقاؤها في ظروف محددة. نحن، كمجموعة إعلامية، أجرينا مؤخراً إعادة هيكلة شملت تعليق بعض المشاريع التي كنا ماضين بها.
التماشي مع واقع اقتصادي عالمي ضرورة تستدعي تأجيل بعض المشاريع بناءً على متطلبات اقتصادية. ولكن للأسف، هناك من يتربص بالأزمات، بل من يبحث عنها. وفي أي اقتصاد، معدلات نموه تكون سريعة، ينمو بسرعة لابد من حدوث وقفات، أحيانا، من أجل التقصي والبحث ومراجعة التجربة.
«لا نحتاج إلى إخفاء أي شيء»
رد الصايغ على سؤال حول قيام بعض الإعلام الغربي وحتى الإقليمي، مؤخرا، بالتطرق إلى الوضع في دبي، تصدير عناوين هذا الإعلام بعبارات تشبه «عناوين حرب» أو اكتشاف «الاسرار الخطيرة»، بالقول: في الإمارات، لا نملك ما نريد أن نخبئه أو ندفنه في الرمال. وبشهادة التقارير العالمية، فإننا في أعلى درجات الشفافية على المستويات كافة ومن بينها الإعلامية.
ولكن لا مانع من التأني، حين يتعلق الأمر بقرابة الإعلام لمواضيع حساسة، منها على سبيل المثال، أمن الدولة. وأعتقد أنه حق تمارسه الحكومات في كل مكان. ولعل ما يثير الانزعاج، بل والاشمئزاز أحيانا، هو طريقة مقاربة بعض وسائل الإعلام لبعض الموضوعات المتعلقة بالدولة، وبدبي، التي أصبح من المعتاد، والمتعمد، إقحام اسمها في عناوين صحافية تتحدث عن ظواهر اقتصادية تحصل اليوم في كل مكان في العالم، مثل إعادة هيكلة الشركات لأعمالها والاستغناء عن موظفين.
وكأن الأزمة صنيعة دبي، أو أنها وحدها تحتضنها من دون غيرها. أتمنى من الإعلاميين اليوم، أن يجتمعوا لخدمة الوضع الحالي في الدولة عبر البحث عن الأخبار ذات المصداقية. وذلك ما أبداه فعلا بعض الإخوة الإعلاميين، من خلال لقاءاتي الأخيرة معهم، سواء كانوا من الإماراتيين أو الأخوان العرب أو الأجانب، الذين أكدوا على ضرورة التأني في الحصول على المعلومة وتحري مصداقيتها.
فمؤكد أن الوضع ليس بالسوء الذي يتم الحديث عنه. ما شهدناه في السنوات الماضية كان «طفرة»، اليوم نعود إلى قواعد الاستقرار. تأثرنا بالأزمة أقل بكثير من مناطق أخرى في العالم. هناك دول بكاملها أعلنت أنها على شفير الإفلاس.
فرصة : الكشف عن الخبايا
قال عبد اللطيف الصايغ في حواره مع «البيان الاقتصادي» ان هناك مؤسسات إعلامية وفدت إلى المنطقة واتخذت من دبي مقراً لها وحققت نجاحات وانتشاراً واسعاً. اليوم يلعب بعضها دوراً سلبياً في ضخ أخبار غير دقيقة عن الأوضاع في دبي. استغرب الأمر وأتساءل عن الأسباب. أتمنى شخصياً من هذه الشركات التي تعاطت معها دبي طوال السنوات الماضية، بمنطلق الشراكة، أن تظل أمينة لهذا المعنى، سيما وأن دبي ساهمت في قصة نجاح تلك الشركات والأفراد العاملين فيها.
أنا أرى في الوضع الحالي فرصة للكشف عن بعض الخبايا والثغرات. الوضع الحالي كفيل بأن يكشف عن الشركاء الحقيقيين، وأن يجيب عن أسئلة لم تكن لتتضح في أوقات النمو والطفرة. وما يحدث سيرشدنا إلى إعادة النظر بالسياسات تجاه هذه الشركات في المستقبل.
ثقة : الشراكات مع الحكومة
قال الصايغ: يجب على المؤسسات الإعلامية بناء علاقات على أساس من الثقة والشراكة مع المؤسسات والدوائر الحكومية والرسمية حفاظاً على خصوصيات الدولة، بحيث يُعد الإعلاميون سفراء يحسنون تمثيل مؤسساتهم. ويجب أن تشهد المرحلة المقبلة تكاتف المؤسسات الإعلامية مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة فيما يتعلق بمواجهة الأوضاع السائدة والمساهمة في انتعاش اقتصاد الدولة. وأعود للقول بأنه إذا كان اقتصاد البلد قوياً فإن قطاع الإعلام من أول المنتفعين، وستشهد عمليات المشتغلين به نمواً وتوسعاً مستمرين.
تكتل: تنظيم لابد منه
اعتبر رئيس المجموعة الإعلامية العربية أن جميع الوسائل الإعلامية أصبحت تتعامل بحذر فيما يتعلق بمشاريع توسعاتها، بحيث تم تجميد بعضها في ظل نقص السيولة الذي يعصف بالعالم. وأعتقد أن عملية التنظيم هي أحد أهم إفرازات الأزمة، ما يستوجب حدوثه ليس فقط في المشهد الإعلامي، بل في القطاعات كافة.
اليوم، دفعتنا الأزمة جديا لإعادة طرح خيارات الشراكات الإعلامية في المنطقة على طاولة البحث، من باب التنظيم؟ مثل تنظيم الترددات الإذاعية وتنظيم في عملية توزيع الصحف. وتجري، بالفعل اليوم، مباحثات جدية حول توحيد الصفوف بين شركات إعلامية فيما يتعلق بالتوزيع.
حوار: إبراهيم توتونجي


