عقد مجلس دبي الاقتصادي اجتماعه العاشر بمقره في مبنى غرفة تجارة وصناعة دبي، برئاسة جمعة الماجد رئيس المجلس، بحضور معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي، ومحمد بن عبدالعزيز الشحي مدير عام وزارة الاقتصاد ممثلاً لمعالي المهندس سلطان سعيد المنصوري وزير الاقتصاد، وناصر بن حسن الشيخ مدير عام الدائرة المالية لحكومة دبي. كما حضر الاجتماع مجموعة من أعضاء المجلس، وهاني راشد الهاملي الأمين العام للمجلس.

وفي مستهل الاجتماع، أشار جمعة الماجد إلى أهمية هذا الاجتماع للتعرف على مرئيات أعضاء المجلس حول سبل مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي. كما أثنى على مبادرة المصرف المركزي والحكومة الاتحادية لدعم الاقتصاد في ظل تداعيات الأزمة العالمية، مؤكداً أن الجهد المطلوب لا يستدعي الكثير بل التحرك السريع لإعادة الثقة في الاقتصاد المحلي ثم تحدث جمعة الماجد عن الدور الذي يلعبه مصرف الامارات المركزي لتطويق تداعيات الأزمة المالية، وخاصة مبادرته بضخ السيولة والبالغة 50 مليار درهم كخطوة أولى، واقدام الأخير على شراء الاصدار الأول من السندات التي أصدرتها حكومة دبي والبالغة 10 مليارات دولار، واصفاً إياها بأنها حلقة مهمة في سلسلة المبادرات والسياسات التي تنتهجها الحكومة للحفاظ على مسيرة النمو في الاقتصاد المحلي.

سيولة: ثم تحدث معالي سلطان السويدي محافظ مصرف الامارات المركزي حول واقع الاقتصاد الاماراتي في ظل الأزمة المالية العالمية. وسلط الضوء على المرتكزات الأساسية للاقتصاد الوطني وخاصة النشاط المصرفي، مشيراً إلى ان المصارف عموماً مرتبطة بنشاط الاقتصاد المحلي، وهذا الأخير مرتبط بنشاط الاقتصاد العالمي وأوضح السويدي أنه خلال الفترة من بداية 2007 وحتى منتصف 2008 تدفقت للدولة أموال ساخنة من قبل مستثمرين أجانب وتم إيداعها في بنوك الدولة لأغراض المضاربة على الدرهم في ظل توقعاتهم بفك ارتباط الدرهم بالدولار الأميركي، فارتفعت السيولة المحلية بشكل كبير. حينها قامت البنوك بعمليات اقراض موسعة للمؤسسات والأفراد لاسيما في ظل الفورة الحاصلة في قطاع الانشاءات والبنى التحتية.

لكن بالمقابل قام المصرف المركزي بسحب جزء من هذه السيولة في إطار عملية تطهير لهذه الأموال sterilization وذلك عن طريق اصدار شهادات الإيداع CD وتحويلها للخارج على شكل استثمارات خارجية لكن الذي حصل أنه حينما أعلنت الحكومة عن استمرار العمل بنظام الصرف الثابت (ربط الدرهم بالدولار) وعدم رفع قيمة الدرهم، صاحب ذلك أزمة سيولة في الأسواق الأميركية والعالمية بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، فقد قام المستثمرون الأجانب بسحب أموالهم «الساخنة» من المصارف المحلية إلى خارج الدولة، الأمر الذي خلق نقصاً مفاجئاً في السيولة لدى هذه المصارف انعكس على شكل فجوة (الفرق بين القروض والودائع المستقرة) بلغت قيمتها 110 مليارات درهم.

ثم صور معالي محافظ المصرف المركزي المشهد الاقتصادي العالمي الراهن، مؤكداً أن جميع اقتصادات العالم الغربي سوف تنكمش في عام 2009 ولكن ليس بالضرورة انكماشات موازية لكل اقتصادات العالم، الأمر الذي يستدعي من قطاع الأعمال في الدولة أخذ الحيطة بسبب التوقعات بانخفاض معدل النمو الاقتصادي مقارنة بالسنوات السابقة وبالتالي تكييف نشاطاتهم على مداخيل أقل.

وبالنسبة لمؤشر نشاط الأعمال، أشار المحافظ إلى أنه أصبح موجباً في شهر يناير 2009 بعد أن شهد تباطؤاً منذ شهر يونيو 2008، مؤكداً أن المصرف المركزي لا يزال يراقب هذا المؤشر للأشهر القادمة، وأنه ليس من المتوقع حصول انحدار أكثر في النشاط الاقتصادي مستقبلاً.

ومن بين أهم الخطوات التي اتخذها المصرف المركزي، أشار معالي المحافظ إلى قيام المصرف بالتعاون مع وزارة المالية بضخ ما قيمته 50 مليار درهم في النظام المصرفي من أصل 70 مليار درهم وفرتها الحكومة. كما خصص 50 مليار درهم لتكون جاهزة للسحب من قبل المصارف المحلية، وهي مدعومة بالاحتياطات الدولارية للحفاظ على خط مخاطرة مقبول.

كما تم وضع خط للمقايضة سٌّفِ وأيضاً الريبو (زمُِ) مقابل شهادات ايداع البنوك (َّ). يضاف إلى ذلك، قيام المركزي بوضع نظام الخصم للسندات الصادرة من الحكومات المحلية ومن الشركات مخصومة من المصرف المركزي مما ساعد على خلق السيولة لدى البنوك.

وأضاف السويدي «ان الوضع الحالي بحاجة إلى حزمة تحفيزية سواء للبنوك أو للاقتصاد، وخاصة في ظل وجود فجوة البنوك، إلاّ أنه بالإمكان سد هذه الفجوة بالتنسيق مع وزارة المالية ضمن تخويل قانوني لحل المشكلة، حيث من شأن ذلك تقوية الملاءة المالية للبنوك الإماراتية، مما يحفز أسواق المال العالمية لإيداع أموالها مرة ثانية في البنوك الاماراتية وبالتالي تسريع الحركة الاقتصادية».

وأضاف السويدي «ان الرصيد المتوفر حالياً لدى المصرف المركزي يتجاوز 50 مليار درهم، وذلك بسبب حزمة التحفيزات واستقرار الوضع الاقتصادي والذي وصفه هدفاً بحد ذاته»، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول للاقتصاد وبطرق مختلفة، بضمنها حزمة التحفيز (سُّيٌٍَِِّّّ ِفكًفهمَّ) للاقتصاد مما سيؤثر ايجاباً على حركة العجلة الاقتصادية.

كما اقترح السويدي أن تضع وزارة الاقتصاد حلولاً لبعض القطاعات الحقيقية في الاقتصاد، وأن تشغيل الاقتصاد وإعادة الحركة للعجلات ينبغي أن تتصدر أولويات الوزارة في الفترة الحالية، موضحاً أن الحزمة التحفيزية في الإمارات حالياً هي الأعلى نسبياً في العالم، حيث تصل إلى 6.9% من الناتج المحلي الاجمالي.

تصحيح

ثم استعرض محمد عبدالعزيز الشحي مدير عام وزارة الاقتصاد الخطة الاستراتيجية للوزارة، مؤكداً أن الاجتماع مع المجلس يمثل حلقة تواصل للتشاور مع الفعاليات الاقتصادية حول الشأن الاقتصادي اليوم للخروج بآراء وأفكار من شأنها تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني وصد تداعيات الأزمة المالية العالمية.

واستهل مدير عام وزارة الاقتصاد باستعراض التوقعات الاقتصادية لعام 2009، أهمها تقارير صندوق النقد الدولي التي أكدت أن عام 2009 سيكون صعباً للاقتصاد العالمي نظراً لما ستعانيه معظم الدول من تراجع اقتصادي على شكل انكماش أو كساد، علاوة على توقع تراجع الاقتصادات الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية واليابان والصين وألمانيا وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج سلبية على بقية الاقتصادات، وبالتالي توقع تراجع ملحوظ في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدولة في عام 2009.

ثم سلط الضوء على أهم تأثيرات الأزمة على الاقتصاد الوطني، وهي توقع حدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي خلال العام 2009. يضاف إلى ذلك ما أعلنته العديد من دول العالم المتأثرة بالأزمة بأنها بحاجة الى 5-6 أشهر لمعرفة مدى تأثر اقتصادها بالأزمة بشكل دقيق، أما آثار الأزمة على الامارات فقد اتضحت معالمها لكنه ليس بالمستطاع تقدير حجمها بشكل دقيق، وان الآثار قد تركزت على أسواق الأسهم وقطاع الإنشاءات والمقاولات، إلى جانب انخفاض في حجم التدفقات من الاستثمارات الأجنبية إلى الدولة مقارنة بالأعوام السابقة.

أما بخصوص الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمواجهة آثار الأزمة على الاقتصاد الوطني، فأشار الشحي إلى تشكيل اللجنة الوزارية الثلاثية لدراسة الواقع المالي والاقتصادي، اضافة إلى قيام وزارة الاقتصاد بعقد العديد من الاجتماعات مع الفعاليات الاقتصادية المختلفة في الدولة وبلورة مقترحاتها وتقديمها للجهات المختصة، ولعل من أهم تلك المقترحات تشكيل لجنة طوارئ للتعامل مع التحديات الاقتصادية، وتبني سياسات فعالة .

وتقديم التوصيات العاجلة لمجلس الوزراء، وتفعيل أدوات السياسات المالية والنقدية، وضخ ودائع حقيقية في النظام المصرفي، وإنشاء جهاز للإنذار المبكر وإدارة الازمات الاقتصادية، وتعزيز الشفافية ومعايير الافصاح، وغيرها، موضحاً أن المطلوب عمله الآن لحماية الاقتصاد الوطني هو وضع سياسات جادة لتصحيح مسارنا الاقتصادي.

أما بالنسبة للأهداف الاستراتيجية التي اقترح تحقيقها على المستوى الاتحادي والمحلي في الفترة المقبلة، فأشار الشحي إلى أهمية تقييم مدى تأثير الأزمة على الاقتصاد الوطني وإعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية الاقتصادية على المستوى الاتحادي والمحلي. أما آليات هذه الاستراتيجية فهي تتركز على توفير معدلات عالية من السيولة لدعم القروض، وتشكيل إطار مؤسسي اتحادي- محلي يهدف الى تحقيق أعلى درجات التنسيق في السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية واتخاذ القرارات الاقتصادية العاجلة والفعّالة.

وقد أثنى أعضاء المجلس على الجهود التي تبذلها وزارة الاقتصاد بهدف تقليل الآثار التي تركتها الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الوطني، والتنسيق الجاري مع قطاع الأعمال والدوائر الاقتصادية في الدولة في هذا المجال.

نمو

بعده استعرض ناصر بن حسن الشيخ مدير عام دائرة المالية بدبي الموازنة المعتمدة من قبل الدائرة للعام المالي 2009، تضمن تطور الانفاق الحكومي خلال الفترة 2002-2009. كما سلط الضوء على التطورات الحاصلة في المصروفات العمومية والرأسمالية ومشروعات البنية التحتية. واستعرض مدير عام دائرة المالية أيضاً مصادر الإيرادات والانفاق الحكومي، والتوزيع القطاعي للانفاق الحكومي.

كما أجرى ناصر الشيخ مقارنة بين دبي ودول مجلس التعاون الخليجي من حيث الفائض والعجز ونسبته لإجمالي الناتج المحلي الاجمالي وذلك للعام المالي 2009. وشدد ناصر الشيخ بضرورة العمل على تحقيق مجموعة من الخطوات في الفترة المقبلة، وهي قيام الدوائر والهيئات الحكومية بالتخطيط الاستراتيجي المالي للمشروعات والمبادرات المستقبلية مع تقديم المبررات الاقتصادية للقيام بها وتحديد أولويات المشروعات المختلفة.

والتزام الدوائر والهيئات الحكومية بسقف الإنفاق الحكومي المحدد مع البدء في برامج ترشيد للإنفاق على أن يأخذ مدى نجاح الدائرة/ الهيئة في ترشيد نفقاتها وزيادة فعاليتها ضمن المعايير الرئيسية لتقييم الاداء السنوي لها، وإعادة الهيكلة الإدارية للهيئات والدوائر الحكومية، واتباع سياسات إعادة التأهيل لزيادة الإنتاجية وترشيد الإنفاق.

ثم استعرض مدير عام الدائرة المالية سياسة الموازنة 2010-2012، والتي شملت إيجاد موازنة حكومية دون عجز، وتخصيص احتياطي للأجيال القادمة بنسبة 1% من إجمالي الإيرادات الحكومية سنوياً، ووجود موازنة داعمة لخطة دبي الاستراتيجية، فضلاً عن ميكنة الموازنة العامة وتطبيق مؤشرات أداء مالي فعالة.

وبعد الانتهاء من الاستعراض، أثنى المجلس على الدور المهم الذي تقوم به الدائرة المالية لتطويق تداعيات الأزمة المالية العالمية على اقتصاد دبي. ثم فتح باب النقاش، حيث أبدى الحضور تساؤلات ومقترحات حول موضوع الموازنة.

استثمار

وعلى هامش الاجتماع، أوضح هاني الهاملي ان مجلس دبي الاقتصادي وفي إطار مهامه الموكلة إليه يقوم بمراقبة التطورات الحاصلة في الاقتصاد المحلي بقطاعاته المختلفة وذلك طبقاً لمؤشرات اقتصادية. ولتحقيق هذا الغرض، يقوم المجلس باستضافة عدد من مسؤولي الجهات المختصة الاتحادية والمحلية للتشاور معهم وإطلاعهم على مرئيات أعضاء المجلس الذين يمثلون قيادات مجتمع الأعمال وبعض الدوائر المحلية بدبي بشأن السياسات الكفيلة بتطويق تداعيات الأزمة المالية العالمية على اقتصاد الامارات ودبي والحفاظ على مكانتها كمركز اقليمي وعالمي للمال والأعمال.

كما أوضح الهاملي أن السندات طويلة الأجل تعد أداة استثمارية فعّالة تلجأ إليها الدول عادة للتحكم بحركة السيولة المحلية وبالتالي تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وفي ختام الاجتماع، أعرب جمعة الماجد عن تقديره للحضور وعلى ما أبدوه من مشاركة فاعلة، مؤكداً أن تطويق تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي واجب مناط بجميع الفعاليات والمؤسسات الاقتصادية الوطنية، وأن المجلس سيضاعف جهده بالبحث والنقاش لاستنباط السياسات والمقترحات التي تكفل تحقيق هدف الحفاظ على ديمومة التنمية الاقتصادية.

مطالب : مجلس دبي الاقتصادي يطالب بسياسة إعلامية واضحة تنقل فيها قرارات الدولة

أكد المشاركون في الاجتماع العاشر لمجلس دبي الاقتصادي ان الوضع الحالي بحاجة إلى حزمة حوافز لكافة القطاعات الاقتصادية الفعالة سواء للبنوك أو للاقتصاد، وخاصة في ظل وجود فجوة البنوك، وأثنى الحضور على الجهد الذي يقوم به المصرف المركزي في ظل الوضع الحالي الذي يمر به الاقتصاد الإماراتي.

كما أبدى البعض تساؤلاتهم ومقترحاتهم التي تركزت في قضايا عدة أهمها ما يتعلق بسعر الخصم السائد حالياً وسعر الفائدة بين المصارف وسعر الفائدة الفعلي في السوق والخطوات والسياسات الواجب اتباعها لتخفيض أسعار الفائدة هذه، إضافة إلى ضرورة ضخ سيولة في النظام المصرفي لتعزيز هذا النظام ولإعطاء الثقة للمؤسسات المالية العالمية وتشجيعها على ضخ جزء من السيولة لديها في المصارف الإماراتية.

كما تساءل بعض الأعضاء حول جدوى استمرار المصرف المركزي في التركيز على سد فجوة الاقراض بينما في الواقع هناك حاجة لتشجيع المصارف للعودة إلى منح الائتمان من جديد لقطاع الأعمال والأفراد، وضرورة وجود سياسة إعلامية واضحة تنقل فيها قرارات الدولة ومؤشرات أداء الاقتصاد بكل شفافية مما من شأنه الرد على الحملات الاعلامية المغرضة وإعطاء صورة واقعية عن تداعيات الأزمة العالمية على الاقتصاد المحلي.

دبي - «البيان»