في خطوة إستباقية للتهديدات الصادرة عن بعض الدول الأوروبية، ومحاولة لنزع فتيل الضغوط الأمريكية المتزايدة على مصرف «يو بي إس»، أعلنت الحكومة السويسرية استعدادها لتعزيز التعاون الدولي على المستويين القضائي والإداري من أجل محاربة الجرائم المالية، لكن دون المساس بالسرية المصرفية.
وخلال جلسة عقدتها الحكومة للغرض، أعلن هانس رودولف ميرتس، رئيس الدولة، ووزير المالية استعداد بلاده للدخول في حوار مع بقية الدول للوصول إلى اتفاق ينظم الودائع المالية، لكنه لم يشر إلى طبيعة التنازلات التي يمكن أن تقدمها الحكومة السويسرية، خاصة في ما يتعلق بالفصل بين التهرب الضريبي والغش الضريبي.
وكان الوزير قد ألمح خلال لقاء له مع وسائل الإعلام يوم الخميس في جنيف إلى احتمال أن تراجع الحكومة السويسرية موقفها بشأن التهرب الضريبي لتعزيز موقفها فيما يتعلق بالسرية المصرفية.
ورفضت الحكومة السويسرية بقوة الانتقادات الدولية الموجهة للسرية المصرفية، ورأت أنه «وسيلة فعالة للحفاظ على خصوصية عملاء المصارف، والدفاع عنهم ضد التدخلات غير المبررة من طرف الدول». لكنها أوضحت في المقابل أن السرية المصرفية «ليس وسيلة للتغطية عن الجرائم والمخالفات المالية»، وذكّرت بأن «الجرائم المالية يعاقب عليها القانون السويسري أيضا».
وأعلنت الحكومة أنها ستبذل المزيد من الجهود لتوحيد قواعد العمل في الساحات المالية الدولية من اجل تجنيب الساحة المالية السويسرية الأضرار التي يمكن أن تنجر عن أشكال المنافسة غير المشروعة.
وجاءت هذه الخطوات المحسوبة بدقة متناهية بعد التهديدات الصادرة عن فرنسا وألمانيا بعدم استثناء سويسرا من قائمة سوداء خاصة بالجنان الضريبية من المرتقب أن تصدر عن قمة مجموعة العشرين التي ستنعقد قريبا بالعاصمة البريطانية، وكذلك ردا على الضغوط الأميركية المتزايدة والمتواصلة على اكبر مصرف سويسري، «يو بي إس».
في السياق نفسه، قررت الحكومة في اجتماعها تشكيل لجنة من الخبراء يرأسها الدبلوماسي مانيال صاغير، البالغ من العمر 54 سنة والذي يمتلك تجربة طويلة ومعرفة بالولايات المتحدة، والمسجل بهيئة قضاتها. وحدد رئيس الدولة مهمة هذه اللجنة في مراجعة القانون السويسري في مجال المالية، وتقديم النصح للحكومة بشأن قضية التمييز القائم حاليا بين التهرب الضريبي والغش الضريبي، والبحث عن طريقة لتطوير السرية المصرفية من دون تفكيكها أو إلغائها.
ومن الحلول الإستراتيجية التي يمكن أن تعمل هذه اللجنة على تفصيل بنودها وصياغاتها ما أشار إليه نونو فرننداس، أستاذ المالية بمعهد العلوم التجارية بلوزان، الذي أوضح أن ما يمكن أن تقوم به سويسرا هو التفاوض من أجل الحصول على فترة انتقالية تمنح مصارفها الوقت اللازم لتغيير إستراتيجيات عملها، وتعديل أنشطتها، لأنه من الصعب القيام بما هو مطلوب منها في أشهر معدودة، وفي ظل الأزمة المالية الحالية.
من ناحيته، شكك كريستوف داربولاي، رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي في جدوى ما أسماه «مراهنة الحكومة على المرونة في مالية الادخار من أجل تخفيف الضغط على السرية المصرفية»، وتابع: من شأن ذلك أن يكبّل أيدي الساحة المالية السويسرية أمام منافسيها من دون أن يغيّر شيئا من المعادلة القائمة الآن، ومع ذلك فهو يبارك موقف الحكومة الذي لم يساوم فيما ستعلق بالسرية المصرفي.
أما الشريك الثالث في الحكومة، الحزب الراديكالي، فقد حيا في بيان صدر بعد اجتماع الحكومة ثباتها على موقفها رغم الضغوط القوية، ومن ذلك إبقاءها على الفرق بين التهرب الضريبي والغش (أو التحايل) المصرفي، وإن ألمح إلى أنه ربما حان الوقت لإعادة تحديد مفهوم السرية المصرفية.
أما الدوائر الاقتصادية ممثلة في «رابطة الشركات السويسرية»، فقد دعت إلى التمسك بالسرية المصرفي لحماية الحياة الشخصية للأفراد، لكنها حثت في الوقت نفسه الحكومة على الانخراط في تعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف مع بقية الدول على أساس من الاحترام والتمسك بقواعد دولة القانون والمؤسسات، ولكن أيضا في احترام تام لأعرافنا القانونية وثقافتنا الاجتماعية المتوافقة مع واقعنا المؤسساتي الذي يطبعه ويتحكم فيه النظام الفدرالي.
(الوكالات)
