لا شك أن الأزمة العالمية قد كشّرت عن أنيابها وبكل قوة، ولم تعد هناك أية بقعة في العالم بمنأى عنها. ومع ذلك، ففي حين أن بعض المؤسسات التجارية قد تتأثر بالأزمة بشكل مختلف عن البعض الآخر، فإن صناعة المياه تظل قادرة على تعويم نفسها لسبب بسيط وهو أن المياه من المقومات الأساسية للحياة، ومن دونها فإن الحياة، ببساطة، ستتوقف.
ومن هنا، فإن فرص صناعة المياه قد استمرت في النمو رغم الأزمة. ذلك أن النمو الاقتصادي السريع الذي شهدته منطقة الخليج عموماً والإمارات ودبي خصوصاً في السنوات القليلة الماضية، قد نتجت عنه زيادة هائلة في طلب المياه وخدمات الصرف الصحي، نظراً للحاجة إلى مشاريع جديدة للمياه من أجل دعم مشاريع البنية التحتية القائمة. خلال السنوات الثلاثين الماضية، كان هناك نمو سنوي ثابت بنسبة 14 بالمئة في الطلب على الماء ومن المتوقع أن يستمر هذا التوجه.
وغالباً ما يتم التفكير بالبنية التحتية للمياه فقط عند نهاية المشاريع الكبرى لذا فإن الحاجة لمشاريع المياه تبقى قوية من أجل دعم احتياجات البنية التحتية للمشاريع الحالية. ولمجاراة الطلب، تم تخصيص أكثر من 120 مليار دولار للاستثمار في المنطقة على مدى العقد القادم، أما تحلية مياه البحر والتي يعتبر الخليج العربي أكبر أسواقها في العالم فمن المتوقع أن تنمو بسرعة كبيرة.
فعلى سبيل المثال، يجب على الطاقة الإنتاجية لتحلية المياه أن تتضاعف إلى أكثر من 5 مليارات جالون يومياً بحلول 2015 لمجاراة الطلب. وفي الغالب، فإن التفكير في البنية التحتية للمياه يكون عادة مع انتهاء المشاريع الرئيسية، وبالتالي فإن الحاجة لمشاريع المياه تظل قوية لكي تدعم احتياجات البنية التحتية للمشاريع القائمة.
وفي منطقة الشرق الأوسط، شهد التراجع العالمي زيادة في فرص الاستثمار في صناعة المياه حيث تبحث الهيئات الحكومية عن طرق تعود عليها بالنقد من أجل تعديل الخلل الحالي الحاصل في موازناتها وذلك من خلال تشجيع القطاع الخاص على تمويل مشاريع جديدة. وفضلاً عن ذلك، فإن الاقتصاد الحالي يزيد في سرعة ارتفاع وتيرة الخصخصة وبرامج القطاع الخاص في قطاع المياه.
وقد بدأت السعودية في هذا التوجه وهي تقود دول الخليج العربي في مجال خصخصة مشاريع المياه والصرف الصحي. وكان أول جزء من هذه العملية هو تأسيس شركة المياه الوطنية من قبل الحكومة. وقد منحت شركة المياه الوطنية عقد إدارة المياه في الرياض لشركة فيوليا وفي جدة لشركة سويس.
وستكون المرحلة الثانية هي خصخصة محطة الصرف الصحي في الرياض ومن المتوقع أن تدخل محطة الخرج في الخدمة قريباً. وسيتلو ذلك محطة الحاير وهي أكبر بكثير من محطة الخرج. وفي الإمارات، تنشط هيئة مياه وكهرباء أبوظبي في عملية الخصخصة حيث منحت عدداً من العقود للقطاع الخاص. فقد تم منح الخرافي الوطنية بالتعاون مع بايووتر عقد محطة الوثبة للصرف الصحي في أبوظبي ومحطة السعد في العين.
وقد نما الاستثمار في المياه فعلياً في بلدان كالصين مثلاً، حيث تحرص هذه البلدان على الاستمرار في جهودها في التنظيف والتخلص من التلوث الذي تسبب به انتقال هذه البلدان السريع نحو التصنيع على مدى السنوات العشر الماضية. فقد أعلنت الحكومة الصينية العام الماضي عن برنامج لتنظيف البيئة قيمته 700 مليار دولار، كما أعلنت مؤخراً، وبالرغم من الأزمة الاقتصادية، عن صفقة تشجيعية أخرى قيمتها 5. 3 تريليونات دولار.
ومهما كلف الأمر، ففي حين أن صناعة المياه ما زالت تشهد نمواً مطرداً، فقد كان للأزمة العالمية تأثيرها المعوّق لهذه الصناعة نظراً لأن القطاعات الرئيسية لصناعة المياه في منطقة مجلس التعاون الخليجي، كقطاع البلديات والصناعة والعقارات، قد تأثرت بالأزمة إلى حد ما.
وعلى سبيل المثال، فلقد كانت صناعة العقارات الأكثر تأثراً، مما تسبب في انخفاض شديد في الأعمال التجارية المنبثقة عن هذا القطاع. فقد أدى الانحدار في قطاع الإنشاءات، وما تلا ذلك من إلغاء لعدد من المشاريع الكبيرة، إلى توقف عدد كبير من مشاريع المياه ومرافق الصرف الصحي.
وعلى أية حال، فقد أدى هذا بدوره إلى نشوء سوق مختلفة، حيث بدأ المطورون الآن يسعون إلى إقامة محطات أصغر تتوافق مع احتياجاتهم الحالية. كما بدأ البعض يفكر في اللجوء إلى خيارات الاستئجار لتجنب دفع مبالغ عالية في رأس المال.
وتجدر الإشارة إلى أن محطات البلديات مملوكة في معظمها للحكومات المحلية. ورغم أن نشاطها قد تأثر وشهد بعض الانحدار، إلا أن هذا التأثر كان أقل نسبياً إلى حد بعيد. فأبوظبي، على سبيل المثال، تظل ملتزمة بخططها الحالية الرامية إلى إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي المرتبطة بالمشاريع مثل جزيرة السعديات، جزيرة ياس، جزيرة الريم، ومدينة زايد وهي في قيد الإنجاز، التطوير، أو يتم حالياً ترسية عقودها.
ويشكل التطوير الصناعي الثلث الأساسي في أعمال صناعة المياه، حيث تأتي الطلبات الرئيسية من معامل توليد الطاقة ومصانع البتروكيماويات ومصافي النفط على سبيل المثال، هناك 26 مشروع طاقة أقيم في منطقة الخليج العربي بين 2007 ؟ 2009 بطاقة إجمالية تبلغ987. 37 ميغا واط. إلى جانب كل محطة، هناك ضرورة لوجود الماء من أجل المراجل. وهذا منفصل عن الطاقة الإنتاجية لتحلية المياه التي يتم جمعها أحياناً مع إنتاج الطاقة.
ومن الأمثلة الأخرى دولة قطر التي تخطط لبناء 4 مصانع بتروكيماويات بين 2008 ؟ 2009، وتحتاج كل من هذه المحطات لمياه عالية النقاوة يجب توفيرها من خلال تزويدها بأنظمة تبادل الأيونات. أما الجزائر، فتخطط لبناء 7 مصانع بتروكيماوية بمتطلبات مياه مشابهة. وفي الإمارات العربية المتحدة، يتم تطوير مجمع البتروكيماويات الضخم في أبوظبي بالرغم من الكساد العالمي ونقص الطاقة.
وعلى أي حال، وفي ظل انخفاض الطلب على النفط، الذي تزامن مع هبوط أسعار النفط الخام، فإن الكثير من الشركات بدأت تعيد النظر في مشاريعها التي سبق لها أن طرحت عطاءاتها أو تلك التي كانت في طور التخطيط. وقد تم إلغاء عدد من هذه المشاريع من قبل هيئات مثل أرامكو السعودية و بي آي سي ذة في الكويت، فضلاً عن تأخير العديد من المشاريع مثل قطر للبترول، سابيك وأدنوك.
وعلى أي حال، فإن سبب إلغاء هذه المشاريع أو تأخيرها قد لا يكون ناتجاً بالضرورة عن التأثيرات السلبية للأزمة، وإنما عن تأثيراتها الإيجابية! فقد أدى الهبوط المفاجئ في أعمال الإنشاءات إلى هبوط في تكاليف الإنشاءات من حيث نفقة المواد والأعمال الهندسية. وبدأ العملاء يستفيدون من الوضع وأخذوا يعيدون النظر في طرح المشاريع من أجل الحصول على عطاءات أدنى وتحقيق بعض التوفير.
وفي حين أن بعض هذه المشاريع قد توقفت أو تعرضت للإلغاء، فإن صناعة المياه قد تأثرت علاوة على ذلك في قدرتها على العثور على تمويل لمشاريعها، الأمر الذي زاد في تعقيد المشاكل التي تواجهها. وعلى أية حال، ففي حين أن هذه الأزمة ذات بعد عالمي، فإنه تظل هناك بعض الاختلافات الرئيسية من حيث المنطقة والإقليم.
وعلى سبيل المثال، ففي حين أن تمويل مشاريع القطاع الخاص والمشاريع نصف الحكومية معرضة للتوقف، فإن تمويل مشاريع القطاع العام مازال متوفراً. ففي حين أنه من الصعب العثور على تمويل في دبي، فإن البنوك في أسواق أخرى مثل السعودية وقطر ومصر والصين ما زالت حريصة على تمويل مشاريع المياه، وإن كان ذلك بشروط مختلفة، واستحقاقات أطول وفترات سداد أقل من السابق.
وفي حين أن صناعة المياه قد تكون أقل تأثراً بالأزمة المالية، فإن الطلب المتزايد باستمرار على أهم الاحتياجات الأساسية للحياة يشكل ضماناً بأن هذه الصناعة ستخرج من الأزمة متعافية.
بقلم: فادي جويس - مدير عام شركة «متيتو»
