رفض باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية الحملة التي يقوم بها مزارعو بعض الدول الأوروبية التي تقول إنه يجب على المستهلكين شراء المنتجات المحلية بدلا من الأغذية المستوردة. ويقول منظمو الحملة إن شراء الغذاء من دول مثل نيوزيلندا غير مستحب بيئيا نظرا للانبعاثات الكربونية التي تنتج من عمليات نقل الأغذية إلى المستهلكين عبر مسافات طويلة.
غير أن لامي وصف هذه الأقاويل بأنها حملة حمائية من قبل منتجين أوروبيين وقال إن الزهور التي يتم قطفها في كينيا أو لحوم الأغنام القادمة من نيوزيلندا وتباع في متاجر بريطانية سيكون لها أثر أقل من حيث الانبعاثات الكربونية عن الكثير من مثيلاتها التي تنتج محليا.
وأضاف إذا ما نظرتم على السلسلة كلها، في رأيي، فإن الأرقام تظهر إنها حملة تعتمد في الأساس على نوايا أخرى. وانتقد لامي، الذي كان يشغل في السابق مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة، أيضا قرار الاتحاد الأوروبي بإعادة وضع إعانات مالية لصادرات منتجات الألبان بعد إلغائها خلال جولة الدوحة المتعثرة لمفاوضات تحرير التجارة العالمية.
وفي الوقت الذي تلوح فيه فى الأفق بوادر جولة جديدة من الحمائية داخل الاتحاد الأوربي الذي يضم 27 دولة، وفي أماكن أخرى من العالم مدفوعة بالأزمة المالية العالمية، صمم زعماء الاتحاد الأوربي خلال القمة التي عقدت في وقت سابق من الأسبوع المالضي على إنشاء جبهة موحدة لمكافحتها.
حيث باتوا مقتنعين بان مكافحة الحمائية تسهم في التعافي الاقتصادي للاتحاد، والعالم اجمع. وحذروا من أن الحمائية لا تستطيع احتواء الأزمة الراهنة، بل تعمل على زيادة حدتها، ومن ثم تأجيل تعافي الاقتصاد العالمي.
وفي مواجهة الأزمة المالية العالمية، تعتزم بعض الدول الأعضاء في الاتحاد اللجوء إلى إجراءات لحماية صناعتها الوطنية، لا سيما قطاع السيارات.
وعرضت فرنسا تقديم مساعدات عامة لشركتي صناعة السيارات بها وهما رينو وبيجو سيتروين شريطة التعهد بعدم تسريح العمال الفرنسيين، وهو شرط ينظر إليه باعتباره تهديدا لوظائف العمال في المصانع التي تمتلكها شركات صناعة السيارات الفرنسية في أوربا الشرقية.
وانتقد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بشكل مباشر الشركات الفرنسية لقيامها باستثمارات في جمهورية التشيك ودول أخرى حيث تنخفض التكلفة فيها مقارنة بفرنسا. وأثار تصريحه الغضب في جمهورية التشيك.
ودعا رئيس الوزراء التشيكي ميريك توبولانيك الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية الحالية للاتحاد الأوربي إلى احترام القيم الجوهرية للاتحاد، ومن بينها السوق الواحدة، والتضامن، وحذر من أي خطوط تقسيم جديدة في الاتحاد الأوربي خلال الأزمة الاقتصادية.
وقال في بيان إن جميع جهود وإجراءات مكافحة الأزمة الاقتصادية داخل الاتحاد الأوربي يجب أن تحترم مبدأ التضامن. ولن تتغلب أوروبا على الأزمة إلا إذا تصرفنا معا بطريقة منسقة، والتزمنا بقواعد المجموعة.
وحث أعضاء الاتحاد على اغتنام الفرص التي تتيحها السوق الداخلية إلى أقصى حد. وقال علينا أن نجعلها قوة دافعة للتعافي، وتعزيز النمو الاقتصادي، والتوظيف. ويقول المحللون إن الحمائية لن تضر فقط بالتضامن، وإنما سيكون لها أيضا تأثير سلبي على عملية التكامل الأوربي.
وقالوا إن التكامل الأوربي عملية سياسية هامة، وان التكامل الاقتصادي قوة دافعة رئيسية لها. وأضافوا أن الثقة بالسوق الواحدة، والثقة المتبادلة والتضامن القائم بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعد الأساس الضروري، بناء على ما حققه التكامل الأوربي من تقدم عظيم خلال السنوات الماضية.
وأوضح زعماء الاتحاد جليا أن الحمائية ستقوض مثل هذه الثقة بشكل كبير. وباعتبار الاتحاد الأوروبي منظمة اقتصادية إقليمية، يأتي التصميم على مكافحة الحمائية في الاتحاد من واقع الإحساس بالحاجة الملحة للتصدي للازمة المالية المتفاقمة، بل وأيضا من طبيعة كونه لاعبا اقتصاديا ثقيل الوزن في العالم.
ويقول المحللون انه أبعد من الكفاية بالنسبة للكتلة الطموحة ان تخرج بنفسها عن الأزمة، وإنما يتعين عليها أيضا أن تظهر انفتاحها واستعدادها للتنسيق مع الآخرين في الدفاع عن السوق العالمية من الانهيار بفعل الحمائية، حتى يمكن أن يكون لها المزيد من الرأي في تشكيل نظام سياسي، واقتصادي، ومالي عالمي جديد.
وصدرت إشارات قوية من القمم والاجتماعات المختلفة للاتحاد الأوربي منذ الشتاء الماضي للاستجابة للازمة بطريقة تتسم بالتضامن، والتعاون، والتنسيق.
وأوضحت غالبية دول الاتحاد موقفها المتمثل في أن إمكانية خروج الاقتصاد العالمي من الأزمة تكمن إلي درجة كبيرة في تنسيق السياسة بين الحكومات. وإذا ما ركزت كل دولة بشكل كبير على مصالحها الآنية قصيرة الأجل، واتخذت إجراءات حمائية بغض النظر عن المأزق الاقتصادي للآخرين، فان الخبراء يؤمنون بأن تعافي الاقتصاد العالمي سوف يتأجل بالتأكيد.
