تكلمنا في الحلقة السابقة عن الملامح الأولية للإتجاهات الجديدة للطب والخدمات الطبية في العالم وفي هذه الحلقة سننتطرق الى الايجابيات والسلبيات المتوقعة .

يتوقّع القيّمون على معاهد الأبحاث المختصّة بوضع السياسات الصحية الجديدة والخبراء في التخطيط الصحي والدراسات الإحصائية الصحية أن تعمّ الفائدة أهم القطاعات البشرية والعملانية المرتبطة بالنظام الصحي الجديد وأن تتخلص المؤسسات الصحية من السلبيات الموروثة بسبب التراكمات على مرّ الزمن من جرّاء النظم اليدوية الروتينية والبيروقراطية والأخطاء البشرية وفقدان المعايير وصلابة العراقيل التاريخية!.

وهكذا يطمح المتفائلون على هذا الصعيد ترشيد الإنفاق على الصحة بشكل عام وتوحيد المعايير والمفاهيم على مختلف الصعد الإدارية والمالية والتشخيصية والعلاجية وتضييق الفوارق بين المستشفيات في العالم وتسريع الإجراءات في المؤسسات الصحية وتحسين جودة الخدمات وسلامة المنشآت ودقة النتائج والتحاليل والإجراءات والرقي بها إلى أعلى المستويات العالمية وافتتاح عهد جديد من الإستثمارات في الخدمات الصحية عبر الصناعات الصحية والسياحة الصحية والتجارة الصحية وغيرها.

ومما لا شك فيه أن تبادل المعلومات الصحية وربط الدول الفقيرة أو النائية بشبكات الإنذار الصحي وشبكات الإتصال عن بعد لتقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية سيكون من أهم النتائج الأيجابية للإتجاهات الجديدة إن حسنت النوايا وصدقت الوعود ولم تدخل هذه الإيجابيات عالم الصفقات التجارية والسياسية لتفقد بذلك مضمونها الإنساني والعلمي!.

وأما المتشائمون فيركّزون في نظرتهم السلبية على محاور تدور في معظمها حول إنعكاسات الإتجاهات الجديدة للطب على الأيدي العاملة في مجالات الخدمات الطبية وعلى صورة الطبيب ومهنة الطب المتضررتان بشكل خاص من تغيّر المفاهيم والأساليب والوسائل. وهكذا يتخوف الكثيرون من إنعكاس التطور الصناعي الطبي خاصة في مجال الماكينات والأجهزة والروبوتات على توافر الفرص لليد العاملة أو إستمرارها في عملها إذ ستكون مهددة بالإستغناء عن خدماتها في حال تبني السياسات المستقبلية.

كما ستخسر المهن الطبية التقليدية رونقها المميّز وستتنازل عن الكثير من حقوقها المعنوية والمادية لصالح مهن طبية جديدة ستكون مؤثرة تاثيراً بالغاً في العمل الصحي كأخصائيي نظم المعلومات الصحية وأخصّائيي التسويق التجاري والسياحي في المجالات الصحية وأخصّائيي ضبط الجودة والسلامة والنفقات والجدوى الإقتصادية في المؤسسات الصحية.

أما الخاسر الأكبر في بحر هذه الإشكالات المتوقعة فهو الطبيب بصورته التقليدية الموقّرة والمبجّلة والذي سيفقد حينئذ هالته البرّاقة ويمسي ـ هذا إن حافظ على وظيفته ولم يستبدل بحاسوب أو برجل آلي ـ جزءاً بسيطاً من منظومة صناعية ـ تجارية ـ سياحية ـ مالية ـ معلوماتية هائلة لن يكون فيها إلا الرقم الأصغر والأدنى!

استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الخلايا في هيئة الصحة بدبي