أحدث جولة من محادثات تحرير التجارة والتي كانت قد احتضنتها العاصمة السويسرية جنيف في يوليو الماضي من عام 2008 باءت بفشل ذريع ، وربما كان الملف الزراعي هو من أكثر الملفات نزاعا في أروقة جولات المفاوضات تلك ، والسؤال الذي نطرحه في هذا التحقيق إن كان الغذاء منتجا تغلفه حسابات سياسية؟؟

لقد كان تصلب المواقف في قضية تحرير الزراعة بين الدول الأعضاء وخاصة بين الدول النامية والأخرى المتقدمة هو سيد المواقف والسمة الغالبة في أجواء مفاوضات جولات الدوحة والتي تعاقبت منذ عام 2000 وصولا بعام 2008 . وكان للمقترحات التفاوضية التي تطرح على طاولة المفاوضات الزراعية أبعاد سياسية ذات انعكاسات عميقة على الأوضاع الداخلية للعديد من الدول الأعضاء لكونها تستوجب في حالة إقرارها القيام بإصلاحات اقتصادية راديكالية قد تنظر لها بعض حكومات الدول بعين من القلق.

طموحات زراعية

وكانت اللجنة الوطنية الإماراتية لغرفة التجارة الدولية قد أصدرت تقريرا مفصلا حول مفاوضات جولات الدوحة ركزت فيها على الملف الزراعي حيث ذكر التقرير فيما يتعلق بالزراعة أن الدول المشاركة في مفاوضات جولات الدوحة كانت قد حددت عام 2013 كتاريخ نهائي لإلغاء دعم الصادرات مع الالتزام بوضع ضوابط بشأن الإجراءات ذات التأثير المماثل على الصادرات وبالأخص قروض التصدير وضمانات قروض التصدير وبرامج التأمين.

وتحديد تاريخ 30 إبريل2006 كآخر موعد للاتفاق على إجراءات التفاوض و 31 يوليو 2006 لتقديم جداول الالتزامات الأولية ، كما كان قد أتفق على إلغاء كافة أنواع دعم الصادرات القطنية مع نهاية 2006 وضمان النفاذ الحر(سواء في إطار نظام الكوتا أم لا) لصادرات القطن من الدول الأقل نموا عند الشروع في تطبيق نتائج جولة الدوحة. وخلال المفاوضات التي تلت مؤتمر هونغ كونغ تعذر على الدول الأعضاء التوصل إلى اتفاق بشأن الملف الزراعي بشكل أساسي مما نتج عنه تعليق جولة الدوحة للمفاوضات في 2006.

وتعتبر الزراعة مصيرية ليس فقط بالنسبة للدول المتقدمة ولكن أيضا للدول النامية . صحيح أن الزراعة هي أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية بالنسبة للدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة ولكنها أيضا مهمة من الناحية السياسية بالنسبة لجميع الدول الأعضاء على اعتبار أن تحرير تجارتها يتطلب اتخاذ قرارات « مؤلمة» بشأن تخفيض الدعم والحماية .

ولكي تتحقق تلك الطموحات الزراعية يتعين إيجاد تسوية مقبولة ومتوازنة ومرنة بشأن مفاوضات الزراعة بين الدول التالية : الولايات المتحدة، الإتحاد الأوروبي، الهند والبرازيل ، فتلك الدول التي كانت قد عبرت عن استعدادها السياسي لدفع مفاوضات الزراعة إلى الأمام يتعين عليها الآن أن تترجم ذلك إلى التزامات محددة وجوهرية إذا ما كان لدى تلك الدول رغبة سياسية حقيقية في إنجاح تلك المفاوضات وفض النزاعات الزراعية.

تعثر الملف الزراعي

لو تعمقنا في ملف الزراعة والذي يطرح على طاولة مفاوضات جولات الدوحة سنويا لوجدنا أن الهدف هو إطلاق مفاوضات شاملة تشمل تحسين المعاملة التفضيلية لصالح الدول النامية، إلى جانب تحسين جوهر النفاذ إلى الأسواق ، وإلغاء كل أشكال دعم الصادرات ووضع ضوابط لكافة الإجراءات المرتبطة بالتصدير .

إلى جانب التخفيض الجوهري للدعم المحلي مع إعطاء أولوية للقطن. ومن أجل الحفاظ على المكتسبات التي تمثلت ببساطة في انعقاد المؤتمر بشكل سنوي توافقت الدول الأعضاء على تخفيض مستوى طموحاتها والتي كانت قد ولدت في المؤتمر الوزاري السادس للدول الأعضاء والذي كان قد انعقد في هونغ كونغ - الصين في ديسمبر 20005 والذي طالبت الإمارات من خلاله بإزالة الدعم المقدم للزراعة والذي لا زال يعد القضية الشائكة في المفاوضات التجارية العالمية حتى يومنا هذا ، حيث ترى الإمارات أن إزالة الدعم من شأنه مساعدة منتجات الدول النامية على النفاذ لأسواق الدول المتقدمة.

وتتصدر مفاوضات جولات الدوحة عدة قضايا تتعلق بالقطاع الزراعي وتحديدا فيما يتعلق بنفاذ الأسواق والسلع الزراعية ، حيث تهدف المفاوضات أيضا إلى تخفيض الرسوم الجمركية وصولا إلى انسياب التجارة في المنتجات الزراعية ، إلى جانب الدعم المحلي للمزارعين حيث السعي إلى تخفيض الدعم الذي تقدمه الدول خاصة المتقدمة منها لقطاع الزراعة ، حيث يعيق هذا الدعم انسياب التجارة ويضر الدول الفقيرة التي تبقى قدراتها محدودة على منافسة الدول الكبرى .

ويذكر أن الدول النامية تطالب الدول المتقدمة خاصة دول الاتحاد الأوروبي بإزالة هذا الدعم الذي تقدمه لمزارعيها أو تخفيضه، وكانت دول الاتحاد الأوروبي قد قدمت بعض التنازلات التي اعتبرتها الدول النامية ومعها الولايات المتحدة أيضا غير كافية لتمكين الدول النامية من المنافسة . ويعتبر تحسين المعاملة التفضيلية لصالح الدول النامية، إلى جانب تحسين جوهر النفاذ إلى الأسواق ، وإلغاء كل أشكال دعم الصادرات ووضع ضوابط لكافة الإجراءات المرتبطة بالتصدير ، إلي جانب تخفيض جوهري للدعم المحلي مع إعطاء أولوية للقطن من أهم مطالب الدول النامية في جولات الدوحة .

الأمن الغذائي

ظلت مشكلة الغذاء ولعقود عديدة إحدى المشكلات التي تحتل الصدارة على المستوى العالمي فحظيت التنمية الزراعية باهتمام كبير حتى يتم التغلب على الاحتياجات الغذائية المتزايدة والضخمة لسكان العالم . فيما اتجهت دول كانت في الماضي مرشحة لمجاعات وكوارث بسبب حجم السكان كالهند والصين إلى تصحيح مفاهيم الأمن الغذائي واتجهت إلى زيادة إنتاج الغذاء ونجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي وانتقلت من الاستيراد إلى التصدير.

أما العالم العربي فسار في الاتجاه المعاكس، فالإنتاج الزراعي العربي ظل في تراجع سواء تعلق الأمر بالموارد البشرية أو الأراضي والمياه أو الإنتاج الغذائي. وقد حذرت منظمات مهتمة بالأمن الغذائي وخبراء اقتصاديون عرب مؤخرا من أن انعدام الأمن الغذائي سيبقي مستقبل الغذاء في الوطن العربي مرتهنا بدول العالم الأخرى، وحثوا على العمل الجاد من أجل تقليص الفجوة الغذائية في الوطن العربي والتي تشهد تصاعدا مطردا خلال هذا العقد .

كل هذه الأوضاع المتعلقة بالعجز الغذائي في العالم العربي ستزيدها تعقيدا تغيرات دولية وتحولات اقتصادية كبرى فلم تعد الموارد الطبيعية الزراعية المطلوبة لمزيد من الاستثمارات متاحة، ولم تعد التكنولوجيا الحيوية الحديثة التي تنبني عليها الآمال في مستقبل التنمية الزراعية أيضا متاحة، إذ أصبحت تنتجها شركات عابرة للقارات وقطاع خاص. هذا ورغم قيام بعض الحكومات العربية بتشخيص لأزمة الأمن الغذائي والقيام بجهود تستحق الثناء لإصلاح هذا الوضع وإعادة تكييف السياسات الوطنية ضمن خطة إستراتيجية ومبادرة تنموية زراعية جديدة إلا أن الأزمة الغذائية مازالت في تفاقم .

ويخطئ من يظن أن الأزمة الغذائية قد تلاشت بالتأكيد هي لم تتلاش ولكن ظللتها الأزمة المالية العالمية الراهنة والتي ستقف بالتأكيد وراء تفاقم معدلات الفقر . ونتساءل هنا لماذا يستورد العرب أكثر مما ينتجون زراعيا؟ وإذا كانت الأراضي العربية الصالحة للزراعة متوفرة والمياه متاحة ومصادر التمويل العربية موجودة فكيف توجد أزمة في الإنتاج الغذائي وفجوة غذائية ؟؟؟ فرغم التحسن في الإنتاج الزراعي في السنوات الأخيرة في المنطقة العربية إلا أنه لا يزال دون مستوى إشباع الاحتياجات العربية من الغذاء، إذ لا يغطي الإنتاج الزراعي العربي حاليا سوى نصف هذه الاحتياجات في حين يوفر النصف الآخر من الخارج. وتشكل الحبوب وخاصة القمح منها المكوّن الرئيسي للفجوة الغذائية العربية، ويرجع الاقتصاديون والمحللون هذا العجز في إنتاج الحبوب إلى العجز المائي.

حيث يرى الخبراء أن الحجم المائي اللازم لإنتاج الاحتياجات الغذائية العربية المستوردة يقدر بحوالي 50 مليار متر مكعب سنويا. ويجسد استمرار هذا العجز المائي استمرار العجز في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء في الوطن العربي على الرغم من التحسن الملحوظ في بعض بنود الإنتاج الغذائي . لقد أصبح هناك شبه إجماع على أن أزمة الغذاء في الوطن العربي وصلت إلى حدود حرجة تتجلى في تنامي الاعتماد على المصادر الخارجية لإطعام السكان وتدهور نصيب الفرد من الناتج الزراعي، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي في دول المنطقة العربية.

دبي - كفاية أولير