رسمت التقارير الاقتصادية الصادرة خلال الساعات الماضية صورة قاتمة عن أوضاع الاقتصاد العالمي. وأشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة ستمنى بعجز يبلغ 1.75 تريليون دولار في إطار مساعيها لإصلاح نظام الرعاية الصحية ودعم الاقتصاد هذا العام وهو أكبر عجز منذ الحرب العالمية الثانية. وأظهرت بيانات أميركية أيضا ارتفاع عدد طالبي إعانة البطالة إلى مستوى قياسي بلغ 5.1 ملايين. وفي آسيا انخفض الناتج الصناعي الياباني بنسبة قياسية بلغت 10% خلال يناير ليؤكد الحالة المتردية للاقتصاد.

وقال بيتر اورزاج مسؤول الميزانية بالبيت الأبيض إن الإدارة الأميركية تأمل في ألا تحتاج لطلب أموال إضافية لعمليات إنقاذ شركات من الكونغرس وتعتزم ألا تفعل ذلك إلا إذا تدهورت الأوضاع بدرجة أكبر. وأوضح اورزاج للصحافيين إن ميزانية الإدارة تتضمن تجنيب مبلغ 250 مليار في حال احتاجت لمزيد من التدخلات. وقال «نأمل ألا يكون ذلك ضروريا. لا نعتزم أن نطلب من الكونغرس المزيد من الأموال، لكن ذلك فقط تحسبا لأي تدهور».

مبيعات سيئة

وسجلت مبيعات السيارات في الولايات المتحدة في فبراير تراجعا بلغ 38% على امتداد سنة، كما أفادت دراسة أعدها مكتب «دي جاي باور»، على غرار التراجع في يناير الذي بلغ 37% والذي ينبيء بأن يكون العام 2009 اسوأ من العام 2008 على صعيد صناعة السيارات. أما مكتب ادموندس المرجعي الآخر لمبيعات السيارات، فتوقع تراجعا اكبر للسوق في فبراير يناهز 41.1% على امتداد سنة، كما قال في دراسة اصدرها.

وستنشر شركات صنع السيارات حصيلة مبيعاتها الشهرية يوم الثلاثاء المقبل. ويقول مكتب ادموندس إن الشركات الوطنية ستسجل تراجعا أسوأ من المتوسط على صعيد المبيعات التي من المتوقع أن تتراجع 53.1% على امتداد سنة لدى جنرال موتورز و47.5% لدى فورد و46.2% لدى كرايسلر. اما الشركات اليابانية فسيكون تراجع مبيعاتها اقل حيث ستتراجع تويوتا بنسبة 36.3% مقابل 32.1 لدى هوندا و 32.9% لدى نيسان.

وعلى صعيد التوقعات، أعاد مكتب دي جاي باور النظر في توقعاته للمبيعات على امتداد السنة بأكملها، من 11.4 مليونا إلى 10.4 ملايين سيارة. ويشكل هذا التوقع الجديد تراجعا منتظرا بنسبة 21% لحجم المبيعات في 2009، بعد تراجع بنسبة 18% في العام 2008، إلى 2.13 مليون سيارة. وبلغت أرقام 2008 مستواها الأدنى منذ 1992، ويقول المحللون ان 2009 تنبئ بأن تبلغ مستوى أدنى جديدا منذ 1982 بسبب الكساد الطويل في الولايات المتحدة.

وأعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية أن الإنتاج الصناعي في اليابان سجل في يناير تراجعا قياسيا بلغ 10% مقارنة بالشهر السابق. وعلى امتداد سنة، تراجع الإنتاج 8.3%. ويتطابق التراجع في يناير مع توقعات خبراء الاقتصاد الذين كانوا يعولون على متوسط تراجع يبلغ 10.1% مقارنة بديسمبر، كما أفاد استطلاع للرأي أعدته صحيفة نيكاي مع 24 منهم. أما الوزارة فتوقعت من جهتها تراجعا بنسبة9.1%.

وأضافت الوزارة أن التراجع في يناير الذي يعد الأكبر في اليابان، مرده إلى التراجع الكبير لإنتاج السيارات وشبه الموصلات الكهربائية، فيما انهار الطلب على هذا النوع من المنتجات في الخارج بسبب الأزمة العالمية. وهذا رابع تراجع شهري على التوالي للإنتاج الصناعي في اليابان الذي بلغ 9.8% في ديسمبر. وأوضحت الوزارة أن الشركات الصناعية اليابانية باتت تتوقع ازدياد تراجع الإنتاج بنسبة 8.3% في فبراير، على أن يسجل تحسنا طفيفا بنسبة 2.8% في مارس. وفي يناير، تراجع تسليم المنتجات الصناعية 11.4% مقارنة بديسمبر، أما المخزونات فتقلصت 2%.

تراجع الصادرات

وصدرت هذه الإحصاءات بعد أن أعلنت الحكومة هذا الأسبوع عن تراجع الصادرات بنسبة 45.7% في الشهر الماضي وقالت الأسبوع الماضي إن اقتصاد اليابان قد انكمش بنسبة 12.7% خلال الربع الأخير من العام الماضي مقارنة بالفترة نفسها قبل عام. وعانى اقتصاد اليابان الموجه للتصدير من تراجع الطلب من أوروبا والولايات المتحدة التي يضربهما الركود فضلا عن ارتفاع سعر صرف الين الياباني. كما أنفق المستهلكون اليابانيون بشكل أقل في يناير مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

وتراجع المتوسط الشهري لإنفاق الأسرة بنسبة فعلية بلغت 5.9% في يناير ليصل إلى 291440 ينا (2975 دولارا) ليسجل أسرع وتيرة تراجع منذ سبتمبر 2006. وتعتبر أرقام إنفاق الأسر مؤشرا مهما على مدى الإنفاق الشخصي الذي يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لليابان. لكن المتوسط الشهري لدخل الأسر العاملة زاد بنسبة 1% ليصل إلى 443337 ينا. وتراجع معدل البطالة في اليابان بنسبة 0.2 نقطة مئوية مقارنة بشهر ديسمبر ليبلغ في يناير 4.1% لكن الحكومة أبقت على تقييمها لمناخ التوظيف بالبلاد بأنه «يتدهور بشكل حاد».

التباطؤ الهندي

وتأكدت حالة التباطؤ الحاد في الاقتصاد الهندي عندما كشفت بيانات رسمية أن النمو بلغ 5.3% في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر من العام الماضي وذلك في أبطأ وتيرة نمو فصلية منذ ما يقرب من 6 سنوات. ويمثل هذا النمو تراجعا كبيرا عن المعدل البالغ 8.9% في الفترة نفسها قبل عام حيث ان الأزمة الاقتصادية العالمية تسببت في تراجع الطلب والصادرات.

وصدرت البيانات من جانب المنظمة الإحصائية المركزية قبل شهر واحد من انتهاء العام المالي في الهند في 31 مارس المقبل. وهذا النمو في الربع الأخير من العام الماضي هو لأبطأ لثالث أكبر اقتصاد في آسيا منذ الربع الأول المنتهي في مارس من عام 2003. ونما الاقتصاد بنسبة 7.6% في الربع الثاني وبنسبة 7.9% في الربع الأول من العام المالي للهند.

وبشكل عام فإن معدل النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي تراجع إلى 6.9% مقارنة بنمو نسبته 9% في الفترة المقابلة قبل عام. وتثير تلك الأرقام الحديثة تساؤلا بشأن ما إذا كانت الهند ستكون قادرة على تحقيق معدل النمو الذي توقعته الحكومة بأن يبلغ 7.1% للعام المالي الحالي.

كما أن التراجع جاء بمثابة صدمة بالنسبة لحكومة التحالف التقدمي المتحد الحاكم حيث ان البلاد تستعد لخوض انتخابات عامة. ويتخوف خبراء الاقتصاد من التراجع في الإنتاج الزراعي بنسبة 2.2% والإنتاج الصناعي بنسبة 0.2% كما أن قطاع الإنشاء سجل نموا متدنيا جدا بلغ 6.7% في الربع الأخير من عام 2008.

ونقلت وكالة الأنباء الهندية الآسيوية عن دي كي جوشي الخبير الاقتصادي بمؤسسة كريديت ريتنج انفورميشان سيرفيسز أوف إنديا الهندية للتصنيف الائتماني قوله إن أحد الأسباب لهذا التراجع هو الانخفاض في الإنتاج الزراعي حيث كان لهبوطه بنسبة 2.2% أثره الواضح. وأضاف أن كل القطاعات شهدت ضعفا لكن قطاع التصنيع كان له تأثير أكبر نظرا لوزنه عموما بالنسبة للاقتصاد، متوقعا أن ينمو اقتصاد الهند قريبا من نسبة 6.5% خلال هذا العام المالي.

إصلاح العيوب

وحذر خبراء من الحمائية التجارية خلال الأزمة وحثوا على ألاإصلاح العيوب في النظام المالي الذي سبب الأزمة. وقال ليو تيه نان نائب وزير لجنة ألاالدولة للتنمية والإصلاح الصينية انه لا توجد ألاإجراءات حماية في خطط الصين التحفيزية التي تشمل عشر صناعات رئيسية.

وأضاف ليو نحن ضد الحمائية التجارية ولا توجد هناك أية إجراءات ألاحماية في خطط التحفيز الاقتصادي الخاصة بالصين. ألاوحذر ليو من مغبة ازدياد الحمائية بمختلف أشكالها مع سعي العالم ألاجاهدا لمواجهة تأثيرات الأزمة المالية والحفاظ على النمو الاقتصادي. ألاوأشار إلى أن الحمائية قد يكون لها بعض التأثيرات على المدى ألاالقصير، لكنها خيار ينم عن قصر نظر.

وقال الخبراء إنه على الصين والولايات المتحدة العمل سويا من أجل تحقيق ألانتيجة مربحة للجانبين في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية. وأفاد متحدثون خلال مؤتمر تايغر بول 2009 بأن الصين والولايات المتحدة طرفان أساسيان في ألاقتصاد العالمي وهما في المركب نفسه لأن الانهيار الاقتصادي على ألانطاق العالم يضر بالاثنين.

وأضاف المتحدثون أن حقيقة اختيار وزيرة الخارجية الأميركية ألاهيلاري كلينتون لآسيا في جولتها الخارجية الأولى تؤكد الأهمية ألاالاستراتيجية التي توليها إدارة الرئيس أوباما ألاللمنطقة. وقالوا إنها تعكس أيضا كيف أن الصين والولايات المتحدة تحتاجان ألالمساعدة كل منهما للآخر للتغلب على الأزمة.

وأوضح ستابلتون روي الذي تولى مرتين منصب السفير الأميركي لدى ألاالصين أن كلينتون قد قدمت رسالة ايجابية وواضحة بأن الولايات ألاالمتحدة تريد التعاون والتنسيق مع الصين. ألاوقال أورفيل شيل مدير مركز جمعية آسيا للعلاقات بين الولايات ألاالمتحدة والصين إن الولايات المتحدة والصين يجب عليهما التعاون أولا ألافي مواجهة الأزمة الاقتصادية.

إجراءات إضافية

وقال هنري جينو مستشار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إن فرنسا ربما تتخذ إجراءات تحفيز اجتماعية واقتصادية إضافية إذا ازدادت الأزمة المالية سوءا لكن ينبغي أن تنتظر لترى ما إذا كانت الحزمة الحالية تحدث تأثيرا. وزاد ساركوزي الاستثمارات العامة وأقرض بنوكا وشركات صناعة سيارات لكن النقابات العمالية وسياسيين من المعارضة وأحد وزرائه السابقين يقولون انه ينبغي له أن يساعد المستهلكين بشكل مباشر.

وأوضح «لا نستبعد إمكانية أن يكون من الضروري اتخاذ إجراءات أخرى في مرحلة ما. إذا استمر تفاقم الأزمة، ستفعل الحكومة ما هو ضروري كما قال الرئيس». وارتفع إنفاق المستهلك الفرنسي، وهو محرك تقليدي للنمو الاقتصادي، بنسبة أكبر من المتوقع في يناير بفضل مشتريات السيارات وسلع أخرى. وزاد الإنفاق 1.8% مقارنة مع الشهر السابق ويناير 2008 قبل أن يعزز انخفاض حاد للتضخم الاستهلاك.

غير أن بيانات أظهرت أن المستهلكين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل ويرجح أن يفاقم من تلك المخاوف نمو حاد في عدد العاطلين في الشهر الماضي. وفي حين قال ساركوزي إن التجربة تشير إلى أن تقديم مساعدات مباشرة للمستهلك لا يجدي في فرنسا إلا أنه قدم بعض التنازلات في مواجهة ضغوط نقابية من خلال تخفيف بعض الضرائب على الدخل وتعزيز المعاشات.

قال ليو مينغ كانغ رئيس اللجنة ألاالصينية لتنظيم الأعمال المصرفية إن شراء سندات حكومية أميركية يعد احد خيارات احتياطي النقد الأجنبي الضخم في الصين ألاالذي يصل إلى نحو تريليوني دولار. وأوضح خلال مؤتمر صحافي حول الإجراءات التي اتخذها النظام المصرفي ألالمواجهة الأزمة المالية بأن الصين تدير احتياطيها من النقد الأجنبي ألابموجب مبدأ الحفاظ على السلامة، والسيولة، والربحية.

ووصل احتياطي الصين من النقد الأجنبي إلى رقم قياسي وهو 1.95 ألاتريليون دولار أميركي في نهاية عام 2008، وهو الأكبر في العالم ألاويتجاوز بكثير احتياطي اليابان التي تعد ثاني أكبر دولة تمتلك احتياطيا أجنبيا وقدره 1.03 تريليون دولار. وذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن الصين تمتلك سندات حكومية أميركية قيمتها 861.9 مليار دولار حتى نوفمبر، واشترت سندات أخرى قيمتها 14.3مليار دولار في ديسمبر.

(الوكالات)