تعكف مجموعة دبي للذهب والمجوهرات على التحضير لإعادة هيكلة أدوارها ومسؤولياتها ووظائفها لتصبح كيانا فاعلا ومؤثرا في تنظيم سوق الذهب بدبي، وتصوب المجموعة مسارها استنادا إلى الدروس والخبرات التي استقتها من واقع خبرة تعاملها مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وما رافقها من أجواء ملبدة بالإشاعات والأكاذيب والتي خيمت على أسواق الذهب في دبي.

وتتطلع المجموعة - بحسب أقوال محمد تمجيد عبد الله نائب المدير التنفيذي لمجموعة داماس في حديثه الخاص ل «البيان الاقتصادي» ؟ إلى أن تصبح كيانا مختلفا تماما عن الكيان المتواجد حاليا، بحيث تكون قادرة على التعامل الكفء والفعال مع سيناريوهات وأوضاع متغيرة، وبحيث تمتع بالقدرة والسلطة على ضبط وتنظيم السوق، وذلك على نحو يرسخ المكانة والسمعة العالميتين لمدينه الذهب، وعلي نحو يكفل مكافحة بعض الظواهر السلبية المتفشية في السوق.

وتكشف أقوال محمد تمجيد عبد الله عن أن المجموعة تعكف الآن على وضع مسودة مقترحات، تشتمل على الكثير من النقاط، يتمثل أبرزها في التزام التجار بأسعار موحدة، وتكثيف الحملات التفتيشية لضبط المخالفات فيما يتعلق بجودة الذهب المعروض، والمحافظة على المظهر الخارجي للسوق، بنزع الملصقات والإعلانات المخلة بالذوق العام. وتوقع أن تنتهي المجموعة من إعداد مسودة المقترحات تحينا لعرضها على دائرة التنمية الاقتصادية، وذلك قبل حلول نهاية شهر مارس الجاري.

ويستهل محمد تمجيد عبد الله حديثه بتسليط الضوء على أبرز التحديات التي جعلت إعادة الهيكلة خيارا حتميا بقوله : لم يسبق لسوق الذهب في دبي على مدي تاريخه الطويل أن شهد أجواء إشاعات وأكاذيب كتلك التي شاهدها، فلم نعتاد التعايش مع أوضاع كهذه ولم يدر بخلدنا أننا يمكن أن نتعرض لأجواء من هذا القبيل، بل كنا على مدار هذه السنين نطالع أخبار تتميز بالإيجابية، واعتادت أعيننا على رؤية كل ما هو إيجابي، ولكننا فوجئنا بأننا نتعايش مع أجواء ملبدة بالإشاعات والأكاذيب، ولذلك لم نكن مستعدين لمواجهة وضعا من هذا القبيل.

وهو ما يملي علينا ضرورة استخلاص الدروس لكي نكون قادرين على التعامل على نحو كفؤ وفعال مع أوضاع مماثلة أو مغايرة في المستقبل، بأن تتحول مجموعة دبي للذهب إلى كيان منظم للسوق يتمتع بسلطات ملزمة.

ويستدرك في حديثه بقوله : لقد وصلنا إلى وضع يعطي فيه كل شخص الحق لنفسه لأن يطالعنا بأرقام من صنع خياله، ولهذا تعددت الروايات، ما بين قائل بأن انخفاض المبيعات بلغ 10%، وقائل ثاني بأن الانخفاض وصل إلى 60%، وثالث يقدر الانخفاض بنسبة 90%.

والمفترض - والكلام ما زال له - أن تقوم وسائل الإعلام بدورها وواجبها بالتقصي عن الحقائق والوقائع من مصادر محل ثقة، وعدم إعطاء آذان صاغية للشائعات التي تختلق صورة قاتمة عن سوق الذهب في الدولة، بإظهاره على أنه بات على حافة الانهيار الكامل.

وساق محمد تمجيد عبد الله تقديراته لأوضاع سوق الذهب في دبي خلال الربع الأخير من العام الماضي والشهرين الأوليين من العام الجاري بقوله : رغم حقيقة أن هبوط المبيعات خلال الربع الأخير من العام الماضي لم يتجاوز نسبة تتراوح بين 8 و 10% في أسوء الأحوال، ورغم تراجع المبيعات طفيفا في شهر يناير من العام الجاري، إلا أن معدل الانخفاض بلغ 14%، بيد أنه طرأ تحسنا في معدل تراجع المبيعات خلال النصف الأول من شهر فبراير ليصل إلى 6%، بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام المنصرم.

ولكن يعتبر هذا المعدل أفضل كثيرا مما كان عليه الأمر خلال الفترة ذاتها من عام 2007، فقد تخلل هذا الشهر مناسبة عيد الحب التي شهدت إقبالا كبيرا على المجوهرات الذهبية، فعلي سبيل المثال، حققت داماس أفضل مبيعات خلال هذه المناسبة والتي فاقت مستويات المبيعات المسجلة خلال هذه المناسبة في السنوات الماضية، حيث بلغ حجم مبيعاتها من قلادات عيد الحب نحو 6700 قطعة في عام 2003، ولكن في عام 2009، وصلت مبيعاتها من هذه القطعة 500. 11 قطعة.

سيناريوهات مختلفة

ومع تفجر الأزمة المالية العالمية، تبين أن المجموعة تفتقر إلى القدرة على التعامل المرن مع سيناريوهات وأوضاع متغيرة، شأنها في ذلك شأن الكثير من الفواعل الاقتصادية الأخرى، وتبين كذلك أن هناك ثمة حاجة بأن تضع المجموعة إستراتيجيات للتعامل مع ظروف وأوضاع تتميز بالتقلب والتغير، بحيث تكون قادرة على الاستجابة السريعة لأية مستجدات أو ظروف طارئة.

كما تبين أنها ليس في وضع يؤهلها لأن تكون الجهة الوحيدة المختصة بإصدار البيانات عن حركة البيع والشراء في سوق الذهب نتيجة ضعف اختصاصاتها وسلطاتها، وعدم وجود لائحة تنظم عمل المجموعة بشكل واضح وصريح، وعدم وجود آليات وأسس تحكم العلاقة بين المجموعة والأعضاء.

وهكذا، صار المطلوب - والكلام ما زال له - في الوقت الحالي العمل على تقوية سلطات المجموعة، بأن تصبح كيانا يتمتع بسلطات تلزم التجار بمراعاة معايير ومبادئ تسهم في زيادة نضج السوق، وسيتأتي تحقيق هذا الهدف من خلال التعاون الوثيق مع دائرة التنمية الاقتصادية بدبي التي نحتفظ بعلاقات وثيقة معها على أرفع المستويات.

فهي تستجيب بسرعة لطلباتنا، ولكن بات الآن من الضروري الجلوس سويا على مائدة النقاش لتحديد النقاط على الحروف، وذلك لإعطاء مجموعة دبي للذهب والمجوهرات سلطات تنفيذية أكبر، وصار الآن مطلوبا أن تنجز مجموعة دبي للذهب والمجوهرات واجبها الداخلي، بأن تضع مسودة لمقترحات تحينا لعرضها على الدائرة الاقتصادية.

إعادة هيكلة المجموعة

وينتقل تمجيد عبد الله من الحديث عن ملابسات وظروف السوق إلى الحديث عن عملية إعادة هيكلة المجموعة بقوله : لقد نجحت حكومة دبي بالوصول بسوق الذهب إلى فضاء العالمية، وهو ما يضع على عاتق المجموعة مسؤولية الحفاظ على السمعة العالمية لمدينة الذهب، وذلك بالتعاون مع الدائرة الاقتصادية ببلدية دبي، فالمجموعة تتطلع لأن تلعب دورا تنظيميا لسوق الذهب، للبناء على السمعة العالمية لمدينة الذهب،

وتابع حديثه بقوله : من المقرر أن يجتمع الرئيس التنفيذي للمجموعة مع اللجنة الأساسية لوضع مسودة بهذه المقترحات، وفي تقديري أن إتمام إعداد مثل هذه المسودة لن يتجاوز شهر مارس المقبل، وتضم المجموعة إداريين مخضرمين، وهو ما يبشر بأن تكون المسودة محصلة خبرات تاريخية تمتد على مدي قرون عديدة. ويشرح محمد تمجيد عبد الله أبرز نقاط مسودة الاقتراحات، بتسليطه الضوء على النقاط التالية :

أولا : تحديد الأسعار، حيث لا يوجد سعر موحد مطبق في كافة المتاجر، بل تختلف الأسعار من متجر لآخر، وهو ما يعطي الانطباع بوجود فوضي في السوق، ويستلزم علاج هذه الظاهرة بأن يلتزم كل محل بوضع لائحة بالأسعار اليومية لجرام الذهب تكون مطابقة للأسعار الموحدة لجميع المتاجر، وبالتالي، تكون هناك قواعد ومبادئ تحكم المنافسة فيما بين التجار، ومن شأن الالتزام بهذه المبادئ أن يرسخ مصداقية مدينة الذهب.

ثانيا : المحافظة على سمعة المجموعة كمجموعة ضمن اتفاق مع مختبر دبي بلدية دبي للحفاظ على المستوى التقني للذهب بتكثيف الحملات التفتيشية على سوق الذهب لضبط المخالفات، وبالفعل يؤدي المختبر دوره على أكمل وجه، ولكن هناك ثمة حاجة لتكثيف مثل هذه الحملات .

ثالثا : المحافظة على المظهر الخارجي والمتاجر: حيث تستشري بعض المظاهر المخلة بسمعة مدينة الذهب، كإتباع بعض المحلات أسلوب «اصطياد الزبائن» من بين أفواج السائحين، عن طريق دفع بعض الأشخاص إلى هذه الأفواج لإغراء السائحين بالقدوم إلى محل بعينه لشراء المقتنيات الذهبية، وذلك مقابل عمولة يتقاضاها هؤلاء الأشخاص، وهو ما يعد بمثابة خرقا للقوانين، كما تعمد بعض المحلات إلى أساليب تعليق الملصقات واللوحات الإعلانية على نحو يخل بالمظهر الجمالي للسوق.

خامسا : أن تكون الجهة المختص بوضع الأرقام الخاصة بحجم المبيعات وحركة الشراء والبيع فهي لا ببد أن تكون المسؤول الأول والأخير عن وضع أرقان تتعلق بحركة البيع والشراء في سوق الذهب في دبي.

واختتم حديثه بقوله : نحن رأينا بأم أعيننا تجربة حكومة دبي في التعامل الفوري والسريع مع الأزمة فور تفجرها، وهي تجربة في قمة الروعة، وذلك بدءا بضمانها الودائع الموجودة بالبنوك، ومرورا يضخها السيولة المالية إلى الأسواق، ووصولا بقيامها بطرح برنامج إصدار سندات، وذلك على الرغم من حقيقة أن الإمارة لم يسبق لها أن اجتياز مثل هذه التجربة من قبل، إلا أنها ستشهد نهضة اقتصادية ضخمة.

الإحجام عن المشاركة

قال محمد تمجيد عبد الله أن مجموعة دبي للذهب والمجوهرات حرصت على مدار السنوات الماضية على المشاركة كراع رسمي لمهرجان دبي للتسوق، ولكنها في الدورة الأخيرة للمهرجان لعام 2009، خرجت المجموعة عن هذا التقليد، فعندما جري عرض ميزانية المشاركة في رعاية المهرجان، رفض كافة التجار الميزانية، وبالتالي، غابت المجموعة عن المشاركة.

واعتبر محمد تمجيد عبد الله عدم مشاركة المجموعة بمثابة خطأ فادح، وأشار إلى أن مجموعة داماس قررت المشاركة في رعاية المهرجان، ونظمت سحوبات يومية على جوائز ذهبية. وتساءل تمجيد عبد الله عن الأسباب التي دعت مجموعة داماس إلى المشاركة في رعاية المهرجان، وأجاب على هذا السؤال بقوله : أن هناك أسباب عديدة دفعتنا إلى اتخاذ مثل هذا الموقف، من بيناها، الرغبة في زيادة المبيعات، وعدم تأثر حركة البيع والشراء في المحلات التابعة للمجموعة، وجني حصة الأسد من جراء الترويج المنفرد للذهب.

وأضاف هناك أسباب أخلاقية وأدبية دفعت مجموعة داماس، حيث كانت حريصة على المشاركة في مهرجانات دبي للتسوق في أوقات الازدهار والانتعاش، وليس منطقيا أن تتواجد في السراء، و نغيب في الضراء.

ضعاف النفوس

قدر محمد تمجيد عبد الله أن سوق الذهب يتقلب حاليا بين الصعود تارة والهبوط تارة أخري، وهو ما يرجع أساسا إلى اعتبارات معنوية تتعلق بالمستهلكين أكثر منها مادية، حيث تأثرت معنويات البعض بالأخبار السيئة عن اقتصاديات العام، وبالتبعية، صاروا أكثر تخوفا مما يحمله المستقبل وبالتالي، باتوا أكثر توخيا للحذر، ولكن تبين لهؤلاء في المحصلة النهائية أن أوضاعهم المعيشية والوظيفية لم تتبدل.

وأوضح أن الأجواء الملبدة بالشائعات والأكاذيب تعد جزءا من ضريبة النجاح التي تدفعها إمارة دبي، حيث يستغل ضعاف النفوس الأوقات الصعبة بالتطاول على نموذجها الناجح الذي أرسته خلال العقود الثلاثة الأخيرة والذي وضعها في صدارة المدن ليس على صعيد الشرق الأوسط فحسب، وإنما كذلك على صعيد العالم بأسره.

وذلك على الرغم من الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن الأزمة المالية لم تصب دبي بالتحديد، وإنما أصابت كافة دول العالم، وبالرغم كذلك من الواقع الذي يعرفه الداني والقاصي بأن البنية الاقتصادية في الإمارات بشكل عام وإمارة دبي على وجه الخصوص تتمتع بالقوة والمتانة، بل تعتبر الأقل تأثرا على مستوى العالم.

دبي ـ مجدي عبيد