يصف عبدالجليل درويش الخبير المصرفي ورئيس مجلس إدارة مجموعة مشاريع الإمارات العربية المتحدة التشريعات بكونها الأرضية السليمة التي يجب أن تتوفر في كل مجتمع لكي يقيم بنيانه على أساس سليم بما يضمه من نشاطات في كافة المجالات.

ويضيف قائلا: لا نتصور في عصرنا الحديث أي نشاط اقتصادي يسير بلا ضوابط أو إطار تشريعي يوفر البوصلة التي يهتدي بها الممارسون لهذا النشاط، هذه التشريعات هي التي تضبط إيقاع هذا النشاط أو ذاك، وتمنع الممارسات الضارة من ناحية وتوفر المناخ الملائم للممارسات الإيجابية من ناحية أخرى. من هنا فإن ولادة تشريعات حماية المنافسة ومنع الاحتكار في الدولة تكتسب أهمية خاصة كونها تأتي ضمن سلسلة التشريعات التي سنتها الدولة في مختلف مجالات العمل الاقتصادي وغيره سعياً منها لاستكمال المنظومة التشريعية بعد أن قطعت شوطاُ بعيداً في مسيرتها الاقتصادية المشهودة اكتسبت منها خبرة ثمينة تعين على استحداث أي تشريع جديد أو تطوير أي تشريع قائم حسبما تقتضي الأحوال.

ويؤكد عبدالجليل درويش بأننا نسير بمبدأ الاقتصاد الحر القائم على المنافسة ومنع الاحتكار، فهو يرى أن الاقتصاديات الموجهة وحدها هي التي تحيا في ظل الاحتكار. ويضيف قائلا: قد رأينا كيف تحولت دول من تطبيق مبدأ الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر، فازدهرت وحققت نمواً كبيراً، ويشدد درويش على أن لا تكون الحرية مطلقة حتى لا تتحول إلى فوضى، ولهذا كانت التشريعات التي تضع ضوابط لهذه الحرية. - تحديد الأسعار: ويرى درويش أن أحد الآليات في تحديد أسعار السوق هي المنافسة الحرة، ويقول نحن نؤمن بهذا ولكن بضوابط، لأننا لا يجب أن نترك الحبل على الغارب حتى لا تخرج الأمور عن مسارها الصحيح وتحدث مشاكل لا تُحمد عقباها، لهذا فإن التشريعات تضع النقاط على الحروف وترسم الحدود التي لا يجب تجاوزها في ممارسة النشاط بأن تقوم فئة باحتكار نشاط معين وتتحكم في سعره أو تنشأ تكتلات معينة تمنع الآخرين من ممارسة نفس النشاط، وهكذا تكون النتيجة سلبية على المجتمع والمستهلك من ناحية وعلى الفئات الجادة ممن يمارسون نفس النشاط من ناحية أخرى.

وبسؤالنا له عن القطاعات التي يرى أنها بحاجة لصدور قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار فيجيب قائلا: أعتقد أن القطاعات في مجملها إما أنها تتعامل في تقديم سلعة أو خدمة أو مجموعة من السلع أو الخدمات لهذا أعتقد أن القانون يغطي هذين الجانبين بمعنى أنه يشمل كافة القطاعات، وهي كلها بحاجة إلى هذا القانون، إلا ما كان منها مشمولاً بقواعد تنظيمية قطاعية أخرى تنظم المنافسة على مستوى القطاع كالقطاع المالي والمصرفي أو الاتصالات والنفط والغاز، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وبالطبع هناك القطاعات السيادية التي تمس المصلحة العامة مباشرة كالدفاع والأمن وكل ما يصدر به تكليف خاص من السلطات بالدولة لتحقيق نفع للمصلحة العامة.

ولا يعتقد عبدالجليل درويش بأن الاندماج والاستحواذ يعدان شكلاً من أشكال الممارسات الاحتكارية إلا إذا أديا إلى سيطرة كاملة أو شبه كاملة أو على نسبة كبيرة من مجمل نشاط السوق على حد قوله، بحيث لا تتركا مجالاً للآخرين للمنافسة، ويضيف أعتقد أن مثل هذه العمليات تحدها ضوابط معينة ولا يُسمح بها إذا كانت ستؤدي إلى النتيجة التي ذكرناها، وهي تخضع لدراسة دقيقة قبل أن تصدر بها موافقات من السلطات المختصة. أما غير ذلك فهذه العمليات مطلوبة لتكوين كيانات كبيرة تستطيع أن تصمد وتنافس في وجه المنافسة العالمية والسوق المفتوحة.

وعن إذا ما كان تطبيق قواعد صارمة في الأسواق الصغيرة قد يشكل إضرارا بالشركات المحلية في الأسواق فأجاب: أعتقد بداية أن المشّرع عندما يضع قانوناً أو نظاماُ لضبط نشاط ما يضع في حسبانه أولاً المصلحة العامة بمفهومها الشامل لجميع الأطراف سواء لمن يمارسون هذا النشاط أو لمن يستفيدون منه بالحصول على السلعة أو الخدمة.

وفي كل قانون هناك دائماً مواد تتناول العقوبات لمن يخالفون أحكام ذلك القانون وتطبيقها واجب لضمان الحصول على الثمرة المرجوة من ذلك القانون، إذن فالجانب الإيجابي هو المقصد الأول والأخير سواء بالتحفيز للملتزم أو بعقاب المخالف، ثم إني أعتقد أن الأسواق الصغيرة، وبالمناسبة أرى أن الإمارات ليست من الأسواق الصغيرة.

حيث أنها ثاني أكبر اقتصاد عربي، هي بحاجة أكبر إلى تطبيق تلك القواعد الصارمة إن جاز تسميتها بذلك حتى تُقدّر معنى الالتزام بالقانون وتكبر في ظل نظام يحترم تشريعاته وهذا لا يمكن أن يضر بالشركات المحلية لأن المنافسة لا تُفرّق بين الشركات الأجنبية والمحلية طالما كانت تعمل بنفس المجال وتقدم نفس السلعة أو الخدمة والسوق هو الذي يعقد المقارنة والمفاضلة بين الشركات ويحكم على جودة السلعة أو الخدمة، ومن هنا يأتي الحافز للتطوير وهو جوهر المنافسة التي نتحدث عنها وهذا يفيد الشركات المحلية ولا يضرها.

المستفيد الأكبر

وعن القطاعات التي ستكون المستفيد الأكبر في حالة صدور قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة وإن كان يتوقع أن يستثني القانون في حلة صدوره قطاعات معينة مثل النفط والغاز والاتصالات، والتأمين والمصارف فيعتقد درويش أن المستفيد الأكبر من صدور هذا القانون هو المستهلك النهائي للسلعة أو الخدمة وهو المقصود بصدور القانون أولاً ثم الشركات الجادة من كافة القطاعات التي ينطبق عليها هذا القانون والتي تسعى إلى العمل في ظل منافسة شريفة بعيداً عن حروب الأسعار المحمومة والاحتكارات التي لا تخدم إلا فئة محدودة.

كما أعتقد وكما ذكرت من قبل بأن القانون يستثني بعض القطاعات مثل النفط والغاز والاتصالات والمصارف على سبيل المثال نظراً لخضوعها للقوانين والأنظمة القطاعية التي تتبعها، فضلاً بالطبع عن القطاعات السيادية للدولة كما أوضحت آنفاً. من جانبه يؤكد هشام فاروق الشريك والمدير في مؤسسة جرانت ثورتون الدولية إلى الحاجة لإدخال تغييرات شاملة على القوانين التي تحكم المناطق الحرة في الدولة تماشيا مع مستجدات الأزمة المالية العالمية ويضيف قائلا: أنا أتصور انه يجب أن يكون هناك توحيد في القوانين في كافة إمارات الدولة، يجب أن توحد مصادر القوانين أي أن تكون كلها صادرة من الحكومة الاتحادية لاستكمال عملية البناء كما أن التوحيد يؤدي إلى الشفافية في القوانين.

ويرى هشام فاروق أن الأزمة الحالية مناسبة لتغيير عدد من القوانين مما سيعطي الوقت للحكومة وللمستثمرين لإعادة النظر في الكثير منها فالوقت مناسب للتغير حسبما يرى هشام فاروق حيث يقول: عندما يعود الاستثمار الدولي من جديد إلى مستوياته الطبيعية سيقابل بقوانين محددة لا تباين فيها كما هو حاصل الآن مما سيساعد على استقطاب المزيد من المشاريع. وأكد فاروق على أن الإمارات مازالت الوجهة المفضلة للمستثمرين.

وتوقع فاروق أن يخرج قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار قريبا إلى الضوء في الدولة أي سيكون هناك تشريعات تحمي المنافسة وتمنع احتكار السوق من قبل شخص واحد أو شركة واحدة ويرى هشام فاروق بأن أهمية القانون الجديد إذا ما ولد في كونه سيخلق منافسة أكبر بين الشركات إلى جانب أن التعامل مع أكثر من شركة وأكثر من منافس من شأنه أن يخدم المستهلك بالدرجة الأولى حيث سيوفر للمستهلك أفضل الأسعار. لا يختلف اثنان على أن الاحتكار هو السيف المسلط على رقبة كل من المستهلك والمنافسة العادلة في الأسواق.

ضبط الأسعار من فوق قاعدة العرض والطلب

ولادة تشريعات لحماية المنافسة ومنع الاحتكار في الدولة خطوة ومطلب هام على طريق الاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي خاصة مع عدم قدرة الأسواق التجارية التقليدية على احتكار عجلة الاقتصاد التي تدور في جميع أنحاء العالم وظهور أسواق تنافسية استطاعت اكتساب ثقة عملاء ومستهلكي دول المنطقة بالجودة والسعر ونأخذ في الاعتبار هنا الشراكة الاستراتيجية التي تجمع دول المنطقة مع الدول الآسيوية ونمو العلاقات التجارية بين الطرفين كما أن وجود تشريعات ملزمة تمنع الاحتكار سيوفر إطار قانوني يحمي المستهلك وينظم المنافسة بين التجار ويحقق فعالية واستقرار السوق.

لا نقول بتحديد أسعار السوق ولكن بضبط الأسعار من خلال قاعدة العرض والطلب لأن تحديد الأسعار هو نوع من الاحتكار بشكل أو بآخر كما أن تحديد السعر قد يدفع مستوردين لجلب بضائع بجودة مختلفة بالسعر المحدد وهذا لن يخدم المواطن ولكن الاتفاق على عرض سعر متوازن مرن تفرضه الظروف الاقتصادية العالمية ويتناسب مع القوة الشرائية المحلية فهذا لا يوثر على الاقتصاد الوطني. وتعتبر القطاعات الاستهلاكية من أكثر القطاعات حاجة لقانون منع الاحتكار حفاظا على الاستقرار المعيشي للأسر وكبح جماح التضخم أما القطاعات التي يجب أن تستثنى من هذا القانون فهي القطاعات التي تسهم بشكل مؤثر في عملية التنمية وبخاصة البني التحتية.

ويلعب المستهلك الدور الرئيسي للقضاء على عمليات الاحتكار كونه المستهدف الرئيسي من عمليات الاحتكار ويمكن للمستهلك أن يلعب دوراً إيجابيا للحد من الاحتكار وتقوية الاقتصاد المحلي وذلك بتشجيع الصناعة والمنتجات الوطنية وهذا ما نلمسه داخل الدولة من بعض الجنسيات التي تقبل على استهلاك المنتجات المصنعة في بلدانهم عن سواها.

كفاية أولير

Kifaya@albayan.ae