قال جاكوين كوتاني السكرتير المالي الأسبق في حكومة الأرجنتين إن دول المنطقة وعلى رأسها الإمارات كانت الأقل تأثرا بتداعيات الأزمة المالية العالمية مقارنة بمناطق العالم الأخرى.

ونفى كوتاني أن تكون الأرجنتين محصنة ضد الأزمة مؤكدا قدرة بلاده على امتصاص الصدمة التي أحدثتها الأزمة الراهنة بسبب النمو الثابت الذي حققه الاقتصاد الأرجنتيني خلال السنوات الست الماضية. واشار في حواره مع «البيان» إلى أن الامارات ودبي تحديداً الاقل تآثراً بالازمة العالمية، كما ان دبي ستبقى دائماً مركزاً لاستقطاب رؤوس الاموال العالمية. وفيما يلي نص الحوار : ما هي الصورة التي يمكن أن ترسموها لأميركا اللاتينية والأرجنتين تحديدا في ضوء الأزمة المالية العالمية الراهنة؟ أميركا اللاتينية الآن ليست كما كان حالها في الماضي، فهي في وضع أفضل مقارنة بمناطق أخرى من العالم فديونها في انخفاض وأوضاعها المالية تتجه للقوة وكذلك أوضاعها الخارجية أيضا. دول أميركا اللاتينية ليست بمعزل عن العالم فنحن جزء من هذا العالم الصغير لقد تأثرت دول أميركا اللاتينية بتداعيات الأزمة المالية العالمية الحاصلة ولكن تأثرها لم يكن بحجم التأثر الذي ضرب اقتصادات الولايات المتحدة ودول أوروبا.

الولايات المتحدة الأميركية طالما نظرت إلى أميركا اللاتينية على أنها ساحتها الخلفية. في ظل تفاقم الأزمة الراهنة في الولايات المتحدة إلي أي حد قد ينعكس ذلك على اقتصادات الدول اللاتينية؟

ما تقولينه قد يكون صحيحا وقد ينطبق على بعض دول أميركا اللاتينية مثل المكسيك، ولكن بالنسبة للأرجنتين فهي تصدر لأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط أكثر من تصديرها للولايات المتحدة الأميركية. الاقتصاد الأرجنتيني نما خلال السنوات الخمس الماضية بصورة مشابهة للنمو الذي تعيشه الصين. الاقتصاد الأرجنتيني نما بنسبة 8% خلال الست سنوات الأخيرة.

ومن الطبيعي أن يشهد نمو الاقتصاد الأرجنتيني تباطؤا في ظل الأزمة الراهنة شأنه شأن باقي دول العالم الأخرى ولكن مازلنا نعتقد بأن اقتصاد الأرجنتين مازال جيدا مثله مثل اقتصاد كولومبيا والبرازيل وبيرو بالرغم من أن الأزمة الحاصلة مقارنة بدول أخرى عديدة مثل دول شرق أوروبا ومناطق أخرى عديدة يتوقع أن تتأثر بقوة بتداعيات تلك الأزمة.

فعلى سبيل المثال المكسيك ستكون الأكثر تأثرا بالأزمة بفعل موقعها الجغرافي وعلاقاتها الوثيقة تجاريا بالولايات المتحدة فالجزء الأكبر من تجارة المكسيك يتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية.

هل تتفق مع رؤية الكثير من الخبراء بأن المنطقة الخليجية هي الأقل تأثراً بالأزمة المالية الراهنة؟

البنية التحتية التي خلقتها الحكومات الخليجية في بلدانها وفي الإمارات ودبي تحديدا خلقت من أجل أن تدوم وبالتالي دبي ستبقى دوما مركزا لجذب رؤوس الأموال من مناطق العالم وبشكل عام دول المنطقة الأقل تأثرا بالأزمة الراهنة مقارنة بدول أخرى عديدة.

ما هي توقعاتكم بشأن أسعار النفط والتي شهدت انخفاضا حادا مؤخرا إلى ما دون 50 دولارا للبرميل الواحد؟

برأيي أن انخفاض أسعار النفط بشكل كبير حاليا هو أمر مؤقت لن يدوم، أسعار النفط ستعاود الارتفاع، ولكن ليس للمستويات المرتفعة جدا التي كانت عليها في النصف الأول من العام الماضي حيث تجاوز برميل النفط 140 دولارا للبرميل، وفي ظل عدم الاستقرار في أسعار النفط والتباين الكبير فيه فإنني أعتقد أن أسعار النفط ستستقر عند 60 دولارا للبرميل الواحد مع نهاية العام الحالي 2009. وإذا ما نظرنا إلى تكلفة الإنتاج المنخفضة للنفط في الدول الخليجية فباستطاعتنا أن نقول بأن اقتصادات الدول الخليجية ستكون قادرة على تجاوز الأزمة المالية العالمية الراهنة.

في ظل تولي باراك أوباما رئاسة البيت الأبيض، هل ترون بأنه يمتلك أدوات كافية تمكنه من تجاوز أسوأ أزمة اقتصادية تعصف باقتصاد الولايات المتحدة؟

نعم أعتقد ذلك، هناك رئيس جديد للولايات المتحدة، والفريق الاستشاري الذي اختاره أوباما لمواجهة الأزمة لديه باع وخبرة طويلة في عالم المال والاستثمار والتعامل مع الأزمات فهناك تيموتي غيثنر والذي كان يشغل منصب رئيس الاحتياطي الفدرالي لنيويورك يشغل حاليا منصب وزير الخزانة في الإدارة الجديدة وكذلك سمرز لإدارة المجلس الاقتصادي للبيت الأبيض..

وهما رجلان يحظيان باحترام كبير في الأوساط المالية، اختيارهما سيسهم في تهدئة أسواق المال الداخلية التي أربكتها الأزمة الحالية التي انتشرت كالنار في الهشيم. لقد كان أوباما حكيما في الإبقاء على بعض الوجوه التي شغلت مناصب في الإدارة المنتهية وتعاملت مع الأزمة في بداياتها وأيضا إدخال وجوه جديدة بدماء وأفكار جديدة في حكومته. المشكلة تكمن في كيفية إعادة زرع الطمأنينة والثقة في قلب المستثمرين الذين يعتقدون بأن أسعار الأصول ستواصل انخفاضها وبالتالي يمتنع هؤلاء عن الاستثمار مما يضر بالأسواق.

إلي أي مدى قد يؤذي استمرار تحفظ البنوك في دول العالم عن الإقراض الاقتصاد العالمي؟

تحفظ البنوك بشكل عام عن الإقراض من شأنه أن يؤذي اقتصادات دول العالم وبالتالي الاقتصاد العالمي، وهذا التحفظ ناجم عن عدم توفر معلومات كافية عن حقيقة ما يجري في قطاع المال، فكل أسبوع نكتشف أخبارا جديدة فهناك بنوك عالمية تشهر إفلاسها وأخرى تعلن عن تحقيقها أرباحا معقولة وقدرة ما على تجنب الأزمة وكذلك هناك بنوك تعلن عن تدني أرباحها بصورة مخيفة..

وهكذا، لا أحد الآن بمنأى عن الأزمة الحاصلة ولكن في مرحلة ما ستنتج الأزمة آثارا تتمثل في انتقال الناس من التوقعات بحدوث الانكماش إلي التوقعات بحدوث التضخم، فالإنفاق المالي وتوسع دائرة المراقبة سيجلب تلك التوقعات وعندما يحدث ذلك فإن معدلات الفائدة ستكون سلبية لفترة من الزمن وستشجع الناس في البحث عن فرص استثمارية والأمر ذاته سيحصل أيضا لهؤلاء الذين يرغبون في الاستهلاك لاعتقادهم بأن الأسعار سترتفع بدلا من أن تتجه للانخفاض، ما يحصل الآن هو حالة مؤقتة قد تمتد إلي نهاية العام الحالي 2009. ولكني متفائل بأن الاقتصاد العالمي سيستعيد شيئا من عافيته بحلول عام 2010.

العديد من دول العالم اتجهت مؤخرا إلى خفض معدلات الفائدة لديها وخصوصا تلك التي ترتبط عملاتها ارتباطاً وثيقاً بالدولار الأميركي، إذا ما اشتدت حدة الأزمة هل من الممكن أن نرى «معدل فائدة صفر؟»

خفض أسعار الفائدة مفيد للاستثمارات، ولا يمكن أن نرى معدل فائدة صفر لأن خفض معدلات الفائدة عادة ما يصاحبه مخاطر، كما أن الاستمرار في خفض معدلات الفائدة قد يقود إلى مزيد من المشكلات مستقبلا، وباعتقادي أن توجه البنوك المركزية لخفض معدلات الفائدة فكأنها تقول إننا على استعداد لضخ مزيد من الأموال إذا ما دعت الحاجة لمنع حدوث انكماش في اقتصادات بلدانها تلك هي رسالة البنوك المركزية .

وهذا بالتأكيد لا يعني أن معدل الفائدة على الأموال التي يتم اقتراضها من البنوك لتأسيس المشاريع سيكون صفراً. وحاليا نحن نرى أن العلاقة ما بين معدل الفائدة الصفر والمعدل الحقيقي للفائدة للاستثمارات مقطوعة بصورة ما لأن البنوك تحجم عن الإقراض.

كيف تعاملت الأرجنتين مع تداعيات الأزمة الراهنة؟

لقد اتخذت الأرجنتين حزمة من المعايير لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة، كما أن الأرجنتين لا يمكنها أن تصدر الأموال، ولكن ما تفعله الحكومة هو تشجيع أفراد الشعب على شراء العملات الصعبة مثل الدولار، كما أنه ليس باستطاعتها رفع معدلات الإنفاق المالي وخفض الضرائب بسبب عدم قدرتها على التمويل.

الحكومة الأرجنتينية تبذل جهودا حثيثة لمواجهة الأزمة. الأرجنتين ستعتمد على استعادة عافيتها، والأمر الجيد بالنسبة للأرجنتين هو أنها انطلقت من موقع قوة فاقتصادها يشهد نموا متواصلا وثابتا خلال السنوات القليلة الماضية. بالتأكيد الأزمة سيكون لها انعكاسات على نمو الأرجنتين ولكن الأرجنتين قادرة على امتصاص صدمة الأزمة.

دبي ـ «البيان»