قبل ثمانية عقود أطلقت الولايات المتحدة الأميركية وحكومات أوروبا موجة من الزحف الحمائي ساهمت في ذلك الوقت في دق اسفين التوتر والنزاعات التجارية بين دول العالم وفي نشوب أزمة اقتصادية حالكة، واليوم تبدو دول العالم وكأنها لم تتعلم من دروسها السابقة فالتاريخ يعيد نفسه.

ولكن في صورة قد تكون أكثر بشاعة قد تهدد بانقسام بين دول العالم لا تحمد عقباه وخاصة أن الأزمة قد تكون الشماعة التي ستعلق عليها بعض الدول مبرراتها بتوجهاتها الحمائية ضاربة بعرض الحائط ما كانت تنادي به من ضرورة التمسك بسياسات السوق الحرة وحرية التبادل التجاري وانفتاح الأسواق... الخ من الشعارات المعسولة والتي سرعان ما تخلت عنها تلك الدول واضعة مصالحها الاقتصادية فوق كل اعتبار وليذهب العالم من بعدها إلى الجحيم العالم يواجه اليوم خطر تكرار دوامة الحمائية التجارية المدمرة التي شهدها خلال أزمة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.

في بريطانيا أخذت المظاهرات المطالبة بمنح الوظائف للعمال البريطانيين دون غيرهم من الأجانب في الاتساع حيث ساهم توسع رقعة الاتحاد الأوروبي من خلال انضمام دول أوروبية شرقية كانت تقطن في الماضي تحت عباءة الشيوعية إلى كتلة الاتحاد الأوروبي في إتاحة الفرصة لدخول عمال تلك الدول المنضمة حديثا للاتحاد الأوروبي مثل رومانيا وبلغاريا إلى أسواق العمل في الدول الغربية الغنية مما ضيق الخناق على العمالة المحلية في دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وساهم في رفع مستويات البطالة فيها كما تعالت أصوات مطالبة بتغليب المنتج البريطاني وإلى السير تجاه استهلاك ذي طابع قومي. بريطانيا نفت أي توجهات لها للحمائية ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الذي تابع عملية الإنقاذ المصرفي للمصارف البريطانية وسعى إلي لإقناع البنوك البريطانية لرفع حجم إقراضها محليا محذرا من مخاطر الانعزالية المالية أطلق تحذيرات قوية من الحمائية .

وخاصة المالية فالحمائية لها أوجه عديدة، ولكن على الرغم من ذلك مازالت الحمائية آخذة رقعتها في الاتساع في الولايات المتحدة والدول الغربية. وتواجه بريطانيا تذمرا من شركائها الأوروبيين الذين يخشون من أن تراجع الجنيه الإسترليني سيعزز من موقف الشركات البريطانية في أسواق التصدير على حسابهم في منطقة تجارية أوروبية يفترض أنها موحدة وينظرون إلى هذا الإجراء على أنه حمائي بالدرجة الأولى وقد انتهزنا فرصة زيارة اللورد إيان لودر عمدة «حي المال والأعمال» في لندن (سيتي أوف لندن) للإمارات وأثرنا معه قضية الحمائية والتي تهدد بتشويه التجارة الحرة وسألناه : كيف يمكن منع الركود الاقتصادي العالمي من توسيع موجة الحمائية الحاصلة والتي من شأنها بناء حواجز تجارية بين دول العالم في وقت ينادي به العالم بالحرية التجارية.

فرد اللورد لودر بالقول: هذا هو بالفعل السؤال الرئيسي وأضاف أنا اتفق معك بضرورة منع الركود الاقتصادي العالمي من توسيع موجة الحمائية الحاصلة والتي ستقود بدون شك لخلق حواجز تجارية بين دول العالم سواء كانت تلك الحواجز التجارية مرئية أم غير مرئية.

ولهذا ارتفع صوت الدول التجارية في العالم مثل مجموعة الدول الإنمائية ومجموعة الآسيان ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي والذي يعد بحد ذاته منطقة تجارية حرة وتمتلك دوله اتفاقيات تجارية واسعة مع العديد من دول العالم سواء مع تلك المنضمة للاتحاد الأوروبي أو تلك التي تقع خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، مطالبين بضرورة الوقوف بحزم في وجه الحمائية.

وأضاف اللورد لودر قائلا إذا ما بدأت دولة ما بخلق حواجز تجارية فهذا سيحقق لها مصلحة وفائدة على المدى القصير ولكنها سرعان ما ستختفي تلك الفائدة عندما تبدأ دولة مجاورة ببناء حواجز تجارية هي الأخرى وهكذا.. مما سيقود إلي فتور وكساد اقتصادي عالمي.

ورفض عمدة لندن الاتهامات التي وجهتها بعض الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا متهما إياها بتعمد خفضها لعملتها من الجنيه الإسترليني مما يعزز من موقف الشركات البريطانية في أسواق التصدير على حساب أسواق تلك الدول على حد وصف تلك الدول، حيث يؤكد اللورد لودر على أن قيمة الجنيه الإسترليني تقوده أسعار السوق، ويقول بأن بنك إنجلترا «المركزي» تخلى عن محاولاته التأثير على أسعار الصرف للجنيه الإسترليني منذ عام 1992 .

ولذلك فقد تمكن الجنيه الإسترليني من استعادة ما نسبته 10 % من قيمته بعد الهبوط الذي شهده في يناير الماضي من هذا العام، ويضيف قائلا : باعتقادي أن الجنية الإسترليني قد تم بيعه بصورة مبالغ فيها وفي الحقيقة سيعاود الجنيه الإسترليني ارتفاعه.

وهذا لا اعتبره حمائية وإنما صرف حر، ويتابع قائلا، الأمر أشبه بأسعار النفط فقد رأينا كيف تأرجحت أسعار النفط ما بين ارتفاع وانخفاض وهذا يعكس طلب السوق ولا يعكس تلك الأوقات التي كان بالإمكان السيطرة على أسعار النفط أو أسعار الصرف، تلك الأيام ذهبت بالفعل، والأمر الأكيد الذي لن تقوم المملكة المتحدة بفعله هو إضاعة وقتها وجهدها في الدفاع عن الجنيه الإسترليني، السوق هو من يحدد قيمة الجنيه الإسترليني.

وأضاف لودر لقد بات هناك إجماع دولي على ضرورة الخروج من حالة الركود الاقتصادي التي يعيشها العالم وهذا ما أكده وزراء مالية مجموعة السبع والذي اجتمعوا مؤخرا في روما حيث أكدوا على أن بلدانهم ستبذل كل ما بوسعها لمحاربة الركود مع تجنب تشويه حرية التجارة وذلك وسط مخاوف متزايدة من تنامي إجراءات الحماية التجارية. وبرأيي أن هذا الإجماع إيجابي وهو في الوقت ذاته مهم للغاية وخاصة في ظل تداعيات الأزمة الراهنة.

من جانبه علق جاي وارينغتون القنصل العام البريطاني في دبي والذي كان حاضرا جلسة الحوار على قضية اتهام دول أوروبية لبريطانيا بالحمائية بالقول: لقد بني هيكل وأساس الاتحاد الأوروبي على التجارة الحرة بالدرجة الأولى ،وبريطانيا تحارب بقوة لضمان حماية التجارة الحرة وتحارب الحمائية التي من شأنها الإضرار بمستقبل التجارة الحرة. وبغض النظر عما يعتقده الفرنسيون، فهناك دول أخرى في الاتحاد الأوروبي تؤمن مثل بريطانيا بضرورة حماية التجارة الحرة من براثن الحمائية.

من جانبها لم تخف فرنسا توجهاتها الحمائية، بالرغم من انتقاداتها المعلنة للحمائية والتي تمثلت في الانتقادات التي وجهها وزير التجارة الفرنسي إلي الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما بشأن خطة استخدام الفولاذ الأميركي فقط والذي رأى فيها الوزير الفرنسي مؤشراً سيئاً للغاية لصورة واضحة من الحمائية الأميركية على حد وصفه.

وكان الكونغرس الأميركي قد أقر مؤخرا خطة إنقاذ اقتصادي قيمتها 787 مليار دولار تشمل عشرات المليارات من الدولارات لتمويل مشاريع بناء عامة، وتضم الخطة بندا باسم (اشتروا البضائع الأميركية)، يشجع على شراء الحديد والصلب والمواد الأميركية المصنعة لإنجاز مشاريع البنية التحتية التي ستمول بموجب الخطة، وترى أوروبا في الخطة الأميركية انتهاكا صارخا لقواعد التبادل الحر وقوانين منظمة التجارة العالمية، فيما حذرت المفوضية الأوروبية من أنها لن تبقى مكتوفة الأيدي حيال هذا التوجه الأميركي.

وكانت الحكومة الفرنسية قد طلبت من شركات تصنيع السيارات وعدا بعدم تحويل الوظائف أو الإنتاج إلى خارج فرنسا مقابل 6 مليارات يورو من الدعم (8,7 مليارات دولار في صورة قروض لشركتي رينو وبيجو وسيتروين)، وترى المفوضية الأوروبية ان الخطة الفرنسية لمساعدة قطاع السيارات والتي تلزم شركات صناعة السيارات الفرنسية بعدم إغلاق مصانع داخل البلاد لمدة خمس سنوات ربما لا تتفق مع قواعد الاتحاد الأوروبي بالرغم من تطمينات وزير الصناعة الفرنسي لوك شاتل والذي قال ان بلاده تعارض الحماية التجارية ولا تعتقد أن خطتها لإنقاذ قطاع السيارات التي لاقت انتقادات من بعض الحلفاء في الاتحاد الأوروبي تخالف قواعد الاتحاد الأوروبي المتصلة بالمنافسة.

في حين كان لإيطاليا نهج آخر من الحمائية حيث عمدت إيطاليا إلى الإبقاء على شركة الخطوط الجوية الإيطالية (أليطاليا) ضمن أيد إيطالية، فيما حثت الشعب الإيطالي على شراء المزيد من المنتجات الوطنية الإسبانية.

انتشار الحمائية لم يعد مقتصراً على الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ولكنه تسرب إلي دول أوروبا الشرقية والجنوبية فها هو محافظ البنك المركزي اليوناني يحذر البنوك اليونانية من استخدام أموال الدعم الحكومية من أجل دعم فروعها في دول البلقان. وتراقب دول أوروبا الشرقية بترقب وخوف عمليات الإنقاذ الغربية وبالأخص لقطاع صناعة السيارات والتي تعد مهمة للغاية لدول مثل التشيك وهنغاريا وسلوفاكيا وبولندا.

الحمائية تهدد بانقسام أوروبي ودولي بالغ الخطورة، حيث ستنقسم دول العالم ما بين دول سياساتها الاقتصادية تتكيف من اقتصاد السوق الحر والعولمة وأخرى تتبنى سياسات اقتصادية ذات نزعة قومية. الأخطر من ذلك الخوف من شيوع ما يعرف باسم «الحمائية المالية» في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تنسحب البنوك إلى أسواقها الأم إذ ستجبرها عمليات الإنقاذ الحكومية على التفكير بصورة أقرب إلى الخطوط الوطنية.

وقد أثارت التوجهات الحمائية غضب دول مثل الصين والتي رفضت الإجراءات الحمائية التي تزمع الولايات المتحدة تطبيقها والتي بدأت دول أوروبية بانتهاجها حيث أكدت الصين على أنها ستتجنب إجراءات تشجيع شراء البضائع الصينية فقط في خطتها للحفز الاقتصادي.

وقد تحدثنا إلي قاو يوتشن القنصل العام الصيني في دبي عن موقف بلاده تجاه الحمائية، وإن كانت حدة الأزمة قد تجبر الصين على التوجه للحمائية فقال ان الحمائية من شأنها أن تسمم الاقتصاد الحر، كما من شأنها الإضرار على حد قوله بالاقتصاد العالمي، وأضاف أن المنفعة لن تعود على الدول المطبقة للحمائية كما من شأن الحمائية الإضرار بمصالح الدول المصدرة.

وتابع يوتشن قوله: بالنسبة للحمائية فهي تظهر بأشكال متعددة فبعض الدول ترفع نسبة الرسوم الجمركية على السلع التكنولوجية المستوردة أو تخفض من استيرادها بشكل عام، فيما طرحت دول أخرى فكرة شراء المنتجات المحلية فقط، وهذا يشعرنا بالقلق الشديد في الصين.

وأكد يوتشن على معارضة الصين للحمائية بكافة صورها وأشكالها ودعا إلى حل المشاكل والنزاعات التجارية بين دول العالم من خلال النقاش والمفاوضات، وتابع قائلا: موقف الصين واضح تجاه الحمائية والصين لن تنتهج الحمائية، وأضاف نحن لا ندعو الشركات والمؤسسات الصينية لشراء المنتجات الصينية فقط بل نشجعها على شراء كافة المنتجات الصينية والأجنبية أيضا وسنستمر في استيراد مختلف المنتجات الأجنبية.

وهناك وفد تجاري صيني سوف يسافر إلي أوروبا في نهاية الشهر الحالي أو دول أوروبية مثل سويسرا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا من أجل شراء منتجات تكنولوجية من تلك الدول بالرغم من حدة الأزمة المالية العالمية الراهنة وتوجه دول غربية لتطبيق الحمائية، هذا التوجه الصيني هو صفعة للحمائية وتأكيد على موقف الصين الرافض للتوجهات الحمائية، حيث تذهب الصين لشراء البضائع الأوروبية في ظل أزمة مالية عالمية حادة.

أمام هذه الحمائية فإن الحكومة الصينية على استعداد لإجراء مشاورات مع دول العالم المختلفة لتسوية النزاعات التجارية وخاصة أنه في الفترة الأخيرة كثرت تلك النزاعات ما بين الدول المتقدمة والدول النامية وهي بالتأكيد بحاجة إلي حلول عاجلة وخاصة في ظل تداعيات الأزمة الحكومة الصنية تشجع على تبادل وجهات النظر والتفاهم بين الشركات الصينية والأجنبية من أجل تسوية النزاعات التجارية بما يخدم مصالح كل الأطراف.

ويقول قاو يوتشن ان الحمائية لا تضر فقط بالدول التي تطبقها وإنما ايضا بمصالح الدول الأخرى وبالتالي لا تعود بالنفع على الجميع ولا تساهم بالنهوض بالاقتصاد العالمي وتنميته. ويؤكد يوتشن على أهمية محاربة الحمائية، حيث التصدي للحمائية يجعل العالم قادرا على تجاوز الأزمة المالية العالمية والتي يعيش العالم أسوء تداعياتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا التحقيق إلى أي مدى ستستغل برامج الإنقاذ التي تطلقها الحكومات الغربية والتي تتضمن ضخ المليارات من الدولارات لمساعدة الشركات والبنوك المتعثرة في تلك الدول في لي ذراع تلك البنوك والشركات والضغط عليها من قبل حكوماتها لكي تتجه نحو تيار الحمائية والنزعة القومية التجارية والمالية والاستهلاكية والذي سيطيح بسياسات الاقتصاد الحر وبالتأكيد نظام العولمة فلن يعود العالم قرية صغيرة تنفتح أسواق الدول فيها بعضها على البعض وإنما ستتحول لتكتلات اقتصادية عدائية.

الحمائية ربما ستفتح أعيينا وتدفعنا لكي نعيد حسابات الثقة مع سياسات العالم الغربي التجارية حيث أصبح من السهل عليهم تغيير قواعد اللعبة التجارية متى وأينما شاءوا طالما أن ذلك سيصب في جعبة مصالحهم الاقتصادية بالدرجة الأولى، فمصلحتهم هي الأولى وبعدهم الطوفان ومبرراتهم هي الأزمة وكأنهم وحدهم المتأثرون بتداعياتها دون غيرهم في العالم.

دبي ـ كفاية أولير