تترقب الصناديق السيادية الأكثر تأثيرا وقوة في العالم وصول الأسواق إلى مستوى القاع لكي تقوم بضخ استثمارات مؤثرة وضخمة، وترسم لنفسها معالم إستراتيجية استثمارية تنحو نحو السلبية وعدم الانخراط على نحو نشط وإيجابي، وهو ما يمثل تحولا جذريا في النهج الذي تبنته هذه الصناديق قبل تفجر الأزمة المالية، حيث كانت تتبع وتلاحق الأصول بهدف الاستحواذ عليها، وهو ما وضعها تحت مجهر السلطات المالية النقدية في أوروبا وأميركا الشمالية.
وباتت واحدة من أسباب احتدام الجدل والخلاف بين معسكري الحمائية والحرية التجارية، بل وتوجهت إليها الأنظار في أعقاب تفجر الأزمة المالية بوصفها واحدة من القوى القادرة على المساهمة في عمليات إنقاذ النظام المالي العالمي من الانهيار. وجرى تسليط الضوء على ردود أفعال الصناديق السيادية إزاء حالة الانكماش التي تخيم على الاقتصاد العالمي من جانب دراسة مسحية أجرتها شركة فاينانشال ديناميكس العضو في مجموعة إف تي آي كونسلتنج إنك. (خعس:ئخ).
وخلصت الدراسة إلى استنتاج رئيسي مؤداه أن أقوى صناديق الثروات السيادية العالمية ((سطئ لا تزال بانتظار وصول الأسواق إلى قعر الهاوية قبل الالتزام بإجراء المزيد من الاستثمارات الكبيرة. وأكدت الدراسة على أن صناديق استثمار الثروات السيادية تجمع على ضرورة اقتصار دورها على دور المستثمر الصامت وطويل الأمد، وعدم رغبتها في العمل كمستثمر نشط في الشركات المستثمر فيها.
وعبر سلسلة من المقابلات الثنائية المغفلة، استطلعت شركة فاينانشال ديناميكس آراء كبار المديرين التنفيذيين في عدد من أكبر صناديق استثمار الثروات السيادية في العالم، والذين يناهز إجمالي أصول صناديقهم ما نسبته 50% من إجمالي قيمة الصناديق العالمية المصنفة حالياً في فئة أصول صناديق استثمار الثروات السيادية، والتي تبلغ نحو 5 تريليونات دولار أميركي. وقد ركزت الدراسة على الموقف الراهن لصناديق استثمار الثروات السيادية من عمليات تقييم الأصول والاستراتيجيات الاستثمارية والفرص الاستثمارية الإقليمية المتاحة حالياً.
نهج استثماري
ويبدو أن الصناديق السيادية قد طورت نهجا استثماريا للتعامل مع حالة الانخفاض الشديد في قيمة الأصول، فبعدما كانت نهمة في اقتناء الأصول، تبين لها أن تدهور قيمة هذه الأصول، ينطوي على مردود سلبي، وقد أتت الدراسة على إبراز أبرز القواسم المشتركة للإستراتيجيات الاستثمارية في التالي:
أولا: اعتماد الصناديق السيادية نهجا في غاية الحذر إزاء الوضع السائد في الأسواق، وتتوقع في هذا المجال إحراز قيمة أفضل ومكاسب أكبر في وقت لاحق من العام الجاري.
ثانيا: تعطي الصناديق السيادية اهتماما خاصا للاستحواذ على حصص الأقلية في الشركات المدرجة أسهمها في البورصات، وتنعدم لديها الرغبة في امتلاك حصص أغلبية تمنحها حقوقا في السيطرة على الإدارة، أو الحصول على تمثيل في مجلس الإدارة، فهي لا ترغب في أن تتصرف بمنطق المستثمر النشط.
ثالثا: ترى الصناديق السيادية أن المناطق الأكثر جاذبية في الاستثمار هي البرازيل والصين ودول أميركا الوسطي.
رابعا: تنظر الصناديق السيادية إلى الأسواق الأوروبية على أنها الأكثر فرضا للقيمة، مع انخفاض معدل حقوق الملكية الخاصة بالنسبة للأسهم المدرجة إلى 40 % من مستوى الذروة الذي سجلته، وتداول الأسهم عند أدنى مستوى عائد.
خامسا: تتخذ الصناديق السيادية قرارات الاستثمار من منظور ضخ استثمار لفترة متوسطها لا يقل عن 5 سنوات، وبالتالي، تعتبر هذه الصناديق معيار توزيع الأرباح بأنه لا يقل أهمية عن معيار نمو رأس المال.
سادسا: ترى الصناديق السيادية أن توجيه تدفقات السيولة النقدية من محافظها العالمية إلى دولها الأم بأنه بمثابة حافز اقتصادي من شأنه أن يسهم في استقرار الأسواق المحلية.
وعلق تشارلز واطسون الرئيس التنفيذي لمجموعة فاينانشال ديناميكس قائلا: تؤكد دراستنا المسحية أنه في الوقت الذي تتبنى فيه الصناديق السيادية نهجا بالغ الحذر، وذلك في الوقت الراهن، فهي صارت تتريث في العودة إلى أسواق الأسهم العالمية.
ومن غير المتوقع أن تواصل الصناديق السيادية اعتماد هذا النهج لفترة طويلة، وذلك نظرا لبدء أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا تحقيق مكاسب للمتداولين فيها، وعلى عكس التصورات الشائعة على نطاق واسع، صارت الصناديق السيادية مستثمرا سلبيا على الأجل الطويل، حيث باتت تفتقد إلى أجندة عمل تستهدف السيطرة الإدارية، كما أنها تنأى عن سلك سلوك المستثمر النشط.
المحافظ الاستثمارية
وعلى الرغم من قيام عدد من الصناديق السيادية الرئيسة بضخ استثمارات خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وإظهارها الاهتمام بتوسيع محافظها الاستثمارية، إلا أنها ـ بحسب الدراسة ـ تضع نصب عينيها على الأسواق العالمية، وتترقب أن يحل التوقيت الصائب لضخ استثمارات ذات قيمة كبيرة.
ويعلق هنا مدير تنفيذي لأحد الصناديق السيادية بقوله: إن الأيام المئة الاولى من وصول أوباما إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة ستشهد صعود الأسواق، ولكن عانى النظام المالي بأسره من ضغوط دفعته إلى حافة الانهيار، ويجتاز الآن مرحلة التأقلم التي ستستغرق بعض الوقت.
ونقلت الدراسة عن أحد مديري الصناديق السيادية قوله: نحن ننهج الآن نهجا حذرا ولكننا مقتنعون بأنه ستكون هناك قيم أفضل للأصول في وقت لاحق من العام الجاري، ونحن مستعدون للعودة مجددا إلى الأسواق، حيث اننا متأكدون بأن اتجاه الأسواق نحو التراجع لن يستغرق أشهرا عديدة، وبالتأكيد، أصبحت قيم الأصول التي نستهدفها أكثر جاذبية، ولكننا نعتقد بأن أسعار هذه الأصول ستتجه إلى المزيد من الانخفاض، وتتمثل وجهة نظرنا بأن أسعار هذه الأصول ستصل إلى القاع بحلول نهاية العام الجاري.
وتعتمد الصناديق السيادية نهجا محافظا فيما يتعلق بإنقاذ الشركات التي تواجه صعوبات مالية، حيث تكبدت هذه الصناديق خسائر رأسمالية ضخمة من جراء استثماراتها السابقة، ومع قيامها بدعم رفع رأسمال بعض البنوك في وقت سابق، فهي صارت الآن أقل رغبة لضخ استثمارات على هذه الشاكلة، حيث أضحت تنظر إلى الفرص الحقيقية، من خلال البحث عن الشركات التي تتمتع بإدارة جيدة، وتمتلك أسهما يجري التداول عليها على مدار الوقت، عوضا عن ضخ أموال كبيرة في شركات متعثرة.
وبالفعل، قامت بعض الصناديق السيادية- بحسب الدراسة - بتقليل انكشافها لأسواق الأسهم، وتبني صندوق واحد على الأقل مثل هذه الإستراتيجية منذ 18 شهرا مضت، عندما لاحت في الأفق بواكير علامات الأزمة المالية، وهو ما عبر عنه أحد المديرين التنفيذيين للصناديق السيادية بقوله: تعتبر حوكمة الشركات وجودة الإدارة من المسائل البالغة الأهمية في ظل أوضاع السوق الحالية.
حيث يثمن المستثمرون الآن الشركة عن طريق استخدام أسلوب التقييم الكلي وٌُيَُّّيك ًّفٌِّفُّيَُ ٍمُّوُل ويشتمل على حوكمة الشركة وتوافر فريق إداري يمكن الوثوق فيه. كما يعد العائد مهما بنفس قدر أهمية النمو، وبالتالي، تعتبر استدامة العائدات المتحققة من عمليات توزيع الأرباح عاملا حيويا في تقييم الشركة.
حصة الأقلية
وبناء على الدراسة المذكورة، صار الخيار الأكثر تفضيلا للصناديق السيادية في عملية ضخ رؤوس أموالها هو شراء حصة الأقلية، ولم تعد تنزع نحو السيطرة على الشركات التي توجه استثماراتها إليها، وهو ما يؤشر على اتباعها نهجا استثماريا سلبيا، كما أن أعلب الصناديق الذين جرى استطلاع آرائهم ليس لديهم الرغبة في أن يكون لهم ممثلون في مجلس إدارة الشركة محل الاستثمار.
وهو ما يعبر عنه أحد المديرين التنفيذيين للصناديق السيادية بقوله: ليست لدينا الرغبة في التدخل في أعمال الإدارة لتغيير صيرورة الأمور، فهناك انطباع خاطئ مؤداه أن الصناديق السيادية تعد مستثمرا إستراتيجيا طويل الأجل، فهدفنا الوحيد هو الاستثمار عبر نطاق متسع من الأصول والمناطق الجغرافية لخلق قيمة طويلة الأجل.
وبالتالي، هناك شيء واحد واضح بالنسبة للصناديق التي تستثمر في ظل الظروف الحالية، وهو عزوفها عن البحث على استثمارات تسيطر عليها، فلم تعد الاستحوذات الكاملة وحصص الأغلبية مطروحة على أجندة الصناديق السيادية، ولم تعد كذلك مهتمة بمسألة التمثيل في مجلس الإدارة، أو الحصول على مقاعد فيه.
ولاحظت الدراسة أنه صار ينظر بشكل متزايد إلى مسألة مقايضة الديون بالحصص على أنها فرصة استثمارية، وهو ما يعلق عليه أحد المديرين بقوله: نحن نهتم بشكل متزايد برؤية الكيفية التي بها يمكن مباشرة الاستثمار بطريقة رخيصة الثمن، وذلك من خلال شراء الديون أو هيكلة بعض الأدوات القابلة للتحويل، ويحدونا هدف وحيد وهو خلق القيمة وليس التطلع إلى أي شكل من أشكال السيطرة.
وهكذا تنظر الصناديق السيادية إلى نفسها على أنها مستثمر سلبي، وبالتالي، فهي مختلفة كليا عن صناديق التحوط والمستثمرين في حقوق الملكية الخاصة، حيث يتمثل شكل الاستثمار المعتاد بالنسبة لها في شراء حصص الأقلية مقابل الأصول السائلة، ومن ثم، فهي تنأى بنفسها عن الانخراط في أوضاع تنطوي على مواجهة أو ممارسة النفوذ أو تغيير الإستراتيجيات.
وتنظر أغلبية الصناديق السيادية التي جرى استطلاع آرائها إلى آسيا وجنوب أميركا على أنها من أكثر المناطق جاذبية، وذلك لأسباب كمية وكيفية، وتأتي كل من المكسيك والبرازيل في صادرة المقاصد الاستثمارية في جنوب أميركا.
وترى الصناديق السيادية أن المسألة لا تعدو أن تكون سوى مسألة وقت للعودة مجددا لضخ استثمارات مؤثرة في أسواق أميركا الشمالية وغرب أوروبا، فهناك بوضوح فرص تحقق قيما ضخمة، كما أن هناك شركات على درجة عالية من الجودة يجري التداول عليها بأسعار غير مسبوقة.
ومن ثم، بدأت هذه الصناديق ترى بعض القيم الحقيقية في الأسواق الأكثر نضجا، ومع ذلك، هناك عاملان سيخففان من وتيرة اندفاع هذه الصناديق إلى العودة مجددا إلى الأسواق المتقدمة، أولهما يتعلق بهيمنة الإحساس بالقلق فيما يتعلق بالمخاوف التي قادت إلى استمرار تراجع المعنويات والذي يدفع أسعار الأسهم نحو الانخفاض.
ثانيهما، أن بعض الصناديق السيادية تنظر إلى تحويل مصادر السيولة النقدية لدعم الأوضاع المالية في أسواق دولها الأم، وتحدث أحد مديري الصناديق السيادية عن هده المسألة بقوله « لقد تم تحويل جزء من ممتلكاتنا النقدية لدعم الاستثمارات المحلية، وهو ما يعني إحكام القبضة مؤقتا على أنشطة استثماراتنا الخارجية، فعلى الرغم من أهداف الصندوق ذات طابع دولي محض، إلا أننا أبطأنا أنشطتنا في الخارج، فيما نتابع ظروف السوق من حولنا، وننتظر عودة الاستقرار مجدداً.
دبي ـ مجدي عبيد
