أعد معهد دبي لأبحاث السياسات الاقتصادية، الذراع التشغيلية التابع للأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي في إطار جهوده لدراسة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصاد الإمارات، مجموعة من الدراسات التي تناولت جوانب مختلفة من الأزمة، آخرها دراسة حول حالات التباطؤ والركود الاقتصاديين التي مرت بها الإمارات منذ تأسيسها، وتحليل السياسات الاقتصادية التي تم اتخاذها.
واشارت الدراسة إلى أن النشاط الاقتصادي عادة ما يمر بدورات اقتصادية تتسم بفترات ازدهار تتبعها فترات ركود تتمثل في نمو سالب في الناتج المحلي الإجمالي (نمو الاقتصاد) أو فترات تباطؤ في النمو، وتقصر أو تطول فترات الركود في ضوء مدى مواجهتها بالسياسات الاقتصادية التي تتخذها الحكومات. كما أوضحت الدراسة أن اقتصاد الإمارات قد مر بأربع فترات ازدهار وثلاث فترات ركود وتراخ خلال الفترة 1975 ـ 2006،و نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي بلغ نحو 6% خلال الفترة المذكورة.
وفي فترة الركود الأولى 1977 ـ1978
انخفض النمو من حوالي 14% في عام 1977 إلى ناقص 5% في 1978. كما تزامن خلال هذه الفترة انخفاض الطلب العالمي على النفط وبالتالي انخفضت صادرات النفط وإيرادات النفط الحكومية وصاحب ذلك انخفاض الاستثمارات والإنفاق الحكومي مما فاقم حدة الركود الاقتصادي في الدولة.
أما فترة الركود الثانية فقد حصلت خلال الفترة 1982 ـ 1988، حيث انخفض معدل النمو الحقيقي بحوالي ناقص 5% في المتوسط، وجاء ذلك مصاحباً لانخفاض صادرات النفط بسبب انخفاض الطلب العالمي والتزام الدولة بنظام الحصص المتفق عليه في منظمة أوبك. ويلاحظ أن الإنفاق الحكومي ساير تطور الناتج المحلي الإجمالي مما أثر سلباً على الركود والتراخي الاقتصاديين.
وفي فترة الركود الثالثة والأخيرة غطت 1997 ـ 1999، فقد تقلص معدل النمو الحقيقي من نحو 8% في عام 1997 إلى صفر تقريباً عام 1998. ولقد تأثر اقتصاد الإمارات خلال هذه الفترة بالأزمة المصرفية التي ضربت اقتصاديات جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، التي بدأت فجأة بانهيار أسواق المال والعقارات والعملات الآسيوية ومن ثم انتقلت إلى البنوك الآسيوية وإلى بلدان أخرى، كما أثرت سلباً على حركة التجارة الدولية.
وتجدر الملاحظة أن معدلات نمو الإنفاق الحكومي والاستثمارات في الدولة قد سايرت نمو الناتج المحلي، الأمر الذي عمق الركود الاقتصادي في هذه الفترة أيضاً. وأكدت الدراسة أنه نظراً لانفتاح اقتصاد الإمارات وتكامله مع الاقتصاد العالمي، فإن الدورات التي مر بها تأثرت بدرجة أو بأخرى بالظروف العالمية والإقليمية التي كانت سائدة في تلك الفترات ومن أهمها، تطورات أسواق النفط العالمية، وأسواق المال العالمية، والظروف السياسية مثل الحروب والأزمات.
أما بخصوص السياسات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة لمواجهة دورات الركود والتباطؤ الثلاث سالفة الذكر، فقد أشارت الدراسة إلى أنه خلال الفترة 1974 ـ 2006 كانت السياسة الاقتصادية مسايرة للدورة الاقتصادية، أي تتوسع في الإنفاق في فترات الازدهار وتقلص الإنفاق في فترات الركود والتراخي.
وبالمقارنة، تتبنى حكومات البلدان المتقدمة سياسات اقتصادية معاكسة للدورة الاقتصادية، ففي فترات الازدهار الاقتصادي تقلص الحكومات من نفقاتها وتزيد البنوك المركزية أسعار الفوائد، وفي فترات الركود تزيد الحكومات نفقاتها وتخفض البنوك المركزية أسعار الفوائد.
وتبين البيانات المتاحة، أن انخفاضاً كبيراً في حجم السيولة في اقتصاد الإمارات كان يسبق جميع حالات الركود والتراخي التي تم بيانها، وبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي السنوي حوالي 16 بالمائة خلال الفترة 1974 2006، وفي المقابل بلغ متوسط معدل نمو السيولة المحلية السنوي 17 بالمائة.
ولكن في فترات الركود والتباطؤ الاقتصادي كانت المعدلات السنوية لنمو السيولة تتراوح بين 3 بالمائة و11 بالمائة، وتفصيلاً كانت معدلات السيولة المحلية 6. 10 في فترة الركود الأولى 1977 ـ 1978 و8. 2% في فترة الركود الثانية 1982 ـ 1988، و8. 10% في فترة الركود الثالثة 1997 ـ 1998.
أما بخصوص السياسة النقدية التي اتبعتها الدولة في السابق، أوضحت الدراسة أنه نظراً لارتباط سعر صرف الدرهم بالدولار، فإن السياسة النقدية في الامارات تساير السياسة النقدية في الولايات المتحدة وبالتالي باتت معطلة تقريباً وقد تكون معاكسة لإحتياجات اقتصاد الإمارات في بعض الأحيان.
فعلى سبيل المثال، كانت السياسة النقدية الأميركية تقييدية لمواجهة التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة، وقد رفع بنك الإمارات المركزي أسعار الفوائد، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإستثمار في الفترة 1982 ـ 1988، وكذلك الأمر في الفترة 2007 ـ 2008 عندما بدأ البنك الإحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) تخفيض أسعار الفوائد لمواجة التراخي الاقتصادي الحاصل في أميركا، خفض بنك الإمارات المركزي أسعار الفوائد في الوقت الذي كان الاقتصاد يواجه مشكلة التضخم وما تقتضيه من رفع أسعار الفوائد.
أما أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة، هو ضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تتخذها الدولة في حالات التباطؤ الاقتصادي بحيث تعمل على استبدالها بسياسات توسعية، وبالمقابل لابد من اتخاذ سياسات ترشيدية في فترات الازدهار.
