في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ومخاوف انخفاض الاحتياطي العالمي من هذين المصدرين الاساسيين للطاقة خلال العقود القادمة.. شهدت السنوات الاخيرة اهتماما متزايدا باستخدام الطاقة البديلة في كافة المجالات الممكنة خصوصا وانها تساهم في المحافظة على نظافة البيئة وخلوها من الملوثات.

ويتوقع الخبراء نمو حصة الطاقة البديلة في الأسواق العالمية بشكل واسع خلال العقود المقبلة مشيرين الى ان السياسة الدولية ستلعب دوراً كبيراً في هذه الزيادة يدفعها للتخفيف من الاعتماد على احتياطي النفط الذي يشهد انخفاضاً ملحوظاً اضافة الى القلق المتنامي من ظاهرة الاحتباس الحراري الأمر الذي حثّ العديد من الدول إلى طرح معايير جديدة في مجال الطاقة المتجددة ويرى الخبراء انه نتيجة لازدياد الطلب فإن الصناعات المتننوعة المتعلقة بقطاع الطاقة البديلة تشهد حالياً نمواً سريعاً بمعدلات نسب عالية مضاعفة ويأتي على رأس هذه الصناعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية مشيرين الى انه رغم أن هذه الطاقة تشكل حاليا جزءاً صغيراً من إجمالي الطاقة المتجددة في السوق لا يتعدى 3. 7% إلا أن بعض الخبراء يتوقعون أن تسهم هذه الصناعة بأكثر من 25% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.

وأوضحوا أن مبادرات مثل مصدر المتعددة الأوجه في مجال الطاقة المتجددة والتي أطلقتها حكومة أبوظبي و«قمة العالم لطاقة المستقبل» التي استضافت الامارات دورتيها الاولى والثانية وغيرها من مبادرات اماراتية تدل على ان أبوظبي تستعد لتكون مورداً رئيسياً للطاقة النظيفة مستقبلا.

ويؤكد الدكتور سلطان أحمد الجابر الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) انه على الصعيد العالمي يظهر جلياً الاهتمام المتزايد بتبني حلول الطاقة المتجددة مشيرا الى التزام حكومتي الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا بتخصيص استثمارات كبيرة في تقنيات الطاقة المتجددة.

كما صادق فيه البرلمان الأوروبي مؤخراً على قانون يتضمن سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 20% بحلول عام 2020 وتقوم ألمانيا والدانمرك وأسبانيا بجهود لتأسيس «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة»، بهدف تعميم إنتاج واستخدام الطاقة المتجددة عالمياً.

ويعرب عن اعتقاده بان العالم بلغ مرحلة متقدمة في قبول مفهوم الطاقة المتجددة مشيرا الى أن الطريق لا يزال طويلاً وحافلاً بالتحديات. ويرى ان شركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) التي تعتبر مبادرة متعددة الأوجه في مجال الطاقة المتجددة والتي أطلقتها حكومة أبوظبي من خلال «شركة مبادلة للتطوير» هي في موقع استراتيجي يخولها استثمار الاهتمام العالمي المتزايد في تقنيات الطاقة المتجددة والاستفادة من الجدوى الاقتصادية لهذا القطاع على المدى الطويل.

ويؤكد الخبراء ان الامارات عموما وأبوظبي بصفة خاصة تشهد تحولاً واسعاً في استخدام الطاقة المتجددة بدلاً من مصادر الطاقة التقليدية بالتواكب مع ازدهار الأعمال التجارية في مجال الطاقة المتجددة التي استقطبت عدداً كبيراً من الشركات إلى أبوظبي.

واشاروا الى ان هناك عدة عوامل ساهمت في خلق أرضية تنافسية في هذا المجال في منطقة الخليج العربي ابرزها عدم وجود ضرائب توفر اليد العاملة والموقع الإستراتيجي وسط منطقة يقطنها أكثر من 2 مليار نسمة ومحطات النقل المبتكرة مما جعل منطقة الخليج العربي توفر بيئة مثالية للمطورين وموفري المعدات لتكون محطة انطلاق تغطي مساحة شاسعة في مجال السوق المتجددة.

من جانبه يرى ميروسلاف دورانا رئيس قسم بحوث الطاقة البديلة في بنك «كريديه سويس» ان الطاقة البديلة هي عملية طويل الأمد تدفعها عدة عوامل منها التغيرات الطارئة والدائمة على أسعار النفط والتشريعات التنظيمية التي تتبناها العديد من دول العالم لتصبح اليوم أحد المصادر الهامة للطاقة وتمتاز هذه الصناعة الفتية بسرعة النمو إلا أنها لا تزال تواجه مشكلات منها نقص الإمدادات وضعف التنفيذ. ويشير الى ان العديد من شركات الطاقة البديلة حققت نمواً عالياً في الأرباح ولكن مع مخاطرة تعتبر عالية نسبياً داعيا بتنويع الاستثمار سواء في أسهم محددة في مصادر الطاقة البديلة أو مؤشراتها.

ويقول جيفري كالبيبر نائب رئيس مجلس الإدارة في قسم الاستثمارات المصرفية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا ورئيس قسم الاستثمارات المصرفية في بنك «كريديه سويس» في منطقة الشرق وشمال افريقيا ان الاضطرابات في الأسواق العالمية تشكل فرصة ملائمة للاستثمارات في مجال الطاقة البديلة.

ويوضح الخبراء ان آلية التنمية النظيفة هي نظام مالي يفتح المجال أمام التجارة الدولية بغازات الدفيئة وتأسست هذه الآلية في نطاق بروتوكول كيوتو بهدف مساعدة الدول المتطورة الالتزام بخطط تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة المسمى أيضاً غازات الصوبة الخضراء التي تعهدت هذه الدول بها في نطاق ميثاق المناخ.

كما أنها تقوم على موازنة انبعاث الكربون حيث يمكن للحكومات الاستثمار في مشاريع الحد من غازات الدفيئة واستخدامها على نحو الائتمان الخاصة بها لمكافحة التلوث. ويشيرون الى ان أسواق الطاقة النظيفة تشهد دعماً لا محدود من قبل مؤسسات التمويل الحكومية في دول عديدة ومن المستثمرين نظراً للثقة الواسعة التي باتت تحظى بها هذه الأسواق.

مبادرات عالمية

شهدت الفترة الأخيرة عديد من المبادرات العالمية الرامية لتشجيع الطاقة النظيفة والعمل على تحقيق توازن بناء من خلال الاعتماد على طاقة أنظف والقيام باستثمارات طويلة الأمد إلى جانب استقطاب خيرة العقول في هذا المجال.

وقد خصصت دائرة الطاقة الأميركية ما مقداره 10 مليارات دولار أميركي على شكل ضمانات قرضية لتطوير التكنولوجيا المتقدمة في مجال تعزيز كفاءة الطاقة المتجددة ونقل الكهرباء وتشمل هذه القروض قطاعات متنوعة منها قطاع النقل النظيف والبناء والتشييد والبطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الحرارة الأرضية والمد والجزر والطاقة الإحيائية وغيرها الكثير.

وحصلت طاقة الرياح في الولايات المتحدة الأميركية على ثقة ودعم كبيرين وأخذت طاقة الرياح حصة الأسد من الاستثمارات العالمية أكثر من أي طاقة أخرى غير أحفورية حيث تستند على التكنولوجيا بما فيها الطاقة المائية والنووية و بلغ حجم الاستثمار العالمي الإجمالي حوالي 2. 50 مليار دولار في العام 2007 وحده.

كما سعى قطاع الطاقة الأوروبي الى توجيه الاستثمار نحو إنجاز إطار عمل لتنظيم إمدادات الطاقة سواء في المصادر أو الموارد و جرى تعزيز الاتجاه نحو استخدام ما يقارب 20% من الكهرباء و«التدفئة والتبريد» من مصادر الطاقة المتجددة أو البديلة مع زيادة 10% من المطلوب في مجال النقل المستدام لأنواع الوقود الإحيائي بحلول العام 2020 في كل من الدولة الأعضاء.

ووافق برلمان الاتحاد الأوروبي مؤخراً على التشريعات الجديدة المتعلقة بالنفايات وإدارتها والتي تدعو إلى إعادة تدوير نحو 50% من النفايات المنزلية الكلية وتدوير70% من نفايات البناء والهدم غير الخطرة بحلول العام 2020.

وأكدت القمة العالمية الثانية لطاقة المستقبل التي استضافتها ابوظبي خلال الأيام الماضية أهمية الانتقال بالطاقات البديلة من المستوى التجريبي المحدود إلى المستوى الصناعي لتستفيد منها الأجيال المقبلة في الحصول على طاقة نظيفة متجددة وآمنة تلبي الاحتياجات العالمية المتنامية من الطاقة.

وأشارت الى التوجه المتسارع إلى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة مما اسهم في قطع أشواط واسعة في حل معظم المشكلات وإزالة الحواجز العالقة التي تعترض تبني هذه المصادر والحصول على طاقة كهربائية خالية من انبعاثات الكربون.

في الواجهة : حذر.. في غير محله.. !!

رغم الازدهار الكبير الذي يشهده الاستثمار في قطاع الطاقة البديلة والمتجددة في العديد من دول العالم، الا ان بعض الممولين من القطاع الخاص مازالوا يشعرون بالحذر من الدخول بقوة للاستثمار في هذا المجال الحديث نسبيا. وهناك فئات كبيرة من رجال الأعمال بل والمؤسسات لم تتكون لديها الدراية الكافية للخوض في غمار هذه التجربة التي يؤكد معظم الخبراء انها تجربة تتوافر لها عوامل النجاح الى حد كبير.

ولاشك انه رغم ان الحذر مطلوب بقدر معين عند اتخاذ اي قرار استثماري الا ان الحذر في هذه الحالة يمكن ان نعتبره في غير محله بعد ما اعلن عن التوجه العالمي لإطلاق مشروعات جديدة بعشرات المليارات من الدولارات في مجال تقنية التنمية النظيفة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة النظيفة.

وتؤكد كافة المؤشرات ان الاستثمار في مجال الطاقة البديلة والقطاعات المرتبطة به هي من الاستثمارات ذات نسب المخاطر المنخفضة.. ومن العوامل المشجعة على ذلك قيام دولة الإمارات التي تمتلك أغنى الاحتياطيات النفطية في العالم بالدخول بقوة في هذا المجال الحيوي وتشجيع العديد من دول الشرق الأوسط المجاورة للبحث عن مصادر للطاقة تراعي البيئة وتصونها.

وتتميز منطقة الشرق الأوسط بوفرة الموارد الطبيعية الأمر الذي يجعلها مكاناً مثالياً لتطوير الطاقة البديلة «النظيفة» وتتطلع الحكومات والخبراء إلى الاستفادة من مواردها الطبيعية بنفس الطريقة التي استفادت منها من النفط والغاز. وتحرص مؤسسات عديدة في المنطقة على تطوير حلول أعمال تتناسب والرؤية المستقبلية لهذا القطاع الهام وتعزيز التعاون في مجال الأبحاث والتطوير لإيجاد وتطبيق ابتكارات تقنية جديدة بمجالات الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة على نطاق واسع.

عبد الفتاح منتصر

fattah_ram@yahoo.com