في بادرة هي الأولى من نوعها، تخلى بنك يو بي اس السويسري أمس الأول عن تقاليد سويسرية قديمة تعتمد على سرية العمل المصرفي، ووافق على كشف أسماء عملائه الأميركيين الأثرياء، الذين تشتبه السلطات الأميركية باستخدامهم لحسابات خارجية للتهرب من الضرائب.
وقالت صحيفة نيو يورك تايمز في تقرير لها نشرته أمس ان البنك أقر بتواطئه في خداع دائرة ضرائب الدخل الداخلي الأميركية، ووافق على سداد 780 مليون دولار في إطار تسوية تحقيق فيدرالي موسع في أنشطته. ولم يتضح بعد عدد العملاء الذين سيقوم البنك بالكشف عن أسمائهم. ويذكر أن المحققين الفيدراليين انكبوا على فحص نحو 19 ألف حساب من حسابات البنك الذي قد يجد نفسه في نهاية الأمر مضطرا للكشف عن أسماء بضع مئات من هؤلاء العملاء.
وقالت الصحيفة إن البعض يرى أن مجرد الكشف عن أي اسم إنما يشكل بداية النهاية لعهد الحسابات المصرفية السرية السويسرية الذي تمتد تقاليده إلى القرون الوسطى. ويرى جاك بلوم الاختصاصي في الضرائب الخارجية (الأوفشور) إن السويسريين يقولون ان هذه بداية النهاية للنظام المصرفي السويسري كما عرفوه، ولن يثق احد بعد اليوم بسرية الحسابات المصرفية السويسرية.
وكجزء من التسوية وافق بنك يو بي اس على التعاون مع أوامر الاستدعاء واسعة النطاق الصادرة عن وزارة العدل لتسليم كشف الأسماء. وبمقتضى شروط التسوية يحق للسلطات القضائية توجيه الاتهام إلى البنك ومسؤوليه التنفيذيين إذا لم يكشف عن أسماء عملائه.
وكان البنك ذكر في وقت سابق انه سيغلق الحسابات الخارجية لعملائه الأميركيين. ولكنه مطالب بموجب الصفقة مع السلطات الأميركية بتقديم أدلة خطية دورية عن ذلك إلى الجهات القضائية. ويذكر أن مكاسب البنك من وراء ذلك كانت تصل إلى 200 مليون دولار سنويا.
وتشتبه السلطات القضائية بأن يو بي اس ساعد ما بين عامي 2002 و2007 العملاء الأميركيين بصورة غير شرعية على إخفاء 20 مليار دولار مما مكنهم من التهرب من سداد ضرائب وصلت إلى 300 مليون دولار سنويا.
وفي اعتراف صارخ قال بنك يو بي اس ان بعضا من مصرفييه، وإدارييه العاملين في الحسابات الخاصة ساهموا خلال المدة الواقعة بين عامي 2000 و2007 في مخطط لخداع الولايات المتحدة ودائرة ضرائب الدخل الأميركية بمساعدتهم عملاء أميركيين على فتح وإخفاء حسابات خارجية. وشملت عملية الخداع تزوير استمارات ضريبية معينة أوعدم الحصول عليها بصورة سليمة أو تعبئتها وفقا للإجراءات المتبعة من البنك وعملائه.
ويشار إلى أن عمليات يو بي اس المصرفية الخاصة بالأفراد اقتضت توظيف 60 موظفا مصرفيا في لوجانو وزيزريخ وجنيف. وتقول مصادر الادعاء ون يو بي اس حول عملاءه إلى محامين ومحاسبين ممن أسسوا كيانات سرية خارجية لإخفاء الأصول عن دائرة ضريبة الدخل الأميركية.
وتزعم تلك الجهات أن يو بي اس حرض بعض عملائه الأميركيين على إتلاف سجلات وإخفاء ساعات ومجوهرات نفيسة وتحف فنية اشتروها بأموال مخفية في الخارج في خزائن إيداع سرية في سويسرا. كما شجعهم البنك على استخدام بطاقات ائتمان سويسرية بحيث لا يتسنى لدائرة الضرائب تتبع سجلات شرائها.
وأعرب بيتر كورر رئيس مجلس إدارة يو بي اس في بيان أصدره أمس الأول عن بالغ أسفه لعدم وفاء يو بي اس في مبدأ الالتزام في تعاملاته المصرفية الأميركية العابرة للحدود التي كشفتها التحقيقات الحكومية المختلفة في كل من سويسرا والولايات المتحدة، فضلا عن المراجعات الداخلية للبنك نفسه. وفي بيان منفصل قال مارسيل روهنر رئيس المجموعة التنفيذي في يو بي اس: الظاهر أننا ارتكبنا أخطاء كمؤسسة، وأن أنظمة المراقبة كانت غير كافية.
وكان بنك يو بي اس قاوم بضراوة تسليم الأسماء حتى بعد اتهام بعض مسؤوليه التنفيذيين وتورطهم في الأعمال المصرفية الخارجية. فالقانون السويسري يفرق كثيرا بين التجنب الضريبي والتهرب الضريبي والاحتيال الضريبي.
وعلى العكس من الولايات المتحدة فإن القانون السويسري لا يجرم عملية التهرب الضريبي. وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن خطوة بنك يو بي اس لحل القضية عشية جلسة الاستماع الخاصة للجنة مجلس الشيوخ الفرعية يوم الثلاثاء المقبل حول المسألة تشير إلى المدى الذي اقترب البنك فيه من الإدانة لعدم تعاونه مع السلطات القضائية. فالإدانة تعني جرس الإعدام بالنسبة للمؤسسات التجارية.
وفي إطار اتساع نطاق الفضائح المصرفية، هرع مئات المودعين لسحب أموالهم من البنوك والشركات المرتبطة بالملياردير الأميركي آلان ستانفورد في الوقت الذي اتسع فيه نطاق أزمة اتهامات الاحتيال التي وجهتها له السلطات الأميركية ليتجاوز الولايات المتحدة ودول الكاريبي إلى أميركا اللاتينية وأوروبا.
وقالت لجنة الاوراق المالية والبورصات الأميركية انها لا تعرف مكان الملياردير البالغ من العمر 58 عاما. وكانت اللجنة قد اتهمت ستانفورد واثنين من المديرين التنفيذيين في مجموعة ستانفورد بالتورط في عملية احتيال حجمها ثمانية مليارات دولار.
وفي ميامي ذكرت محطة تلفزيون ان بي سي المحلية أن السلطات الاتحادية داهمت مكاتب مجموعة ستانفورد أول من أمس الأربعاء بعد يوم من حملة مماثلة على المقر الأميركي للمجموعة في هيوستون. وقال مكتب وزير العدل الأميركي ومتحدثة باسم مكتب التحقيقات الاتحادي في ميامي ان الوكالتين ليست لهما صلة بحملة المداهمات الأخيرة وأحالا الاستفسارات إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات.
وذكر مصدر مطلع على الامر أن حارسا قضائيا يتولى اغلاق مكاتب ستانفورد في ميامي وباتون روج بولاية لويزيانا. وقالت شبكة ايه بي سي نقلا عن سلطات اتحادية ان مكتب التحقيقات الاتحادي وهيئات أخرى تحقق في ما اذا كان ستانفورد متورطا في عمليات غسل أموال مخدرات لحساب عصابة خليج المكسيك.
ونقلت الشبكة عن مسؤولين لم تكشف عن اسمائهم قولهم ان السلطات المكسيكية احتجزت واحدة من الطائرات الخاصة لستانفورد في اطار التحقيقات المستمرة منذ العام الماضي. وذكر المسؤولون أنه يعتقد أن شيكات عثر عليها داخل الطائرة لها صلة بعصابة خليج المكسيك وهي من أعنف عصابات المكسيك.
ونقلت شبكة ايه بي سي عن السلطات قولها ان ستانفورد قد يواجه اتهامات جنائية بغسل الاموال ورشوة مسؤولين أجانب. وقالت السلطات ان تحرك لجنة الاوراق المالية والبورصات الأخير ربما يكون قد عقد تحقيق السلطات الاتحادية في مسألة المخدرات.
ومن جزيرة انتيجوا الصغيرة في الكاريبي والتي تعد مركزا لإمبراطورية أعمال ستانفورد الى فنزويلا وكولومبيا والاكوادور حاصر المستثمرون والمودعون وقد استبد ببعضهم الغضب بينما سالت دموع آخرين؛ بنوك وشركات الملياردير في محاولة لاستعادة أموالهم أو معرفة معلومات عن مدخراتهم.
وفي حين يحيط الغموض بمكان ستانفورد ذكر تلفزيون «سي ان بي سي» أن الملياردير حاول استئجار طائرة خاصة للسفر من هيوستون الى انتيجوا ولكن شركة التأجير رفضت قبول بطاقته الائتمانية.
وبعد صدمة عملية احتيال حجمها 50 مليار دولار يقال ان المستثمر الأميركي برنارد مادوف مسؤول عنها سعت السلطات التنظيمية لتهدئة مخاوف الجمهور من وقوع فضيحة مالية اخرى في وقت يشهد فيه العالم كسادا وسلسلة انهيارات للبنوك. وردا على سؤال هل ستكون هناك حالات احتيال أخرى على نطاق مادوف وستانفورد قال وزير العدل الأميركي ايريك هولدر من الصعب قول ذلك. أود الاعتقاد بأن هاتين الحالتين ستكونان الاكبر.
إعداد ـ وائل الخطيب
