كشف اللورد إيان لودر عمدة حي المال والأعمال في لندن ( سيتي أوف لندن ) في حديث خاص لـ (البيان الاقتصادي) على أن مشروع قانون تخفيض الضريبة على الصكوك (السندات التي تتطابق مع الشريعة الإسلامية) سيتم تشريعه وسنه بحلول أغسطس المقبل.

ووصف لودر المملكة المتحدة بكونها أهم مركز للصيرفة الإسلامية في العالم الغير إسلامي ورحب اللورد لودر برؤية بنوك إسلامية مثل بنك دبي الإسلامي وغيره من البنوك الإسلامية في الدولة بتأسيس تواجد لها في بريطانيا وفيما يلي نص الحوار: أحد أهدافكم التي تسعون إلى تحقيقها من خلال زيارتكم الحالية إلى الإمارات وبعض دول المنطقة الخليجية إلى الترويج لمدينة لندن على أنها المركز المالي لأوروبا، في ظل تداعيات الأزمة الراهنة ودخول الاقتصاد البريطاني رسميا في حالة الركود، ألا يصعب ذلك من مهمتكم الحالية؟

أولا الأزمة المالية الراهنة هي أزمة عالمية وللأسف ليست بريطانيا وحدها من دخلت مرحلة الركود الإقتصادي بفعل الأزمة. الأزمة المالية الراهنة ولدت في رحم الولايات المتحدة وانتشرت إلى باقي مناطق العالم بسبب الترابط الكبير بين تلك المناطق. وقد بات هناك إجماع دولي على ضرورة الخروج من حالة الركود الاقتصادي التي يعيشها العالم وفي واجتماعات وزراء مالية مجموعة السبع مؤخرا في روما أكدت تلك الدول على أنها ستبذل كل ما بوسعها لمحاربة الركود مع تجنب تشويه حرية التجارة وذلك وسط مخاوف متزايدة من تنامي إجراءات الحماية التجارية.

وبرأيي أن هذا الإجماع إيجابي وهو في الوقت ذاته مهم للغاية وخاصة في ظل تداعيات الأزمة الراهنة. وبالتأكيد فإن قيامي بهذه المهمة في ظل ظروف الأزمة الحالية الصعبة يصعب من مهمتي الحالية.

بريطانيا ترتبط بعلاقات تاريخية قديمة ووثيقة مع الدول الخليجية، وفي الأوقات العصيبة فقط يعرف المرء أصدقاءه الحقيقيين، فالصديق الحقيقي هو من يقف إلى جانبك وقت الشدة والأزمات بينما ينفض الصديق المزيف من حولك في الأوقات العصيبة. وصداقتنا مع الدول الخليجية حقيقية ولسنا موجودين لنختفي.

وأحد أوجه الأزمة الراهنة تتمثل في المعاناة والتي انعكست على العديد من القطاعات، ولكن برأيي مازال صميم القطاع المصرفي أدائه جيدا وهوامش الربحية فيه مازالت في تزايد أشك في رؤية حدوث تغير في شكل القطاع المصرفي، ولكن على المستوى العالمي سيستمر القطاع المصرفي في النمو بنمو اقتصاديات الدول الخليجية ودول أخرى مثل الهند والصين ودول الشرق الأدنى .

حيث تواصل اقتصاديات تلك الدول صعودها في ظل تنامي القطاعات المهنية في مجتمعات تعداد السكان فيها في نمو متواصل وهذا بالتالي سيرفع من حجم الطلب على قطاع الخدمات المالية على مستوى العالم، والمفتاح الرئيسي بالنسبة إلى لندن هو تأمين حصتها في هذا النمو.

لندن والأزمة

هل تخشون من أن تفقد لندن مكانتها كأحد المراكز المالية المرموقة في العالم إذا ما اشتدت حدة الأزمة وانغمست بريطانيا في مزيد من الركود؟

إذا ما كانت لندن ستبقى أكبر مركز مالي في العالم أم لا ليس بالسؤال الاكثر أهمية في رأيي، السؤال الأهم منه هو في كيفية تحقيق لندن لنمو في ظل نمو الاقتصاد العالمي.

هل بإمكانك أن تطلعنا على تجربة (سيتي أو لندن) في الصيرفة الإسلامية؟

المملكة المتحدة تعد أهم مركز للصيرفة الإسلامية في العالم الغير إسلامي، وقد تبنت لندن تشريعات ضريبية وقوانين تنظيم وضعت خصيصا لخدمة وتلبية حاجة المنتجات الإسلامية التي تتطابق مع الشريعة الإسلامية .

ويبلغ عدد المسلمين في بريطانيا نحو مليوني شخص، وبالتالي تزداد الحاجة في بلدنا إلى منتجات إسلامية، تلبية لرغبة شريحة كبيرة من المستهلكين المسلمين البريطانيين، ولضمان عدم التمييز الغير عادل بين المستثمرين من مختلف التوجهات الدينية لذا نحن نعمل دوماً لتفعيل هذه الخدمات، ولدينا حاليا 24 بنكا مسجلا في بريطانيا تقدم منتجات مالية واستثمارية قائمة على أحكام الشريعة الإسلامية وهو أكثر بكثير مما تقدمه دول أوروبا الغربية مجتمعة.

نحن نرحب برؤية بنوك إسلامية مثل بنك دبي الإسلامي وبنوك إسلامية أخرى من الإمارات تأسس تواجد لها في لندن وهذا ما قلناه للبنوك الإسلامية خلال لقائنا بهم في الإمارات. نحن نسعى لتغيير التشريعات المالية لتتلاءم مع حاجة المنتجات المالية الإسلامية وأبناء الجالية المسلمة البريطانية والذين هم جزء من الشعب البريطاني كما أننا كنا ولازلنا نشجع البنوك البريطانية على تبني المنتجات المالية الإسلامية.

الحكومة البريطانية كانت قد أعلنت عن مشروع قانون لتخفيض الضريبة على الصكوك (السندات التي تتطابق مع الشريعة الاسلامية). متى سيخرج القانون لحيز التطبيق وإلى أي مدى سيساهم في تعزيز مكانة لندن كمركز عالمي للتعاملات المالية الإسلامية؟

بشأن توجه الحكومة البريطانية لخفض الضريبة على الصكوك فالمشروع مازال مسودة قانون، ولكن فيما يتعلق بالرهونات العقارية المتطابقة مع الشريعة الإسلامية فقد تم بالفعل تشريعها، وفي بريطانيا يتم وضع قوانين مالية كل عام .

حيث ينبغي مراجعة ضريبة الدخل والضريبة السنوية وأمور مالية أخرى وستخرج التشريعات المالية المتعلقة بخفض الضريبة على الصكوك الإسلامية لحيز التنفيذ بحلول أغسطس المقبل من هذا العام، تلك التشريعات تأتي لضمان أن النظام الضريبي المطبق على المنتجات المتطابقة مع الشريعة الإسلامية هو ذاته المطبق على ما نسميه المنتجات الدورية في بريطانيا، فعندما يتجه المرء لشراء عقار في بريطانيا هناك ضريبة حكومية يجب على المشترى للعقار دفعها وتعرف باسم (رسوم الضريبة).

والتي عادة ما تكون بنسبة 4% وإلى حين تغيير التشريعات الضريبية بشأن ضريبة الصكوك فإن العقار الذي يتم شراؤه يتم دفع رسوم تسجيل (pmatS) عليه مرتين وليس مرة واحدة، لذلك قررنا تغيير تلك التشريعات لضمان دفع تكلفة الضريبة المستحقة لمرة واحدة فقط، وبالتأكيد هذا سيعزز من مكانة لندن كمركز للتعاملات المالية الإسلامية وسيساهم في جذب الاستثمارات من المنطقة الإسلامية إلى بريطانيا.

منذ وقت ليس ببعيد كان ينظر للصيرفة الإسلامية في الغرب بعين الشبهة، هل باتت الصيرفة الإسلامية هي الحل للأزمة بعد أن أثبتت الأزمة الراهنة فشل الصيرفة التقليدية؟

بالتأكيد الصيرفة الإسلامية لم يكن ينظر إليها بعين من الشبهة في بريطانيا، والأمر يتوقف على الفترة الزمنية التي تتحدثين عنها لقد كان هناك نوع من التجاهل للصيرفة الإسلامية وليس النظر بعين الشبهة، ولا يمكنني أن أتحدث على لسان دول أخرى وبشكل عام وجهات النظر تتفاوت، فعندما أقول بأنني أمثل قطاع الخدمات المالية في بريطانيا فهذا يعني أنني أمثل هذا القطاع بغض النظر عن ملكيتها.

وبالعودة إلى سؤالك فأقول قد يكون لديك قروض غير فعالة أو استثمارات غير ناجحة ومن السهل القول بأن أحدهما جيد والآخر سيئ، برأيي أن ما سنراه مستقبلا أن البنوك ستكون أكثر تمحيصا قبل إقدامها على الاستثمار وما نراه الآن بأن البنوك لديها القليل لتستثمره على المدى القصير ولكنها ستتعافى من هذه الناحية، البنوك ستكون أكثر حذرا على المستوى الفردي، كما أن المؤسسات المالية ستخفض من درجة المخاطرة فيما يتعلق بمحافظها.

ولكن ألا تعتقد أن استمرار تحفظ البنوك على الإقراض في ظل الأزمة الراهنة من شأنه أن يضر باقتصاديات دول العالم؟

أنت محقة ففي اقتصاديات العالم عملية الإقراض تتم بحذر وكذلك القيام بالمخاطرة فيه حذر، هناك مبرر لعدم القيام بالمخاطرة والحذر وليس المخاطرة الغير محسوبة، ما سنراه هو أن البنوك ستقول بأنها ستقرض جزءا محددا من استثماراتها وستكون أكثر حذرا في فعل ذلك. وأتمنى أن يكون حذر البنوك ظاهرة عالمية.

البنوك عليها أن تتعلم من دروس الإقراض السيئ وغير المدروس في الماضي وهو ما أشعل فتيل الأزمة الراهنة، وكما ذكرت مسبقا البنوك ستكون أكثر حذرا في عمليات الإقراض.

برأيكم هل باتت الاستثمارات الخليجية تشكل جزءا أساسيا وحيويا في الاقتصاد البريطاني والعالمي بشكل عام؟

الاستثمارات الخليجية وتحديدا الإماراتية والقطرية شهدت تزايدا ملحوظا في الأسواق البريطانية خلال السنوات القليلة الماضية وليس فقط منذ عام 2008 كان أهمها استثمارات قطر وأبوظبي من خلال شرائهم حصصا في بنك باركليز البريطاني، لذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعمل على تنويع قاعدة أصولها حيث إنها تستثمر عوائد النفط والغاز من أجل الوصول إلى قاعدة متنوعة من الاستثمارات.

وهو أمر منطقي للغاية أما بالنسبة لبريطانيا فإن الاستثمارات عادة ما تسير في حلقة فأنا أذكر أنه في بداية عملي كان هناك موجة ضخمة من الاستثمارات الأميركية المتدفقة على بريطانيا في نهاية الستينات وبداية السبعينيات، وفي بداية الثمانينات والتسعينات كان هناك موجة من الاستثمارات البريطانية الضخمة المتدفقة على الولايات المتحدة ولا يوجد ضرر في ذلك بالعكس الأمر صحي للغاية.

ومن شأنه مساعدة اقتصاد كلا البلدين على النمو في وقت تحتاج فيه تلك الاقتصاديات للنمو عندما تكون الفرص المحلية أقل وضوحا لذلك نرى في الوقت الراهن أن هناك تدفقا للاستثمارات الخليجية إلى بريطانيا ودول أخرى عديدة من العالم وربما بعد عشرين عاما قد نرى تدفقا للاستثمارات البريطانية في الدول الخليجية. وفي الوقت الحاضر من الجيد أن يكون الاستثمار في كلا الاتجاهين.

فقدان الوظائف

طبقا لتقرير المركز الاقتصادي للدراسات والبحوث في بريطانيا فإنه من المتوقع أن يخسر 6500 موظف لوظائفهم في حي المال والأعمال في لندن، مما يعني الاستغناء عن ما نسبته 2% من إجمالي الوظائف في (سيتي أوف لندن)، كيف سينعكس ذلك على أداء القطاع المالي في لندن؟

لم أطلع على تلك الدراسة التي خرجت بتلك الأرقام. يبلغ إجمالي الموظفين العاملين في حي المال والأعمال خلال فترة العمل النهارية 300 ألف موظف وحسابيا 6500 تمثل تقريبا ما نسبته 2%، وأنا أعتقد أن الأمر يتوقف على كيفية النظر للأمور «وقام العمدة بملأ الكوب الذي أمامه بالماء إلى منتصفه. ..

ونظر لي وقال قد تنظرين إلى الكوب وتقولين إن نصفه ممتلئ وهذا ما سأقوله شخصيا وقد تنظرين إليه وتقولين إن نصفه فارغ. .الأمر ينطبق تماما على ( سيتي أوف لندن)، فإذا ما قلنا إن هناك 6500 موظف سيفقدون وظائفهم في حي المال في لندن فبمعنى آخر فإن 98% من الموظفين في حي المال في لندن مازالوا يحتفظون بوظائفهم بالرغم من الأزمة وهذا أمر جيد للغاية وبالطبع هو غير جيد لنسبة 2% ممن هم معرضون لفقدان وظائفهم، وهؤلاء سوف يجدون فرص عمل في وظائف أخرى كلما ابتعدنا عن الأزمة.

النظام المالي

ألا تعتقد بأن صندوق النقد الدولي قد أخفق في ضبط النظام المالي العالمي، وبأن الحاجة باتت ضرورية لإدخال تعديلات على عمل الصندوق ليتمكن من مجاراة التطورات الراهنة على النظام المالي بفعل الأزمة؟

لست متأكدا إن كان يجب أن نوجه اللوم لصندوق النقد الدولي فيما يتعلق بالأزمة الراهنة، وعلينا أن ننظر إلى مسببات الأزمة بالدرجة الأولى والتعلم من أخطائنا بدلا من البحث عن من نوجه إليه اللوم.

مقاطعة: ولكن نحن هنا لا نتحدث عن شركة أو مؤسسة مالية صغيرة وإنما عن صندوق دولي من المفترض أن يتابع عن قرب أداء اقتصاديات الدول ويحدد حجم المخاطر فيها أليس كذلك؟

الصندوق ليس لديه نفوذ، والنفوذ عادة ما تمرر على كل مشرع على حدة ولكن في النهاية حتى المشرعين لا يستطيعون إدارة الشركات فالأمر يعود إلى الهيئات التشريعية الإدارية، فالتشريعات لا تستطيع حماية الناس من تأثيرات القرارات الإدارية الخاطئة وقد شاهدنا الكثير من تلك البنوك في أنحاء العالم.

ما يتوجب تعلمه هو القيام بإحداث تغييرات في التشريعات ويجب أن نصل إلى وضع حيث يكون فيه أعضاء مجلس الإدارة غير معنيين بالشؤون الإدارية وأن يلعب هؤلاء دورا أكبر ويكون لهم سلطات أقوى، ويكون لهم إدراك بضرورة عدم المخاطرة في مكان واحد حتى ولو كان الحد الأدنى من العوائد. علينا التعلم من أخطاء الماضي وتحسين الحوكمة التجارية بدلا من أن نلقى باللائمة على صندوق النقد الدولي ونقول كان يجب عليه فعل كذا وكذا. في حقيقة الأمر لست متأكدا أنه لو كان هناك نظام تنبيهي أو تعليمي لكانا سيفرزان نتائج مختلفة عما نعيشها الآن بفعل الأزمة.

دبي ـ «البيان»