لم ينخفض الطلب على المجوهرات الذهبية في دبي خلال الربع الأخير من عام 2008 دون نسبة 14% في أسوأ الأحوال، لكن الشائعات التي غذتها التقارير الإعلامية المغلوطة ضخمت هذا الانخفاض، بأن قدرته تارة بنسبة 60%، وتارة أخرى بنسبة 80%، وعندما تدفقت طلبات المستهلكين على اقتناء العملات والسبائك الذهبية على نحو قاد إلى تشدد الإمدادات، ذهبت الشائعات إلى مدى بعيد، بترديد أقاويل مفادها أن مدينة الذهب تخلو من المجوهرات الذهبية».

بهذه العبارة التي وردت في متن حديث لمي الصاحب مديرة التسويق والعلاقات العامة لمنطقة الشرق الأوسط بمجلس الذهب العالمي لـ «البيان الاقتصادي»، صار جليا للعيان أن مدينة الذهب لم تنج من الوقوع في براثن المزاج السوداوي الذي سيطر على عقول البعض كأحد الأعراض الجانبية للأزمة المالية العالمية، ولم يفلت المعدن الأصفر من شرك النظرة التشاؤمية التي صورت الأوضاع بأن مآلها التحول من السيئ إلى الأسوأ، وأن الأزمة لم تكشف عن وجهها الأكثر كآبة وقتامه بالتالي، من المقدر أن تحل الكوارث والمآسي الواحدة تلو الأخرى. طبعت هذه النظرة طريقة تناول بعض وسائل الإعلام لتأثيرات الأزمة المالية العالمية على أسواق الذهب في الدولة، فقبل أن تشرق شمس العام الجديد، وفي غمرة حماسة وسائل الإعلام على نقل كوارث ومآسي العام المنصرم، أبرقت وكالة رويترز تقريرا عن انخفاض مبيعات الذهب في دبي بسبب الأزمة المالية .

وتراجع أعداد السائحين، ونقل التقرير المنشور في منتصف شهر ديسمبر الماضي عن تجار قولهم بأن المبيعات تراجعت بنسبة 80%، وعليه، قامت الدنيا ولم تقعد، فكيف يجرأ أحد أن يتحدى مصداقية وكالة إعلامية عتيدة كرويترز، وكيف يتسنى لأي شخص أن يردد أقولا تتحدى المزاج السوداوي الذي يخيم على الأسواق، حيث ان أي محاولة من هذا القبيل ستكون صوتا ناشزا ضمن أصوات تعزف على وتر الكوارث والمآسي.

أربكت هذه التقارير المشاركين في السوق، وكان مجلس الذهب العالمي أحد هذه الجهات التي أصابها قدر من الارتباك، وهو ما أتت لمي الصاحب على ذكره بقولها «تارة تتطاير أنباء عن انخفاض المبيعات بنسبة 80%، وتارة تقدر تقارير أخرى بأن الانخفاض في حدود 60%، ثم بعد ذلك، تتحدث تقارير أخرى عن أن الذهب هو الملاذ الآمن، وعن زيادة الطلب الاستثماري على المعدن الأصفر، فكيف يكون الذهب ملاذا آمنا في وقت تتحدث فيه التقارير عن عدم إقبال الناس على شرائه، وبالتالي، كان التناقض واضحا وضوح الشمس.

يعتبر مجلس الذهب العالمي _ والكلام مازال على لسانها _ بمثابة جهة دفاع عن الذهب، ويتمثل هدفه الرئيسي في زيادة استهلاك الذهب على مستوي العالم، وذلك من خلال العمل على تعزيز إقبال المستهلكين على اقتنائه سواء لأغراض التزين والاستثمار أو أية أغراض أخرى، وباعتبارنا مؤسسة جرى تأسيسها من قبل شركات تعدين الذهب.

فليس دورنا هو تكذيب الأرقام، أو الوقوف إلى جانب فئة من التجار ضد فئة أخرى، بل نحرص على أن نؤدي دورنا بحيادية واستقلالية تامة، ونحرص كذلك على توخي الحقيقة في الأرقام التي نقوم بنشرها، ومن ثم، نحن لا نتورع عن نشر أرقام تتحدث عن انخفاض وتراجع في مبيعات الذهب، إذا ما كان هذا هو الواقع.

تقدم لمي الصاحب شهادتها عن حقيقة أوضاع سوق الذهب في دبي خلال الربع الأخير من العام المنصرم قائلة: عندما تفجرت الأزمة المالية العالمية، كانت أخبارها تتطاير من الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن المناطق الأخرى، ثم تطورت صيرورة الأمور، وبدأت أخبار تداعيات الأزمة تتطاير من منطقة الخليج.

وفي خضم الأحاديث المتواصلة عن الأزمة وانعكاساتها، تأثرت معنويات المستهلكين بأجواء الإشاعات التي زرعت الخوف في نفوسهم إزاء النذر التي سيحملها المستقبل، وهو ما زعزع شعور المستهلكين بالطمأنينة، وصار هناك من يتساءلون عما سيؤول إليه الحال في منطقة الخليج بشكل عام، إذ كانت الأزمة قد هزت اقتصادات كبرى على غرار الاقتصاد الأميركي.

تضعضعت معنويات المستهلكين والكلام مازال لها - تحت وطأة سيل الأخبار المنهمر عن الإفلاسات والانهيارات وفقدان العاملين لوظائفهم، وبالتالي، بدا طبيعيا أن يقل إقبال المستهلكين على الشراء. تواصل لمي الصاحب سرد شهادتها قائلة: كانت المفاجأة بالنسبة لنا أننا لا حظنا أن الناس مازالت مقبلة على شراء الذهب، وتساءلنا عن سبب ورود تقارير تتحدث عن انخفاض في المبيعات.

وكانت الإجابة التي توصلنا إليها أن جمهرة المستهلكين لم يتوقفوا عن شراء الذهب، ولكنهم غيروا نوعية مشترواتهم، فبدلا من شراء المجوهرات الذهبية ذات العلامة التجارية، زاد إقبالهم على شراء السبائك والعملات الذهبية. وذلك بهدف المحافظة على قيمة مشترواتهم.

وعليه، ظهر في الربع الثالث من العام المنصرم- والكلام مازال على لسانها - اتجاه يفضل اقتناء السبائك والمعادن، وتزايد إقبال المستهلكين على شراء هذه المقتنيات الذهبية بفعل انخفاض أسعار الذهب حينذاك نسبيا عن مستويات في الربع الثاني، فضلا عن أن هذه الفترة واكبت عيد الدوالي الذي تحتفل به الجالية الهندية في الدولة.

وتتزايد فيه مبيعات هذه الجالية من المجوهرات الذهبية، ونتيجة للطفرة الشديدة في الطلب على العملات والسبائك الذهبية، تم استنزاف المعروض من هذه المقتنيات الذهبية، وفي الوقت الذي كان فيه التجار يقومون بتحضير طلابيات جديدة لتلبية احتياجات المستهلكين، تعاملت وسائل الإعلام مع هذا الوضع بشكلي سلبي، وروجت مقولة ان «مدينة الذهب خالية من الذهب».

وتستدرك لمي الصاحب في شرح نظرتها التحليلية لحالة السوق خلال الربع الثالث من العام المنصرم بقولة: أغلق الربع الثالث على ارتفاع في مبيعات الذهب بنسبة 56%، وهو ما يعني أن التقارير الإعلامية تنقل عن تجار يشكون من انخفاض المبيعات، ولكن هناك في الوقت ذاته تجارا يحققون مبيعات جيدة، وبالتالي، ظهرت هناك فجوة في تغطية هذه التقارير الإعلامية، وبدا الأمر كما لو كان متاحا لكل شخص أن يدلي برأيه ويعن أرقاما من دون أن الحرص على تحري حقيقة الوضع.

فمن السهل وضع الأرقام ؟ والكلام مازال لها ؟ ولكننا في مجلس الذهب العالمي ننظر إلى تجار الذهب في الدولة كحزمة واحدة، حيث اننا ندعم التجار الحريصين على توسيع أعمالهم وتكبير حجم السوق، وبالتالي، نتعامل مع جميع التجار سواء أكانوا صغارا أو كبارا بمنهاج واحد، من دون تمييز أحد على آخر، ومن الطبيعي أن تأثر الأزمة على صغار التجار بشكل أكبر بالمقارنة مع كبار التجار، وهو أمر ينسحب على كافة الأسواق، بما في ذلك أسواق الذهب.

وتنتقل لمي الصاحب إلى الحديث عن مجريات وأوضاع سوق الذهب في دبي خلال الربع الأخير من العام المنصرم قائلة: مع تزايد مخاوف المستهلكين، وتراجع الدخول، وتزايد الحرص على ترشيد الإنفاق، وتطلع جمهرة الناس إلى البحث عن أوعية استثمارية أكثر أمانا واستقرارا، تزايد إقبال الناس على اقتناء الذهب لأغراض استثمارية، حيث ان أسعار المعدن الأصفر قابلة للصعود والهبوط، ولكنه يتميز بقدرته على الحفاظ على قيمته.

نحن لاحظنا ؟ والكلام مازال لها ؟ صعودا في الطلب على الذهب لأغراض استثمارية، فعلى الرغم من انخفاض الطلب على المجوهرات الذهبية، زاد الطلب الاستثماري، وفيما ركزت التقارير الإعلامية على انخفاض الطلب على المجوهرات ـ فانها تجاهلت صعود الطلب الاستثماري.

تختتم لمي الصاحب حديثها بالقول: نعم انخفض الطلب على المجوهرات الذهبية خلال الربع الأخير من عام 2008، ولكنه لم ينخفض بالنسب الكبيرة التي ترددت، فلم يتجاوز الانخفاض نسبة 14%، وإذا قارنا الإمارات ببقية أسواق العالم، فمثل هذا الانخفاض هينا بالمقارنة مع السوق الهندي الذي شهد انهيارا ضخما، بحكم أنه من الأسواق التي تتميز بحساسيتها الشديدة للأسعار.

ويؤكد التقرير الصادر مؤخرا عن مركز دبي للسلع المتعددة أن الإشاعات والأقوال المغلوطة لم تنل من مكانة دبي كمدينة للذهب، حيث بلغ إجمالي حجم تجارة الذهب عبر دبي بلغ 29 مليار دولار خلال العام الماضي، محققاً 53 في المئة نمواً مقارنة بـ 19 مليارا في 2007 وبلغ حجم واردات دبي من الذهب 674 طناً، بنمو 21 في المئة مقارنة بـ 559 طناً في 2007. وبلغت صادرات دبي من الذهب خلال الفترة ذاتها 371 طناً، بنمو 29 في المئة مقارنة بـ 287 طناً في 2007. وتضمنت قائمة شركاء توريد الذهب إلى دبي خلال عام 2008، أكثر من 100 دولة في مقدمها المملكة المتحدة والهند، وصدّرت دبي الذهب إلى 64 دولة، تتقدمها الهند وسويسرا.

وقال المدير التنفيذي لـ «مركز دبي للسلع المتعددة» الدكتور ديفيد رتليدج: «ارتفعت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية في الربع الأول من 2008، ما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من قطع الذهب الصغيرة (الخردة) إلى دبي بغرض التكرير والتصفية. ومن ثم أدى تراجع الأسعار لاحقاً خلال الربع الأخير، إلى زيادة كبيرة في حجم واردات دبي من السبائك، ما يعكس بوضوح أن الإمارة تمثل سوقاً قادرة على التكيف مع كل الظروف والتغيرات الاقتصادية».

ووفقاً لبيانات إضافية، بلغ حجم الذهب المتداول عبر دبي خلال النصف الثاني من العام الماضي، 99. 15 مليار دولار، بزيادة 57 في المئة مقارنة بـ 16. 10 مليارات خلال الفترة ذاتها من 2007، وبلغ 07. 13 مليار دولار خلال النصف الأول بزيادة 22%. وأفاد رتليدج بأن هذا المسار التصاعدي يعكس المرونة العالية التي تتمتع بها دبي وقدرتها على التكيف مع التوجهات العالمية. «وتشير الأرقام الإيجابية لعام 2008، إلى الدور المتنامي الذي تلعبه الإمارة كمركز لتجارة الذهب الإقليمية والعالمية. وعلى رغم التحديات المالية التي يتوقع أن يشهدها العالم هذه السنة، تمتلك دبي المقومات كافة التي تمكّنها من الحفاظ على أدائها».

صمت غير منطقي

لاذ تجار المجوهرات بالصمت في وقت ليس مطلوبا فيه الركون إلى السكون والانزواء خلف الجدران، وكمم الكبار منهم أفواههم، وتركوا الصغار منهم ينفسون عن غضبهم وشكواهم والتي سرعان ما تتحول إلى تقارير إخبارية تنذر بالكوارث والمآسي، ومنع التجار الحقيقيون ألسنتهم بالبوح بالحقائق كما يرونها ويتعايشون معها، وتركوا الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من هب ودب ليدلي بدلوه في اختلاق الأكاذيب والمعلومات المغلوطة.

ليست هذه الأحكام نوعا من التجني على كبار التجار، فالقارئ العادي للصحف اليومية لا بد أن يخلص إلى مثل هذا الاستنتاج من مجرد تصفحه السريع للصحف الصادرة على مدار الأسابيع الأخيرة، فمن السهل أن يلحظ الغياب الشبه الكلي لبيانات وتصريحات كبار تجار المجوهرات في الدولة، وإذا ما عدنا بذاكرتنا قليلا إلى الوراء، ستلحظ أعيننا أنه لا يمر يوم واحد دون أن تطالعنا وسائل الإعلام على تصريحات لهؤلاء وهم يتغنون بالإذهار والانتعاش.

الآن، أغلق كبار التجار هواتفهم المحمولة، وأوصوا مكاتبهم الإعلامية بعدم ترتيب لقاءات صحافية لحين إشعار آخر. فهل الوقت الحالي هو وقت الصمت؟! فما أحوج السوق الآن لمن يبث فيه رسائل الاطمئنان، وأن يقدم صورة حقيقية لما يدور فيه دون مزايدة أو نقصان.

فالأحرى أن يلوذ التجار بالصمت في أوقات الازدهار، حيث لا توجد حاجة لدعمهم المادي والمعنوي، وأن يتحولوا في الأوقات الصعبة إلى خلية نحل تعمل ليل نهار من أجل مدينة الذهب.ولكن يبدو أنهم آثروا تكميم أفواههم، بل وتخلى البعض منهم عن المشاركة في الحملة الترويجية للذهب خلال مهرجان دبي للتسوق، فهل السكون والصمت رد فعل منطقي لمعالجة الأوقات الصعبة.

مجدي عبيد