تواصل أمس سيل الأنباء السيئة حول أداء القطاع المصرفي الذي بقي أكبر المتأثرين بالأزمة المالية الحالية. ويقدر صندوق النقد الدولي إجمالي خسائر البنوك لما يطلق عليها «أصول عالية المخاطر» بأنه قد يصل في نهاية الأمر إلى 2, 2 تريليون دولار. في حين يرى آخرون أن الرقم الأكثر واقعية هو 6, 3 تريليونات دولار وذلك بالنسبة للولايات المتحدة بمفردها. وهناك اتفاق عام بأن تغلب النظام المصرفي على مثل تلك المنتجات المعقدة وعديمة القيمة وغير المرغوب فيها سيعيد الثقة ويتسبب في حدوث تدفق ائتماني من جديد.

وأعلن بنك كريدي سويس خسائر صافية أسوأ من المتوقع في الربع الأخير من عام 2008 بلغت ستة مليارات فرنك سويسري (2, 5 مليارات دولار) ليسجل أكبر خسائر سنوية على الإطلاق بسبب ضعف أداء المعاملات ونفقات إعادة الهيكلة. وتأتي نتائج كريدي سويس بعد يوم من إعلان منافسه السويسري يو.بي.اس تسجيل خسائر سنوية صافية تبلغ نحو 20 مليار فرنك وهي أكبر خسائر في تاريخ الشركات السويسرية. وكشف وزير الخزانة الأميركي تيموثي جيثنر عن خطة إنقاذ مصرفي جديدة تعبئ تريليوني دولار لإسقاط الأصول الفاسدة واستئناف تدفق الائتمان. وفي بريطانيا اعتذر أربعة من كبار المسئولين المصرفيين أمام لجنة برلمانية عن أخطاء دفعت رويال بنك اوف سكوتلاند «ار.بي.اس» و«اتش.بي.أو.اس» إلى حافة الانهيار قائلين انه ينبغي للقطاع أن يعيد التفكير في مسألة دفع علاوات باذخة. وقال توم مكيلوب رئيس مجلس الادارة السابق لبنك ار.بي.اس للجنة إن استحواذ رويال بنك اوف سكوتلاند على ايه.بي.ان امرو كان خطأ فادحا وانه يأسف لابرام هذا الاتفاق، وهو مصدر رئيسي لمشكلات البنك، قبل فترة وجيزة من تفجر أزمة الائتمان التي ضربت البنوك في أنحاء العالم.

فوق التوقعات

وذكر كريدي سويس ثاني أكبر بنك سويسري أن خسائره الصافية لعام 2008 كله بلغت 2, 8 مليارات فرنك وهو ما يتفق مع توقعات بعض الصحف السويسرية ولكن دون متوسط توقعات المحللين بخسائر قدرها 3, 6 مليارات فرنك. وكان محللون استطلعت آراءهم في وقت سابق قد تكهنوا بأن البنك سيعلن خسائر صافية قدرها أربعة مليارات فرنك في الربع الاخير من العام الماضي. وقال جيريمي سيجي المحلل في سيتي بنك «الخسائر تبدو أكبر من المتوقع وهو أمر غريب في ضوء أنهم حذروا من تقلص الارباح». وأضاف «التدفقات النقدية في البنك الخاص تبدو مخيبة للآمال.

الأمر الجيد هو أنهم قالوا إن يناير كان ايجابيا ولكن الانطباع الأولي هو أن تقرير النتائج ضعيف». وكان «يو بي اس» أكبر بنوك سويسرا قد أعلن أول من أمس الثلاثاء تحقيق أكبر خسائر سنوية في تاريخه ولكنه قال ان عمليات السحب التي يقوم بها العملاء توقفت في يناير الماضي.

وقال البنك أنه سيقلص حجم وحدة الاستثمار المصرفي المتعثرة التابعة له ليلغي ألفي وظيفة أخرى ويغلق معظم أعماله الخاصة بالسلع ولمح الى أنه ربما يرغب في التمسك بتلك الاعمال. وقال جون كريان المدير المالي لمجموعة يو.بي.اس. وهو يتحدث عن خفض الوظائف «نتوقع الان ان تنخفض القوة العاملة بالمجموعة الى نحو 75 ألفا نتيجة بعض التغييرات».

وقالت متحدثة باسم البنك ان أكبر قدر من خفض الوظائف سيتم في الولايات المتحدة وبريطانيا وسيحدث خفض أيضا في سويسرا وآسيا. وأشارت الى أن الخفض سينفذ في وقت قريب وسيكون أغلبه من خلال خفض الوظائف المتكررة حيث يستهدف اكتمال الخفض بنهاية العام.

اعترافات صريحة

وقال سياسيون بريطانيون ان المسؤولين المصرفيين السابقين ينكرون حجم أخطائهم واتهموا اتش.بي.أو.اس بتجاهل تحذيرات من أنه ينمو بوتيرة أسرع من اللازم مستشهدين بأدلة قدمها مصدر بالبنك. وقال مايكل فالون عضو حزب المحافظين المعارض لفريد جودوين الرئيس التنفيذي لرويال بنك اوف سكوتلاند الذي أطيح به بعدما تدخلت الحكومة البريطانية لانقاذ البنك بشراء حصة تمثل 70 بالمئة من أسهمه «لقد دمرت بنكا بريطانيا عظيما».

واستجوبت اللجنة البرلمانية المشكلة من أحزاب مختلفة المسؤولين الاربعة السابقين وسط انتقادات اعلامية حادة للمسؤولين المصرفيين بعدما انفقت الحكومة البريطانية 37 مليار جنيه استرليني (55 مليار دولار) لانقاذ البنكين. وقالت كاث سبيت التي كانت ضمن مجموعة صغيرة من المحتجين من نقابات العمال خارج البرلمان إن المسؤولين المصرفيين لن يتقدموا قريبا بطلب للحصول على اعانات البطالة.

وأضافت «سيرغب أعضاؤنا في معرفة كيف يسددون رهونهم العقارية في الوقت الذي فقدوا فيه وظائفهم بسبب أخطاء غيرهم». وأعلن رويال بنك اوف سكوتلاند أنه سيلغي 2300 وظيفة في بريطانيا.

وفي ذات السياق قال دينيس ستيفنسون رئيس مجلس الادارة السابق لبنك اتش.بي.أو.اس «اننا نعبر، وأقولها دون تحفظ، عن أسفنا الشديد لما الت اليه الاحداث». ودفعت الانتقادات القائلة ان أنظمة المكافات قد شجعت على عمليات مخاطرة غير مناسبة وساهمت في حدوث أزمة الائتمان الى اعادة التفكير فيها على مستوى العالم حيث حدد الرئيس الأميركي باراك أوباما سقفا لاجور المسؤولين التنفيذيين الذين تحصل مؤسساتهم على تمويل من أموال دافعي الضرائب.

تفريغ المصارف

ويقدم صندوق تموله الحكومة الأميركية قروضا تصل إلى تريليون دولار، بحيث يمكن تفريغ النظام المصرفي المتداعي من الاصول الفاسدة. وقال وزير الخزانة الأميركي جيثنر ان الخطة التي أعلن عنها في مقر وزارة الخزانة تتضمن رصد 50 مليار دولار من أموال الانقاذ الاتحادية لمحاولة كبح نزع ملكية المنازل والحد من تداعيات أزمة الاسكان العميقة التي تعصف الان بالاقتصاد بأسره.

وتمد الخطة أيضا نطاق برنامج للبنك المركزي يهدف الى التوسع في قروض بطاقات الائتمان والطلبة والسيارات والشركات الصغيرة. وسينمو سقف التسهيل من 200 مليار دولار حاليا ليصل الى تريليون دولار بفضل قفزة في تمويل الخزانة الى 100 مليار دولار من 20 مليار دولار. وسيجري التوسع في برنامج الاقراض ليغطي نطاقا واسعا من الاصول المرتبطة برهون عقارية.

وقالت الخزانة أيضا انها ستواصل ضخ السيولة في البنوك كما فعلت ادارة بوش السابقة لكن جيثنر قال انه هذا سيكون مشروطا بفرض كبار المديرين قيودا على رواتبهم. وفي مقابل التمويل تحصل الحكومة على أسهم ممتازة في البنوك يمكن تحويلها الى أسهم عادية. واعتبر جيثنر أن الأميركيين فقدوا ثقتهم بمسؤولي المصارف وانه سيغير هذا الوضع لأن «ثقة الأميركيين اساسية» لتمكين البلاد من العودة الى الوضع الطبيعي.

محافظ الأصول

ومنذ بداية الأزمة المالية العالمية في منتصف عام 2007، بلغ إجمالي خفض محافظ الأصول أكثر من تريليون دولار بقليل. وكان ثلاثة أرباع الرقم تقريبا من نصيب البنوك الأميركية مع إعلان البنوك الأوروبية عن خفض أصول بقيمة 7, 293 مليار دولار أخرى.

ورغم الجهود الحكومية إلا أن الأزمة لا تزال بعيدة جدا عن الانتهاء. ووضعت المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي عددا من «الخطوط العريضة» التي يتم بحثها حاليا من جانب وزراء مالية الاتحاد الأوروبي للتخلص من الأصول عالية المخاطر وتنص على المشاركة في برنامج من جانب المؤسسات المالية يجب أن يكون طوعيا. كما تطالب المفوضية بأن تتسم مثل تلك الأصول بالشفافية والاستقلال قدر الإمكان مع إمكانية الاستعانة بخبراء من طرف ثالث. وتقول إنه لابد أن يكون هناك درجة ملائمة من تقاسم المخاطر بما يحد من التكاليف على الحكومات.

ونظرا لأنه يجب السماح للدول بوضع نظمها الخاصة بها، فإن المفوضية الأوروبية، التي تقوم بدور الحارس لمعاهدات الاتحاد الأوروبي وللسوق الواحدة، تريد أن تضمن أن حكومات الدول لا تحاول أو تحمي بنوكها على حساب البنوك العاملة في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وقالت مسودة ورقة «الخطوط العريضة» للمفوضية إنه لهذا السبب، كانت هناك حاجة للتوصل إلى «منهج متماسك للاتحاد الأوروبي». وأحد الحلول التي يتم بحثها هو الاشتراك في إنشاء ما يطلق عليه «بنوك الأصول المعدومة» الذي سيتلقى كل الأصول المعدومة والمشكوك في تحصيلها للتعامل معها والتخلص منها.

واستخدمت السويد وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا كلها بعض أشكال «بنك الأصول المعدومة». وفي ظل رفض فكرة «بنك الأصول المعدومة» لعموم أوروبا حتى الآن من جانب لاعبين رئيسيين في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا فإن القواعد التي تحكم تلك النوعية من البنوك في الدول الأعضاء يجب أن تلتزم بإرشادات المفوضية.

وهناك خيار آخر تقدمت به حاليا بريطانيا وهو استخدام الأموال العامة لضمان حماية البنوك من تكبد خسائر ضخمة ناجمة عن التعرض لخطر الأصول عالية المخاطر المدرجة في ميزانياتها.